تأليف النكات يرعب المتسلطين في مصر

المصريون هم ثاني شعب في العالم تداول النكتة بعد السومريين.
الاثنين 2021/09/27
النكتة الموظفة سلاح خطير (لوحة للفنان بسيم الريس)

يمكن للسخرية أن تكون سلاحا مزدوجا، كما يمكن أن تكون مرآة يكتشف فيها المرء عن صورته بعيون الآخرين ويتلمّس دربه من خلالها إلى تدارك ما يمكن لترميم تلك الصورة. ويمكنها أن تكون من الأدوات المساعدة على الاستشفاء من الأدواء الاجتماعية، لكن أخطر أدوارها حين تتحول إلى النقد الثقافي الواعي والاجتماعي والسياسي، ما جعلها على مر التاريخ محل ملاحقة.

تظل النكتة واحدة من وسائل تعبير المصريين عن أنفسهم في مواجهة القمع والكبت والإحباط التي تحيط بهم، وتتسبب في خلق معاناتهم وأزماتهم ومشكلاتهم اليومية، وهي وسيلة رفض وتحذير وتنكيل بكل ما من شأنه أن يهدد استقرار حياتهم، وسلاح يقاوم تردي الأوضاع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.

ويعتبر البعض النكتة سخرية وفكاهة وخفة ظل وتنفسا، لكنها في الحقيقة تشكل تحديا ورد فعل ومواجهة وصداما كاشفا عن خلل آليات الحكم والسلطة سواء تمثلت لدى المسؤولين الكبار أو الصغار. وهي فضلا عن ذلك تعد استطلاعا كاشفا لحقيقة موقف المصريين مما يجري من أحداث ومواقف داخلية وخارجية.

سخرية مؤثرة

يقدم الكاتب الصحافي طايع الديب في كتابه الجديد بعنوان “جمهورية الضحك الأول.. سيرة التنكيت السياسي في مصر” والصادر أخيرا عن مؤسسة بتانة، تأريخا ورصدا لسيرة التنكيت السياسي في مصر خلال الجمهورية الأولى أثناء حكم الرؤساء عبدالناصر والسادات ومبارك.

 ويحكي الديب أبرز النكات ويتتبع حالات التنكيل والسجن والقمع التي مورست من أجهزة الدولة الأمنية على الكتاب والمثقفين والإعلامين والقضاة وكل من تجرأ وقام بتأليف أو نقل نكتة ساخرا أو منتقدا لسياسات النظام ومسؤوليه، كما يرصد أثر ذلك على المجتمع وعلى الحكومة. ويناقش أيضا ظاهرة نقل النكت من مصر إلى الدول العربية، وإعادة صياغتها حيث تتناسب مع هذه الدول. وقد حظيت هذه النكت باهتمام الأوساط الأكاديمية في العالم، من جامعة السوربون فى باريس إلى مختبرات العلوم الاجتماعية فى موسكو باعتبارها نوعا فريدا من “الإعدام السياسي رميا بالنكات”.

الكتاب يحكي أبرز النكات ويتتبع حالات التنكيل والسجن والقمع التي مورست من الدولة الأمنية على الكتّاب والمثقفين

ويقول الديب “التحق كاتب مستجد بالعمل في خدمة كاهن بمعبد ‘تحوت’، علما أن المعابد الفرعونية كانت بمثابة مؤسسات مكتملة تضم كل الصنيعية والحرفيين، وانزعج الكاتب بسبب الضجة المنبعثة من غرفتي جاريه النجار والحداد، وليس أسوأ من جيرة واحد يدق وآخر يطرق ليل نهار. وأخبر الكاتب سيده الكاهن بذلك، فأعطاه مالا، وقال له: قدمه لهما مناصفة، وقل لهما أن يجدا مكانا آخر للسكنى. وقد كان، أخذ الحداد وزميله النجار المال من الشاب، وفي اليوم التالي انتقل كل منهما إلى غرفة الآخر! هذه، على عهدة الأثريين، هي ثاني نكتة في التاريخ بعد نكتة سومرية تعود إلى سنة 1900 قبل الميلاد وجدت مكتوبة على جدران أحد الحمامات العامة بموقع أثري جنوب العراق”.

ويضيف “النكتة الفرعونية المدونة سنة 1600 قبل الميلاد سجلتها جدران معابد الأقصر وبها يكون المصريون هم ثاني شعب في العالم تداول النكتة. ومن أعظم آيات السخرية السياسية في العصر الفرعوني نقش بارز يكاد يصف حال المصريين المستضعفين في الأرض على مر العصور، وهو عبارة عن صورة لراع بائس وهزيل كأنه هيكل عظمي متحرك، يجر خلفه بحبل ممدود بقرة سمينة بشكل مبالغ فيه، في حجم سيد قشطة، يكاد ضرعها الهائل من فرط امتلائه باللبن بلا حَلبٍ أن يلمس الأرض”.

