بونيت تالوار.. مهام جسيمة في عاصمة إستراتيجية

سفير أميركي جديد في المغرب ضليع بالملفات الساخنة.
الأحد 2022/09/18
خلفية تالوار في الشؤون الأمنية واسعة جدا

عيّن الرئيس الأميركيّ جو بايدن الجمعة الماضية كبير مستشاري الخارجية الأميركية بونيت تالوار سفيرا جديدًا فوق العادة للولايات المتحدة لدى المملكة المغربية، بعدما وافق الكونغرس على هذا الاختيار. وحنكة تالوار وتجربته وخلفيته المهنية من المؤشرات الكبيرة التي ستجعله ينكبّ على تنفيذ أجندة واشنطن في إدارة الملفات الأمنية والسياسية بما يفيد الاهتمام المشترك بالسلام والأمن في شمال أفريقيا، لكونه عمل مستشارًا لمنظمة ”إنتر ميديت“ غير الحكومية لحل النزاعات، وهو باحث غير مقيم في مركز جامعة جورج تاون للدراسات الأمنية.

جذور تالوار تعود إلى الهند، وبالتأكيد ساعدت ثقافة شبه القارة الهندية النابضة بالحياة وتاريخها الغني في تشكيل نشأته ورؤيته إلى العالم والعمل. وهو على مدار حياته المهنية كان يؤكد أن المغرب والولايات المتحدة سوف يتعرضان لضغوط شديدة لإيجاد وقت أكثر إثارة في علاقاتهما الثنائية.

يقول تالوار إن علاقته مع الرئيس بايدن تعود إلى العام 1995، كاشفا أنه عندما أجرى مقابلة في مكتبه، صُدم لأن أحداً لم يسأله من أين أتى. ويضيف “لم يهتم بايدن بعرقي، لقد وظفني بسبب خبرتي وإنجازاتي“، وبعد سنوات، ظهر موضوع التراث في محادثة ودية عندما ناقش السناتور بايدن جذوره الأيرلندية، وللمرة الأولى، وصف تالوار خلفيته الهندية، وتبادل مع بايدن القصص حول أسلافه والإهانات التي واجهوها على طرفي نقيض من الإمبراطورية البريطانية، وروى له كيف قُتلت أمه وجدته الراحلة برصاص الإمبراطورية في أمريتسار أثناء نضال الهند من أجل الاستقلال.

أجندة واضحة

 المغرب شريك طويل الأمد  للولايات المتحدة، وكان أول دولة تعترف باستقلال أميركا تاريخياً، وهو بموقعه الإستراتيجي جسر يربط بين أوروبا والبحر الأبيض المتوسط ​​وأفريقيا، وهي مناطق ذات أهمية بالغة للأمن القومي الأميركي، ولذلك يؤكد تالوار أن المغرب رائد في القضايا الإقليمية والعالمية الرئيسية.

 من هنا تتضح الرؤية التي يحملها تالوار إلى البلد الذي سيمضي فيه ردحا من الزمن ممثلا لبلده، ومسهما في تجسير العلاقات وتحصينها من تقلبات السياسة.

يعرف تالوار كيف يرد الجميل الى بلده الأصلي، عندما يقول إن الهند تلعب دورًا حيويًا وإيجابيًا ورافعًا في جنوب آسيا، وفي المحيطين الهندي والهادئ، بشكل متزايد، وكذلك على المسرح العالمي، وإن صعودها كقائد إقليمي وعالمي، ونموها الاقتصادي والإستراتيجي، يصبان في مصلحة الولايات المتحدة.

رؤية واقعية تنطوي على وعد وإمكانية كبيرة في تعميق العلاقة بين واشنطن والرباط، سيعمل عليها السفير فوق العادة، وستكون لديه الفرصة ليتحدث عن علاقات البلدين، وهو يعتقد أن هناك إمكانات كامنة وقوية في العلاقة الدفاعية بين الولايات المتحدة والمملكة المغربية، والتي يود تالوار ترجمتها إلى أفعال.

