بنوك تركيا تقترب من الخط الأحمر بعد خسائر الليرة

نضوب الودائع يضع المصارف التركية في طريق مسدود ويعمق من أزمة الاقتصاد.
الخميس 2019/05/16
القلق يسيطر على أسواق المال التركية

تواجه البنوك التركية خطر نضوب مستويات ودائع الأموال الخاصة بعد أن استأنفت الليرة انخفاضها مقابل الدولار، الأمر الذي يضعها في دائرة الخطر في ظل جبال الديون المتعثرة.

وكان بنك الاستثمار الأميركي غولدمان ساكس قد حذّر المستثمرين قبل أن تبلغ أزمة العملة ذروتها في أغسطس الماضي من أن انخفاض الليرة المستمر يهدد إلى حد كبير بمحو فائض رؤوس الأموال الخاصة بالبنوك التركية، وهي أموال تحتفظ بها الشركات من أجل الوفاء بالتزاماتها في وقت الأزمات وتغطية الخسائر غير المتوقعة.

وقال بنك غولدمان آنذاك إن بنكين كبيرين في تركيا سيكونان أول من يتعرض لخسائر فادحة في حال واصلت الليرة خسائرها مقابل العملات الرئيسية.

وأشار غولدمان بالتحديد إلى بنك يابي كريدي، المملوك بالشراكة بين شركة يوني كريديت الإيطالية ومجموعة كوتش القابضة التركية وبنك إيش، أحد أكبر بنوك الإقراض المدرجة في البلاد.

ورأس المال الخاص بكلا البنكين أمام خطر التآكل إذا انخفضت الليرة إلى 6.3 مقابل الدولار. وجاء بعدهما في القائمة بنك أك الذي قد يخسر فائض رأس المال الخاص به في حال تدهور قيمة الليرة إلى 6.9 مقابل الدولار.

وانخفضت قيمة الليرة الاثنين بنسبة 0.1 بالمئة لتصل إلى 6.06 مقابل الدولار لتتعمق خسائر العملة التركية هذا العام إلى ما يقرب من 15 بالمئة.

وهذا هو ثاني أسوأ أداء لعملة من الأسواق الناشئة الرئيسية بعد البيزو الأرجنتيني المتعثر. وكانت الليرة قد فقدت 28 بالمئة من قيمتها في العام الماضي.

ويطالب المستثمرون في تركيا الحكومة بتنفيذ إجراءات عاجلة لمعالجة مشاكل رأس المال المحتمل حدوثها جراء هذا الانهيار في القطاع المصرفي، خاصة وأن هناك قروضا متعثرة وديونا مُعاداً هيكلتها بقيمة عشرات المليارات من الدولارات تضر بميزانيات البنوك.

30 مليار دولار، ديون الشركات لدى المصارف التي ستتضرر مع فقدان الليرة المزيد من قيمتها

وقد تسببت أزمة العملة في العام الماضي والانكماش الاقتصادي الشديد في مشاكل مالية للعديد من الشركات المحلية. ويقول محللون إن الشركات التركية طلبت بالفعل إعادة هيكلة ديون تقدر بنحو 30 مليار دولار.

وتواجه البنوك مشكلات إضافية بسبب حالة عدم الاستقرار السياسي الراهنة في تركيا بعد أن أمر المجلس الأعلى للانتخابات بإعادة انتخابات رئاسة بلدية إسطنبول، التي سبق أن أُجريت في نهاية مارس الماضي، والمقرر إجراؤها الآن في 23 يونيو المقبل.

ويشتد الخلاف بين تركيا والولايات المتحدة بسبب شراء أنقرة منظومة الدفاع الصاروخي الروسية أس- 400، والتي من المقرر تسلمها في يوليو.

ومع زيادة خسائر الليرة، يتسع مستوى تعرّض البنوك للمخاطر وذلك لأن القروض الأجنبية التي منحتها البنوك للشركات التركية تثقل كاهل ميزانياتها.

ووفقا لبيانات البنك المركزي، تجاوز اقتراض الشركات التركية بالعملة الأجنبية 310 مليارات دولار في نهاية فبراير الماضي، أي ما يعادل 40 بالمئة من إجمالي الناتج المحلّي للبلاد.

ويبلغ إجمالي الدين نفسه نحو 197 مليار دولار عند طرح أصول العملات الأجنبية لدى البنوك، مثل السيولة النقدية بالدولار، من أصل هذا المبلغ.

وفي ظل انخفاض قيمة الليرة، تزيد القروض المتعثرة أيضا من أصول البنوك المرجحة بالمخاطر بالعملة المحلية.

وكلما تراجعت قيمة العملة، كلما تأخرت الشركات المأزومة عن سداد قروضها، وكلما كان مطلوبا من البنوك أن تخصص اعتمادات إضافية للقروض المتعثرة والمقومة بالعملة الأجنبية. وبالتالي، تحاول البنوك التحوط من المخاطر ومواجهة آثار تلك المعضلة من خلال الإيرادات المتأتية من التداول.

