تزايد هجرة نجوم الرياضات الفردية العرب يثير التساؤلات

الرعاية والمال وراء اختيار الشوربجي تمثيل إنجلترا على حساب مصر.
الأحد 2022/06/26
ما بعد الشهرة والرعاية والمال

يجد العديد من نجوم الرياضات الفردية العرب أنفسهم مجبرين على اختيار مستقبلهم وفق ما تحدده احتياجاتهم من رعاية ومقابل مادي يحصلان عليهما ويسهمان في النهوض بهذا النجم أو ذاك، فيما يتضاعف السجال داخل هذه البلدان لفهم أسباب الظاهرة رغم كونها معلومة سلفا لدى الفاعلين في القطاع الرياضي ولا تحتاج سوى إلى إعادة ترتيب الأولويات.

القاهرة - على عكس بعض الرياضات الجماعية مثل كرة القدم وكرة اليد وغيرهما، وربما بأقلّها حدة، تتزايد ظاهرة هجرة نجوم الرياضات الفردية إلى الخارج والتي لا تتوقف أحيانا عند حدود اللعب لنواد أجنبية اختاروا الانتماء إليها وفق عقود محددة وإنما تتعداها ليفضل الكثيرون تمثيل أحد البلدان التي ينتمون إليها ويعيشون فيها. وهذه الظاهرة بدأت تتزايد في العديد من البلدان العربية العاجزة عن احتواء نجومها ودعمهم ماديا ومعنويا والإحاطة بهم.

ووُصف المصري محمد الشوربجي بالخائن بعد قراره تمثيل إنجلترا مطلع الشهر الحالي، لكنه ليس أول رياضي مصري ينقل ولاءه دوليا، فيما يرى خبراء أنها مشكلة منتشرة تتمثل في شعور الرياضيين بغبن مادي ومعنوي.

ويقول لاعب ومدرب منتخب مصر السابق للمصارعة الرومانية حسام حامد إن "كرة القدم وحدها وبعض الألعاب الجماعية تؤمّن مستقبل الرياضي المصري"، لافتا إلى أن "المكافآت المادية ضعيفة جدا لأبطال الألعاب الفردية".

◙ نجم السكواش المصري يرى أن الدفاع عن ألوان دول أخرى تمرّد على واقع مؤلم وبحث عن المال في مكان آخر

ويرى أن الدفاع عن ألوان دول أخرى "تمرّد على واقع مؤلم وبحث عن المال في مكان آخر". وشرح الشوربجي خياره "أعطتني إنجلترا الدعم الذي احتاجه.. ولسنوات طويلة لم يفكر فيّ أحد (في مصر)”. وأضاف المصنف ثالثا عالميا وأكثر لاعب مصري في التاريخ يفوز ببطولات للمحترفين "لم أحظ براعٍ مصري طيلة مشواري الرياضي".

ويُعدّ الشوربجي (31 عاما)، المولود بمحافظة الإسكندرية الساحلية، واحدا من أكثر لاعبي السكواش تتويجا، حيث قضى 50 شهرا في المركز الأول عالميا بين 2014 و2021، ويمتلك 43 لقبا احترافيا باسمه في رياضة يهيمن عليها المصريون عالميا.

لكن الشوربجي ليس أول من يتخلى عن علم بلاده، إذ سبقه رياضيون في رفع الأثقال، المصارعة، الفروسية، الملاكمة وكرة اليد وغيرها. وفي عام 2018 وبعد خلافات مع الاتحاد المحلي، ظهر لاعب المصارعة اليونانية - الرومانية محمود فوزي بزي المنتخب الأميركي، قبل أن يعتزل ويتجه إلى فنون القتال المختلطة "أم.أم.أي".

وفي أولمبياد طوكيو الصيف الماضي حصد الرباع القطري من أصول مصرية فارس حسونة (24 عاما) ميدالية ذهبية في رفع الأثقال، ما أثار ضجة على منصات التواصل الاجتماعي.