عمل مع وزير الخارجية الأسبق جون كيري إلى جانب زملائه مايك فرومان، وتشارلي ريفكين، وريك ستنجل، وجميعهم من كبار المسؤولين، والأكيد أنه ناقش علاقات واشنطن الاقتصادية والسياسية والأمنية مع العديد من الدول ومنها المغرب الذي سيكون محطة مهمة وذات قيمة في مسيرته المهنية والحياتية، لهذا سيركز على أهمية تنسيق الجهود المشتركة وتطوير آليات الرصد والمكافحة، بما يضمن التصدي الحازم لمختلف المخاطر والتهديدات المتنامية على الصعيد الدولي، فالتعاون الثنائي الأمني بين المغرب والولايات المتحدة حتمي، باعتبارهما شريكين أساسيين في الجهود الدولية لتحقيق الأمن والاستقرار.

◙ جذور تالوار تعود إلى الهند، وقد ساعدت ثقافة شبه القارة الهندية النابضة بالحياة وتاريخها الغني في تشكيل نشأته ورؤيته إلى العالم والعمل

تالوار كنت له تجربة مهمة مع الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما، مساعدا لوزير الخارجية للشؤون السياسية والعسكرية، وهو منصب دبلوماسي رفيع المستوى، جعله على مقربة من مطبخ القرارات السياسية والإستراتيجية في قضايا عديدة ومنها الملف الإيراني، إلى جانب منصبه ككبير مستشاري أوباما لمنطقة الشرق الأوسط لأكثر من أربع سنوات، استطاع من خلاله الاطلاع على الملفات الساخنة في المنطقة.

التعاون الأمني والعسكري

خلفية تالوار في الشؤون الامنية واسعة جداً، حيث شغل أيضًا منصب مساعد وزير الخارجية للشؤون السياسية والعسكرية، والمساعد الخاص للرئيس والمدير الأقدم في مجلس الأمن القومي، وكبير الموظفين الفنيين في لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، لهذا فإن وجوده اليوم في المغرب فرصة للولايات المتحدة لإعادة تنشيط المنطقة بما يخدم الاستقرار في ظل تنامي نبرة التحديات والتهديدات.

وكونه على دراية بتدريبات “مالابار” التي أجريت في يوليو الماضي، والتي تعتبر أكبر مناورة بحرية ثنائية بين الهند وواشنطن وانضمت إليها لاحقاً البحرية اليابانية في شمال غرب المحيط الهادئ، فلا بد أن يقوي وجوده بالرباط دعم تدريبات الأسد الأفريقي السنوية التي تشارك فيه أميركا والمغرب إلى جانب العديد من الدول، كحدث محوري للتكوين والتمارين خلال سنوات عدة.

إن معرفة تالوار بالمنطقة وخبرته في المفاوضات وعمليات السلام والأدوار الرفيعة في وزارة الخارجية ومجلس الأمن القومي ولجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ ستكون ذات قيمة كبيرة تجعله يتطلع إلى تعميق تعاون البلدين في مجال حفظ السلام، وهو شاهد على بناء العلاقات بين العسكريين المحترفين من خلال التبادل التدريبي، فللمضي قدمًا، أعاد مسؤولو البلدين التأكيد على التزامهم الإستراتيجي بمتابعة فرص التطوير المشترك للدفاع والإنتاج المشترك.

ويمضي المغرب والولايات المتحدة نحو تكريس التعاون الأمني والاستخباراتي بينهما، بلقاءات لمسؤولين من البلدين على أعلى المستويات، وبالنسبة إلى الأميركيين، فتالوار يؤمن بأن العلاقات الدفاعية ليست معاملات، بل هي استثمار في مستقبل البلدين معًا.

إن تنمية الصناعة الدفاعية بالنسبة إلى السفير الأميركي تساعد في تحقيق الأرباح النهائية وتخلق وظائف أفضل على خطوط التجميع، والأهم من ذلك أنها توفر أفضل المعدات والحماية للقوات في الخطوط الأمامية، وبالإضافة إلى الفوائد الواضحة التي تجلبها التجارة الدفاعية إلى كل من المغرب والولايات المتحدة، فمن الثابت بالنسبة إليه أن الأمن هو الذي يدعم التجارة العالمية، ولذلك هو مقتنع برؤية كيري التي تقول إن “السياسة الخارجية هي سياسة اقتصادية أكثر من أيّ وقت مضى”.