وتشير الأرقام إلى أن حجم القروض المتعثرة داخل النظام المصرفي التركي زاد بشكل ملحوظ منذ نشر بنك غولدمان تقريره العام الماضي.

تهاوي العملة
تهاوي العملة

ورسميا، زادت القروض المتعثرة إلى 4.1 بالمئة من إجمالي القروض مقارنة بأقل من 3 بالمئة في بداية 2018. لكن محللين ووكالات التصنيف يقولون إن الرقم قد يكون أعلى من ذلك بكثير، حيث أن البنوك ربما تعمل على ترحيل الديون من خلال إعادة هيكلة هذه القروض بدلا من تصنيفها على أنها قروض متعثرة.

ورغم التأثيرات السلبية الناتجة عن تصاعد التوترات السياسية مع الولايات المتحدة قبل تسلّم تركيا المزمع لمنظومة الصواريخ الدفاعية الروسية في يوليو، إلا أن إعادة انتخابات إسطنبول هي التي يمكن أن تشكّل خطرا أكثر تأثيرا على الليرة، ومن ثم على البنوك أيضا.

ومع اشتداد الأزمة، تتضاءل قدرة البنك المركزي على الدفاع عن الليرة. وقال بنك أيه.بي.إن أمرو في تقرير في وقت سابق من هذا الشهر إن صافي احتياطيات البنك المركزي، دون حساب مبادلات العملات الأجنبية، انخفض إلى حوالي 14 مليار دولار.

وفي غضون ذلك، تضغط الحكومة على صناع السياسة بالبنك المركزي والمسؤولين التنفيذيين في البنوك بشكل عام لتقديم مزيد من الدعم للنمو الاقتصادي قبل انتخابات يونيو.

وفي خطوة غير مسبوقة، قد تقوم الحكومة بسحب ما يصل إلى 40 مليار ليرة (6.5 مليار دولار) من الاحتياطيات التي خصصها البنك المركزي للظروف الاستثنائية، حسبما ذكرت رويترز يوم الاثنين. ونقلت الوكالة عن مسؤولين اقتصاديين لم تكشف هويتهم قولهم إن الحكومة تحتاج إلى هذه الأموال لتغطية عجز الموازنة الذي تفاقم بما يفوق التوقعات.

كما تسعى الحكومة إلى تنشيط الاقتصاد عن طريق كبح أسعار الفائدة التي تفرضها البنوك على الودائع والقروض، وهي خطوة غير تقليدية إلى حد كبير.

ويزيد إجمالي أسعار الفائدة على الودائع بقليل عن معدل التضخم الحالي البالغ نحو 19 في المئة. وهذه العائدات الضئيلة تشجع الأتراك على بيع الليرة وشراء العملات الأجنبية. وخفض أسعار الفائدة على القروض يعني أيضا ربحا أقل للبنوك.

وقبل الانتخابات، تخطط الحكومة لتقديم قروض طويلة الأجل بأسعار فائدة مخفضة لأصحاب المصانع والمصدرين عبر ثلاثة بنوك تديرها الدولة، وذلك حسبما قال وزير الخزانة والمالية بيرات البيرق مطلع هذا الأسبوع.

وفي أواخر الشهر الماضي، ضخت الحكومة 3.7 مليار دولار في البنوك التي تسيطر عليها للحفاظ على تدفق القروض في الاقتصاد الذي أصابه الركود.

Thumbnail

وتعمل بالفعل هذه البنوك، التي يشرف الرئيس رجب طيب أردوغان على اثنين منها من خلال صندوق الثروة السيادية التركي، على إقراض المستهلكين وشركات الأعمال التجارية بأسعار فائدة أقل من أسعار السوق.

وسارعت نفس هذه البنوك أيضا إلى مساعدة البنك المركزي لدعم الليرة من خلال بيع أكثر من 4 مليارات دولار من العملات الأجنبية خلال الأسبوع الماضي وحده.

وعلاوة على ذلك، فإن عدم شفافية الكشف عن القروض المعاد هيكلتها في القطاع المصرفي، والذي لم يمتثل بعد في لوائحه بمعايير الاتحاد الأوروبي، يعني أن حجم المشاكل الخاصة برؤوس أموال البنوك لا يزال في علم الغيب.

لكن إذا استمرت الليرة في التدهور بنفس الوتيرة الحالية، فسيكون الأمر مسألة شهور، إن لم يكن أسابيع، قبل أن تجد الحكومة والهيئات التنظيمية نفسها مضطرة للتدخل ودعم رأس المال الخاص بأحد بنوك الإقراض أو أكثر.

وتقتصر تحذيرات غولدمان بشأن تقلص رؤوس أموال البنوك على بيانات أكبر البنوك التركية. لكن في الحقيقة هناك العديد من المخاوف التي تنتشر بين جميع البنوك العاملة في تركيا، وعددها 52 بنكا.

ويسيطر القلق بشكل أكبر على البنوك المعرضة بشكل أكبر نسبيا للمخاطر في قطاعيْ الطاقة والبناء المتعثرين، والتي قد تكون في وضع أسوأ بكثير.

10