وأوضح والده ومدرّبه إبراهيم، مدرّب منتخب مصر السابق، أنه غادر البلاد معه منذ الصغر، بعد نشوب خلاف بينه وبين الاتحاد المحلي، متجها إلى التدريب في قطر.

وفي الرياضتين "ينتمي اللاعبون إلى أسر فقيرة”، بحسب فتحي زريق مدرب منتخب مصر السابق لرفع الأثقال، وهي أكثر لعبة حصد فيها المصريون ميداليات أولمبية، مضيفا "يفكّرون في التجنيس سعياً للمال وتحسين وضعهم الاجتماعي".

الشوربجي واحد من أكثر لاعبي السكواش تتويجا ويمتلك 43 لقبا احترافيا
الشوربجي واحد من أكثر لاعبي السكواش تتويجا ويمتلك 43 لقبا احترافيا

وأشار زريق إلى "غياب العدل"، متسائلا "كيف تكون مكافأة الفوز بذهبية أولمبية مليون جنيه (نحو 54 ألف دولار) بعد كل الاستعدادات والتأهيل، مقارنة بحصول بعض لاعبي كرة القدم على مقابل يصل إلى مليون دولار سنوياً، وربما من دون تحقيق بطولات".

لكن في كرة اليد تبدو الصورة وردية أكثر، بحسب قائد المنتخب السابق ورئيس جهاز كرة اليد بالنادي الأهلي ياسر لبيب الذي قال إن "ظاهرة تجنيس لاعبي اليد اختفت تماما، بعد معاناة أواخر التسعينات برحيل جيل كامل من الشباب للعب تحت أعلام دول الخليج". وأضاف "مع مرور الوقت وارتفاع الرواتب في الأندية المصرية، ندر تفكيرهم في التجنيس وبدأ طموحهم في الاحتراف الأوروبي".

ويكمن الحل بنظره في إنهاء الخلافات الضيقة داخل الاتحادات وزيادة الأموال المخصصة للرياضيين. وقد تكون مهمة صعبة للحكومة المصرية العالقة راهنا بين تضخم كبير وانخفاض حاد في قيمة العملة.

وحتى قبل هذه الفترة، بلغت مخصّصات الدعم من وزارة الرياضة نحو 400 مليون جنيه (حوالي 21 مليون دولار) في موسم 2019 – 2020، في بلد يزيد عدد سكانه عن مئة مليون نسمة، مقارنة بمليار دولار مثلا لدولة مثل فرنسا.

الشوربجي ليس أول من يتخلى عن علم بلاده، إذ سبقه رياضيون في رفع الأثقال، المصارعة، الفروسية، الملاكمة وكرة اليد وغيرها

ويرى خبراء أن الحلّ يمكن أن يأتي من الرعاة، لكن حامد يضيف “اللاعب بالنسبة إلى الرعاة مجرّد سلعة يتم الاستفادة منها لتحقيق عائد مادي وإعلاني. بمجرد اعتزال اللاعب أو إصابته ينتهي الأمر”.

وخلافا لرفع الأثقال والمصارعة، ينحدر لاعبو السكواش من المجتمعات ذات الدخل المرتفع، يتدربون في نواد نخبوية ويستفيدون من انتصاراتهم بمنح دراسية في نخبة الجامعات الأميركية والأوروبية.

ويرى وجيه أنهم لا يسعون فقط للمال خارج بلدهم، بل لفرص "من أجل مستقبل أفضل بعد الاعتزال" لن يحصلوا عليها في وطنهم. وبعد خسارته لبطولته الأولى تحت علم إنجلترا، تعرض الشوربجي لوابل من التعليقات الساخرة.

وشنت صحيفة "الدستور" المحلية هجوما لاذعا على الشوربجي وطالبت بسحب الجنسية المصرية منه. وفي المقابل قال وزير الرياضة المصري في تعليقه على أزمة اللاعب إنه ليس حزينا "شيء محترم أن يكون لديك منتج مصري في إنجلترا لأنه ذهب واسمه محمد الشوربجي المصري".

19