ويرى الديب أنه “إذا كان مبارك هو آخر رؤساء مصر الذين عرّضت بهم ألسنة صنّاع النكتة الحريفة المجهولين قبل ظهور ‘نكت الكوميك’ في أيامنا هذه، فإن عبدالناصر لم يكن أقلهم تعرّضا للتنكيت. فبعد دور ‘الميثاق الوطني’ الذي كتبه محمد حسنين هيكل بالنيابة عن الزعيم الراحل، وكان بمثابة دستور الحكم وقتها، أراد عبدالناصر أن يعرف رأي الناس في الميثاق، فخرج وحده متخفيا إلى أقرب قهوة، وهناك رأى أحد أولاد البلد جالسا بمفرده، فحياه واستأذنه، ثم جلس بجانبه، وطلب كوبيْ شاي له ولجليسه، وعزم عليه بسيجارة فأخذها الرجل شاكرا، وراحا يدخنان بشغف. وتبادل الرجلان حديثا وديا مستفيضا في أحوال الدنيا وتكاليف الحياة. ولما أحس عبدالناصر أن الرجل اطمأن له، سأله ‘إلا قل لي صحيح.. إيه رأيك في الميثاق؟’. قال الرجل بحماس ‘أنضف من الكليوباترا'”.

ويتابع “وخرج السادات في بداية حكمه من بيته في الجيزة ليتمشى ليلا على غير هدى، فقادته قدماه إلى غرزة شاي مقامة على الكورنيش، فدخل، وهناك وجد ‘المزاجنجية’ الغلابة جالسين محلقين في الدخان الأزرق، طلب جوزة فجيء له بها، وبعد أن شد منها نفسا، أخذ يتكشف القعدة من حوله، فرأى رجلا بشارب ضخم إلى جانبه. قال له الرجل في ود بالغ: نورتنا يا أفندي، محسوبك المعلم برعي أبوشفطورة ‘داير الناحية’.. اسم الكريم إيه بقى؟ رد السادات ساهما: أنا رئيس الجمهورية. قال المعلم برعي: كده من أول نفس؟ ليلتنا فل بالصلاة على النبي”.

وذات ليلة من العام 1983 ردد الكوميديان الراحل سعيد صالح على خشبة مسرحية “لعبة اسمها الفلوس” عبارة شعبية كانت متداولة في الشارع المصري آنذاك تختصر سير حياة الرؤساء الثلاثة عبدالناصر والسادات ومبارك على التوالي. قال صالح “أمي اتجوزت 3 مرات، الأولاني ‘وكلنا المش’، والثاني ‘علمنا الغش’، والثالث ‘لا بيهش ولا بينش'”، فحكم عليه بالحبس ستة أشهر مع الشغل والنفاذ بتهمة تعاطي الحشيش. أما الرئيس الأسبق محمد مرسي فقد كانت السنة اليتيمة التي حكمها هي نفسها نكتة كبيرة، حيث أحاطت خطبه واجتماعاته الكوميدية وأشهرها جلسة سد النهضة بكل النظريات السياسية المتعارف عليها في العالم المتحضر، بما في ذلك نظرية الكاتب الانجليزي برنارد شو “إن حكم أمة أسهل من إضحاكها”.

ثلاثة رؤساء

Thumbnail

يشير الديب إلى أن عبدالناصر كان في بداية حكمه مستمعا جيدا، يتمتع بصبر يحسد عليه، يستطيع معه الاستماع لشخص ولو تكلم أكثر من ساعتين بلا مقاطعة أو تململ. وبدلا من قولهم في مثل هذه الحالات إنه شخص واسع الصدر أو “قلبه كبير” بالتعبير المتداول، قال الشاعر والصحافي كامل الشناوي إن عبدالناصر “وِدَانُه كبيرة”.

 غير أن التعبير الذي يفهم منه ضمنا أن عبدالناصر “حمار” لم يمر بسلام، فقد وصل إلى مسامع الرئيس عن طريق الجهاز الأمني المسيطر، خصوصا أن الشناوي الشاعر البوهيمي، البيه الصعلوك، كان من المغضوب عليهم في أول عهد ثورة الثالث والعشرين من يوليو، بادعاء تلقيه مع صحافيين آخرين منهم مصطفى أمين وأحمد أبوالفتوح وإحسان عبدالقدوس “مصاريف سرية” من القصر الملكي قبل الثورة، كما كان الشناوي واحدا من نجوم الطبقة الارستقراطية المصرية في العهد البائد، وهو التعبير المعتمد وقتها لوصف ما قبل ثلاثة وعشرين يوليو 1952.

