تراجيديا مكانية نابضة بالمعاني والرموز

"أركونس" فيلم خيال علمي عن حياة موسيقية هادئة تتحول إلى كابوس.
الاثنين 2020/10/12
غابة كثيفة الأشجار تخفي أسرارا لا حصر لها

غالبا ما يتم فهم الفيلم من خلال فهم المكان، بالإضافة إلى الدراما والشخصيات، لكنّ للمكان السينمائي جماليته الخاصة عندما تتكامل أدوات الوصول إلى ذلك البناء الجمالي، وهو ما يحصل مع فيلم “أركونس” للمخرج نك زوستاكيفسكي.

المكان الذي يتكامل مع قصة الفيلم ليشكل خلفية ما للأحداث أو انعكاسا لها، له حيّزه الخاص في بعض الأفلام العالمية، حيث يهتم المخرجون هنا بنوع المكان وجغرافيته ومفرداته وكيفية السيطرة عليه لإبراز أهم ما فيه من عناصر ومميزات وأكثرها تعبيرا.

ولا تبدو المسألة مختلفة كثيرا في سينما الخيال العلمي من خلال توظيف المكان عنصرا تعبيريا في ذلك النسيج الفيلمي، كما في فيلم “أركونس” للمخرج نك زوستاكيفسكي، حيث وظف المكان / النهر في إطار بناء  فيلمي ومسارات سردية جمع فيها بين خصائص الفيلم الموسيقي وبين الرعب والخيال العلمي.

هنا منذ البدء وفي لقطة عامة، نرى شخصا يجدّف بقارب وحيدا في وسط بحيرة، الشخص يبدو للوهلة الأولى امرأة لأن اللقطات من الخلف والشخص قد أرسل شعره الأشقر الطويل إلى الظهر، لكننا سوف نكتشف أنه ليس إلاّ الموسيقي والملحن ميتش هوفمان (الممثل جوش كولينز)، وها هو يوقف الزورق بعد رحلة نهرية ليلتقي مجموعة فتيات يخيّمن في الغابة المحاذية للبحيرة.

ما يلبث أن يلتحق بميتش زميلاه في الفرقة الموسيقية “سليد دوغ” وهما أوفيليا (الممثلة سامانثا كارلي) وإيريك (الممثل روب راكو).

سوف نمضي قرابة نصف مساحة الفيلم الزمنية ونحن في حوارات عادية ومفردات مبسطة حتى تبدو الشخصيات أكثر بساطة واهتماماتها عادية، وكل همهم هو الانطلاق في الرحلة وإكمالها للقيام بحفلات قادمة.

المكان تم توظيفه وفق مسارات سردية جمعت بمهارة بين خصائص الفيلم الموسيقي وسينما الخيال العلمي والرعب

هذا المدخل بإيقاعه البطيء، لربما خلق إحساسا مبكرا بعدم بثّ أي حبكة ثانوية تؤدّي إلى تصعيد الأحداث، ويبدو أن المخرج قد راهن على صبر المشاهدين وصمودهم طيلة ذلك الزمن في حوارات عادية من دون أحداث مهمة.

لكن وعودة إلى فكرة جماليات المكان وفاعليته في البناء الفيلمي، يمكن القول إن تلك المساحة الراكدة أو التي تبدو كذلك، هي التي من خلالها تم توظيف البحيرة بوصفها عالما ممتدا إلى ما لا نهاية أو أنها دوامة مائية ليس من السهل الخروج منها.

الإحساس بثقل المكان وشكله الكابوسي سرعان ما يتسرّب بالتدرّج، خاصة بعد التحاق إبريل (الممثلة بارميس سيهات) بالأصدقاء الموسيقيين الثلاثة، وقد تعاطت معهم نوعا من المخدّرات، ثم لتتفاقم حالتها بتفجّر جزء من جبينها ومن ثم موتها المفاجئ.

مع موت إبريل سوف تنتقل الدراما الفيلمية إلى حسّ تراجيدي عميق ونوع من الفوبيا التي تمثلها الغابة الكثيفة الأشجار وما تخفيه وراءها من أسرار، ولأن ميتش وإيريك يتعاطيان شيئا من المخدّرات، فإن ادعائهما أنهما شاهدا أشباحا لن يقنع أوفيليا وحسبتها مجرد هلوسات سببها تعاطي تلك المخدّرات.

هنا ينقلنا المسار الفيلمي إلى نوع من المواجهة المباشرة الغريبة ما بين ميتش وأحد أولئك الغرباء الذي يبدو مثل شخصية فضائية وهو يتكلّم بجمل متقطعة، لكنه لن يؤذي ميتش، فيكون يقينا أن تلك الغابة تخفي كائناتها الخاصة.

تحوّل البحيرة والغابة إلى كوابيس حقيقية
تحوّل البحيرة والغابة إلى كوابيس حقيقية

واقعيا، تقنعنا تلك الثلة من الموسيقيين بشخصياتهم وحواراتهم وحتى التعليقات في البرامج الإذاعية الحوارية عن تلك الفرقة وأعضائها والتي تجذبهم وتشكل خلفية للأحداث، وهم خلال ذلك لا همّ لهم سوى التحاق زملائهم الآخرين لكي يمضوا في تنفيذ مشاريعهم المقبلة.

على أن تحوّلا دراميا ما يلبث أن يسير بالأحداث مسارا مختلفا، لاسيما بعد اختطاف أوفيليا وعدم استعداد إيريك للدفاع عنها، ممّا سوف يكشف شخصيته الأنانية وأنه كان يخطّط للانقلاب على زملائه وبناء مجده الموسيقي لوحده.

تزداد التعقيدات بين الشخصيات وهي تواجه بعضها بعضا، الأمر الذي يرضي إيريك وميتش لقبول ما يمكن أن يعجّل بهدنة بينهما إلى حين الخروج من المأزق، لكن الكابوس تتوالى فصوله ونتحوّل من مشاهد نهارية في الغالب في القسم الأول من الفيلم إلى مشاهد ليلية تحوّل البحيرة والغابة إلى كوابيس حقيقية.

ولأن هذه الدراما لن تكتمل إلاّ بالمزيد من الضحايا، عندها لا يجد ميتش وإيريك بديلا عن منزل وسط الغابة يلجآن إليه، وهناك يتفجّر الدم من جبين ميتش ثم يتعرّضان لملاحقة الفضائيين ويختفي إيريك، ليبقى ميتش لوحده يكابد ذلك الظلام والخوف من دون جدوى.

ولنعد هناك إلى التكامل الموضوعي المبسط ما بين الحوارات الأكثر واقعية وبين المكان المهجور الذي يجري اكتشافه بحلقاته المتتابعة، وهو ما أشرنا إليه في ما يتعلق بجماليات المكان والتدرّج في تقديمه، البحيرة الحالمة الهادئة التي يصطاف من حولها الناس، انسياب المياه في مقابل انسياب الموسيقى، السلوك الهادئ والودّي من الجميع، ثم لينقلب كل ذلك تدريجيا ويتحوّل المكان إلى جحيم حقيقي.

ومن جهة أخرى، إذا نظرنا إلى هذا الشكل من المعالجة الذي ربط الفيلم بشرطه الواقعي، فإنه واقعيا أحالنا إلى نوع من الأفلام قليلة التكلفة والتصوير في أماكن حقيقية، والمشاهد التي تم بناؤها بتتابع سلس وكل ذلك قدّم فيلما مقنعا في بساطته يستند إلى الإحساس بالمكان وقد تحوّل إلى كابوس.

16