 سينخرط السفير الجديد في المزيد من القضايا على مستويات حكومية أكثر من أيّ وقت مضى، ففي الأشهر الستة الماضية فقط، كانت الرباط وواشنطن واحدة من أفضل الوجهات لكبار المسؤولين في البلدين، مما يدل على أهمية علاقة البلدين، ولا شكّ أن تالوار قد اطلع على الحيثيات والملفات التي نوقشت بواشنطن في يونيو الماضي، بين عبداللطيف الحموشي، المدير العام للأمن الوطني، وبين مدير وكالة الاستخبارات المركزية ويليام بيرنز، وكذلك مع مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي كريستوفر راي، والتي تركزت حول مختلف التهديدات الأمنية والمخاطر المستجدة على الصعيدين الإقليمي والدولي.

قضايا عابرة للقارات

◙ المغرب والولايات المتحدة يمضيان نحو تكريس التعاون الثنائي، عبر التنسيق المشترك بأعلى المستويات
المغرب والولايات المتحدة يمضيان نحو تكريس التعاون الثنائي، عبر التنسيق المشترك بأعلى المستويات

الرهانات المشتركة بين المغرب والولايات المتحدة، تتمثل في التعامل بكل احترافية مع الجماعات الإرهابية وشبكات الإجرام المنظم في العديد من مناطق العالم، بما فيها منطقة الساحل والصحراء والشرق الأوسط وأوروبا، وعليه فإن تالوار سيكون حلقة وصل بين كبار مسؤولي البلدين، لتسهيل كل الآليات والسبل الكفيلة بمواجهة هذه المخاطر من منظور مشترك قادر على تحقيق الأمن وإرساء الاستقرار الدوليين.

لقد اختار بايدن جنديًا سابقًا في مشاة البحرية ومتخصصًا في العراق ومكافحة الإرهاب، وأدار كمساعد وزير الخارجية العديد من المكونات الحاسمة للسياسة الخارجية للولايات المتحدة، بما في ذلك الحفاظ على العلاقة الأمنية العالمية لوزارة الخارجية، وتقديم المساعدة الأمنية الدولية، والتفاوض بشأن الاتفاقيات الأمنية الدولية.

وقد أهلّه منصبه ككبير مستشاري الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وجنوب آسيا لبايدن في لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ ليكوّن فكرة واضحة حول كيفية إدارة واشنطن للقضايا الدولية والإقليمية.

 لهذا كله فالسفير تالوار على قناعة تامة بأن الرئيس بايدن سيقف إلى جانب المغرب، كما كان موقفه مع الهند، حيال التهديدات التي تواجهها المنطقة وعلى طول حدودها، وسيعمل على تعزيز قدرات المغرب كشريك في مكافحة الإرهاب ولمواجهة التحديات العالمية الكبيرة معًا، مثل تغير المناخ والأمن الصحي العالمي.

وتعزز التقارب بين البلدين في عالم ما بعد 11 سبتمبر، إذ اتفقت الرباط وواشنطن على وجه السرعة على أهمية تعاون أمني شامل للتصدي لظاهرة الإرهاب، ويبدو أن السفير الجديد فوق العادة قد ضبط ملفاته في ما يتعلق بجهود مكافحة الإرهاب، ولم تكن غريبة إشارته إلى أن البلد الذي سيعمل من داخله اتخذ خطوات جريئة بشأن أزمة المناخ، مكرّساً التنمية الاقتصادية في أفريقيا واستضاف قمة الأعمال الأميركية – الأفريقية.

هذا الخبير العسكري والأمني يستوعب بشكل كبير أهمية الاتفاقات العسكرية التي أبرمت بين المغرب وواشنطن، وأيضا ما يتم الاتفاق عليه في هذا المجال بين المغرب وتل أبيب يعدما عادت العلاقات بين البلدين، وسيترجم أهمية قرار الإدارة الأميركية الاعتراف بسيادة المملكة المغربية الكاملة على مجموع منطقة الصحراء المغربية.

ولذلك لم يغب عن تالوار تسليط الضوء على قيادة المغرب في مجال السلام مع إسرائيل، عندما قال إن العلاقة بين البلدين تزدهر، وهي تشمل الآن التعاون في مجالات الاستثمار والطاقة والطيران ومجالات أخرى، على اعتبار أن المغرب كان أول دولة عربية توقع اتفاقية تعاون دفاعي مع إسرائيل.

تالوار يؤمن بوجود إمكانات كامنة وقوية في العلاقة الدفاعية بين واشنطن والرباط يود ترجمتها إلى أفعال

قرب تالوار من أوباما جعله في قلب مطبخ القرارات السياسية والإستراتيجية

 

8