وحينما تبينت براءة الشاعر من تلك التهم المشينة، كلفه عبدالناصر برئاسة تحرير جريدة الجمهورية الناطقة باسم الثورة كنوع من رد الاعتبار. غير أن الشناوي لم يكن بالرجل سهل الترويض، ليس باعتباره معارضا محتملا لحكم الضباط، فهو بحكم تكوينه الأقرب إلى الفنان أقل وزنا من ذلك، بل لكونه ابن نكتة، وهوايته الأثيرة هي التشنيع وتدبير المقالب وتأليف النكت بلا هدف، سوى السخرية من السياسيين ونجوم مجتمع ما بعد الثورة من باب “الضحك للضحك”.

ويضيف أن الشناوي استمر بمعاونة صديقه المشاغب محمود السعدني، والكاتب والمخرج السينمائي عبدالرحمن الخميسي في إطلاق التشنيعات والنكات المحبوكة باحتراف ضد سادة مجتمع ما بعد ثورة يوليو، بمن فيهم كبار المسؤولين والوزراء من نساء ورجال الحكم. وكانت منصة التأليف هي “قهوة عبدالله” بالجيزة حيث يسهر الثلاثي يستقصون المفارقات الساخرة في مجتمع الثورة الجديد، وينكتون ويشنعون ضد المشاهير وكبار المسؤولين، حتى أنهم كانوا يبيعون النكت البريئة لفناني المنولوجات المعروفين آنذاك مثل أحمد غانم وأحمد الحداد وغيرهما.

وضج قادة الثورة بالشكوى مرارا لعبدالناصر من نكت الثلاثي الضاحك، خصوصا أن جمهور قهوة عبدالله كان بمثابة إذاعة متنقلة، فصدر فجأة قرار بنقل الخميسي ضمن صحافيين آخرين من عملهم بجريدة الجمهورية إلى شركة “باتا” للأحذية بدعوى أنهم من أعداء الثورة. فقال له الشناوي مواسياً بعد نقله “ماتزعلش يا خميسي.. مكسيم جوركي بدأ حياته ‘جزمجي’ وانتهى كاتبا عظيما، وأنت بدأت حياتك كاتبا وانتهيت ‘جزمجي’!”.

وكما تم التنكيل بالخميسي تم التنكيل بالسعدني والشناوي حيث اعتقل السعدني، وأحرج عبدالناصر الشناوي في مناسبة حضرها أدباء وصحافيون وسياسيون كبار، اضطر بعدها الشناوي إلى حبس نفسه في منزله أكثر من شهرين وامتنع عن قهوة عبدالله، وظل على هذه الحال حتى تشفع له عبدالحليم حافظ عند عبدالناصر، فأرسل الأخير للشناوي رسالة شفوية مؤداها “قل ما شئت في قعداتك إلا التشنيع على الضباط وتأليف النكت”.

النكتة الفرعونية المدونة سنة 1600 قبل الميلاد سجلتها جدران معابد الأقصر وبها يكون المصريون هم ثاني شعب في العالم تداول النكتة

ويحكى أن الأديب عبدالحميد جوده السحار كان يمر يوميا على بائع جرائد قريب من مسكنه، ويتطلع من بعيد على عناوين الصحف الصادرة كل يوم، ويأخذ وقتا في ذلك؛ لأن نظره ضعيف، ثم يمضي دون أن يشتري أي جرنال، فسأله البائع الذي أغاظه ذلك “هو أنت يا الأفندي بتحب تقرأ أخبار الصفحة الأولى بس؟”. ورد عليه السحار “أيوه، أصل اللي بدور عليه ‘خبره’ هينزل في الصفحة الأولى!”. وغضب عبدالناصر بشدة من هذه النكتة وأوشك أن يصدر أمرا باعتقال السحار، لولا تدخل حسن إبراهيم نائب رئيس تحرير الجمهورية حينها، الذي أقنع الرئيس بأن السحار ليس بطل الواقعة بل إنها أصلا نكتة بولندية من أيام الحرب العالمية الثانية.

ويقول الديب “سعى السادات لتغيير مصر رأسا على عقب بعد أن استتب له أمر الحكم، لكنه لم يغير نظام الاستفتاء العام الذي اخترعه عبدالناصر بدل الانتخابات الرئاسية، حيث كان يطرح اسمه هو وحده للاستفتاء العام على الشعب الذي كان يختار بين “نعم” و”لا”.

ومع أن نسبة المشاركة في هذه الاستفتاءات كانت تقترب من الصفر، تأتي النتيجة دائما بتجديد الثقة فيه رئيسا للجمهورية بنسبة تزيد على 90 في المئة وكأنه طالب متفوق في الثانوية العامة بمقاييس ذلك الزمن. ومن أشهر التعابير في تلك الفترة أو “الإفيهات” بلغة هذه الأيام قول السادات في خطاب الثقة بعد ظهور نتيجة الاستفتاء “أتوجه بالشكر لشعب مصر العظيم على هذه الثقة الغالية وأشكر كل من قالوا ‘نعم’، أما ‘نعيمة’ فلها مني شكران؛ لأنها قالت ‘نعمين'”.

وقيل إن السادات استدعى الكاتب محمود السعدني الذي نسب إليه تأليف العشرات من النكت منذ عهد عبدالناصر وحتى عصر السادات نفسه، فلما جاء سأله “كيف تؤلف النكت ضدي يا ولد يا ‘سعدني’ وأنا رئيس اختاره الشعب عبر الاستفتاء العام أمام سمع وبصر العالم بنسبة 90.04 في المئة؟”، فقال السعدني “والله يا ريس النكتة دي مش من تأليفي”.

ويلفت إلى ما حكاه السعدني عند التحقيق معه “أثناء التحقيقات معي وجدت اتهامات غريبة، أني تآمرت مع ناس على قتل رئيس الجمهورية، إحنا هنقتل الرئيس؟ قال إيه.. حترموا عليه قنابل وهو ماشي قدام الاتحاد الاشتراكي، يعني كلام ميدخلش العقل، والحكاية كلها كانت نكتة قلتها في التليفون، يعني المرحوم فريد عبدالكريم كان عضو الاتحاد الاشتراكي في الجيزة، قال لي: يعني أنت فرحان قوي عشان رشحوا السادات لرئاسة الجمهورية، قلت له: إيه يعني؟ فيها إيه، ما هو زينا.. أومّال نجيب خواجه يحكمنا؟ قال لي: ركّبه فوق دماغنا زي ما ركبت عبدالناصر، قلت له: ما أظرَط من ستي إلا سيدي، عبدالناصر موتنا من الخوف في 18 سنة من حكمه، ويظهر أن السادات هيموتنا من الضحك بعد 18 يوم”.

مبارك

وظهر الفساد أيام الرئيس حسني مبارك في كل مستويات الحكم على استحياء، ثم راح يكشف عن نفسه بكل جرأة، بعد أن كانت مصر على عكس ما قاله مبارك في أيامه الأولى “عزبة لحاكمها وأبناء حاكمها”. ويحكي الديب “كان مبارك يفتتح مصانع جديدة في منطقة برج العرب، وبعد جولة بالمدينة، دخل إلى أحد المصانع وسأل عاطف صدقي رئيس وزرائه ‘المصنع لمن يا عاطف؟’، قال عاطف هامسا له في أذنه ‘هقول لسيادتك بعدين يا أفندم’. دخلوا المصنع اللي بعده، والثالث والرابع، فحدث نفس الشيء. وفجأة صرخ مبارك في رئيس وزرائه ‘أنا كل ما أسألك المصنع ده بتاع مين يا عاطف تقول لي هقولك بعدين’، قال عاطف ‘المصانع دي كلها بتاعة الأستاذ علاء يا أفندم’، قال مبارك ‘هو معقول علاء عمل كل ده من مصروفه؟'”.

 وكادت هذه النكتة تتسبب في أزمة سياسية بين مصر والسعودية، فقد نقلتها الصحافية سوسن أبوحسين التي كانت تعمل في مكتب جريدة الشرق الأوسط بالقاهرة بين سطور تقرير إخباري نشرته الصحيفة، باعتبار أنها طرفة متداولة في الشارع المصري. ومع أن النكتة كانت مخفية جيدا بين السطور، انقلبت الدنيا وصودرت طبعة القاهرة من الجريدة، وتم حظر توزيعها في مصر، ولم يكتف مبارك وأجهزته بذلك، بل طلبوا من جهات ملكية سعودية معاقبة الصحيفة التي كان يملكها العاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز، واختفت سوسن أبوحسين في مكان مجهول لفترة، حتى تمت تسوية الأزمة بعد بضعة أشهر من منع توزيع الجريدة بتدخل أحد الأمراء.

15