الوعد بمقاومة الفساد أقوى أسلحة قيس سعيد

ملف استغلال السلطة كلمة السر حول التطورات الأخيرة في تونس.
الجمعة 2021/07/30
خطوات تكسب ثقة الشارع

رفْعُ الرئيس التونسي قيس سعيد لشعار مكافحة الفساد ومحاسبة المتورطين يكسبه المزيد من ثقة الشعب الذي فقد أيّ آمال طوال السنوات العشر الماضية في فتح هذا الملف الأكثر ضررا للاقتصاد الوطني والذي ساهم في تبديد الكثير من ثروة التونسيين.

استطاع الرئيس التونسي قيس سعيد كسب ثقة التونسيين من خلال رفع شعار مقاومة الفساد الذي استشرى طوال السنوات العشر الماضية من قبل جماعات وأحزاب عملت على النظر إلى الدولة ومقدراتها على أنها غنيمة واعتبرت نفسها منتصرة في صراع المغالبة.

وتمكن الرئيس التونسي من الوصول إلى كرسي قصر قرطاج مدعوما بمن يثقون في نظافة يده وفي زهده في المال والسلطة، وكذلك خطابه الأخلاقي الذي لا يخلو من مسحة تديّن جعلته يحظى بمساندة فئات واسعة من المجتمع بمن فيهم البعض ممّن ناصروا حركة النهضة وصوتوا لمرشحيها في المحطات الانتخابية السابقة.

ونظر التونسيون إلى المنظومة السياسية والحكومات التي دعمتها حركة النهضة ما بعد ثورة 2011 على أنها متهمة بتفاقم المشكلات الاجتماعية والاقتصادية.

وسعت حركة النهضة للحصول على تعويضات عما تنعتها بسنوات الاستبداد. ولم يكن رئيس مجلس شورى الحركة عبدالكريم الهاروني يعتقد للحظة واحدة أن آخر أجل حدده لحكومة هشام المشيشي من أجل تسليم تعويضات مالية لمن سماهم ضحايا الدكتاتورية وهو الخامس والعشرون من يوليو سيكون موعدا لإنهاء حكم حركته عبر البرلمان وإعلان قرارات حاسمة من قبل الرئيس قيس سعيد بهدف تصحيح المسار السياسي في البلاد المحاصرة بالأزمات المتفاقمة.

 

عبداللطيف الحناشي: محاربة الفساد العنوان الأبرز على أجندة الرئيس قيس سعيد

وطالب الهاروني بأن تبدأ الحكومة في دفع ما قال إنها مستحقات لمن قاوموا الاستبداد من وجهة نظره، وتصل قيمتها إلى ثلاثة مليارات دينار، أي حوالي 1.1 مليار دولار، وذلك عبر فيديو ما أن انتشر حتى اتسعت دائرة الغضب والاحتقان بين التونسيين الذين اعتبروا أن الضغط من أجل استغلال مقدرات الدولة وهي في أوج أزماتها المالية والاقتصادية والصحية والاجتماعية، مؤشر آخر على فقدان أيّ مشاعر تعاطف مع الشعب المنهك والمطحون.

وعندما خرج التونسيون للتظاهر يوم الخامس والعشرين من يوليو الجاري كانت هتافاتهم تصب في دائرة اتهام النهضة وحلفائها بأنهم يدفعون بالدولة إلى الإفلاس إلى حد العجز عن مواجهة الوضع الصحي الكارثي الذي عرفته ولا يزال يودي بأرواح العشرات يوميا، والذي جعل الرئيس سعيد يلجأ إلى طلب مساعدات عاجلة من الدول الشقيقة والصديقة لإنقاذ أبناء شعبه.

وفيما يبدو الرئيس سعيد حريصا على محاربة الفساد إلا أن الصراع كان شرسا من قبل الداعمين لحكومة هشام المشيشي الذي اصطدم مع قصر قرطاج بشكل واضح عندما قرر في السابع من يونيو الماضي إقالة رئيس الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد عماد بوخريص الذي جرى تكليفه بالمهمة من قبل الرئيس. وهذا الأمر أثار غضب مؤسسة الرئاسة وانتقادات في الشارع التونسي.

ورأى البعض أن إقالة بوخريص محاولة لمنع الرئيس سعيد من متابعة الملفات الخطرة المتعلقة بالفساد وتضارب المصالح، وهو ما أكد عليه الرئيس التونسي حين استقبل بوخريص مساء نفس اليوم وخاطبه “كان متوقعا إعفاؤك من مهامك لأنك قدمت ملفات وجملة من الإثباتات المتعلقة بعدد من الأشخاص”. وأضاف “يرفعون شعار مقاومة الفساد ثم يتصدون لمن يقاوم الفساد”.

وجاءت إقالة بوخريص ضمن التجاذبات الحادة بين مؤسستي الحكومة والرئاسة، والتي كان الفساد أحد أسبابها الرئيسة، ففي الثالث والعشرين من يناير الماضي صادق مجلس النواب الذي يسيطر عليها الحزام الحكومي على تعديل وزاري أقره المشيشي وجاء من خلاله بـ11 وزيرا جديدا بعد أن أطاح بكل الوزراء المحسوبين على الرئيس سعيد.

كانت نتيجة ذلك رفض الرئيس التونسي دعوة الوزراء الجديد لأداء القسم أمامه بما يسمح لهم بممارسة مهامهم، وقد برر موقفه بوجود عدد من الشخصيات التي نالت ثقة البرلمان وهي ملاحقة بشبهات فساد وتضارب مصالح.

وفي السابع والعشرين من يوليو الجاري أعلن عن فتح تحقيق قضائي عن تلقي أحزاب مشاركة في الحكومة لتمويل خارجي أثناء الحملة الانتخابية عام 2019، وقال الناطق الرسمي للمحكمة الابتدائية بتونس محسن الدالي إن قاضي التحقيق بالقطب القضائي الاقتصادي والمالي (مجمع قضائي مختص بقضايا الفساد الإداري والمالي) فتح تحقيقا مع تلك الأحزاب بتهمة تلقي تمويل خارجي.

ويعتبر ملف الفساد كلمة السر حول التطورات الأخيرة في تونس، كما تعتبر مقاومته أساس الدعم الشعبي الذي يحظى به قيس سعيد الذي يجمع التونسيون على نظافة يده وعدم تورطه مع الفاسدين، وهو الذي طالما تحدث في العديد من المناسبات عمّا وصفها بحالة من الفساد المستشري التي تشهدها الدولة التونسية، مشيرًا إلى أنها “في حاجة إلى أموال وعدالة اجتماعية والقضاء على الفساد المستشري كأسراب الجراد” وفقًا لتعبيره.

انتصار للشارع
انتصار للشارع

وفي مايو الماضي قال سعيد لوسائل إعلام فرنسية إن “تونس تملك كل الثروات ولكن للأسف كلما زادت النصوص زاد اللصوص.. كلما ازداد نص إلا وازداد معه لص ومع ذلك يتبجحون بالإصلاح،

نسمع عن الإصلاح منذ سنوات، لماذا لم يتحقق الإصلاح؟”، مؤكدا على أن “لكل مواطن من شمال البلاد إلى جنوبها حق في بلاده وفي الكرامة وفي الحرية ولكن للأسف هذه الحقوق في أكثر الأحيان لا تتجاوز النصوص.. لا يمكن أن نضع حدا للفساد المستشري كأسراب الجراد إلا إذا كان هناك قضاء عادل ويجب أن تخرج السياسة من قصور العدالة لأنه حينما تتسلل السياسة إلى أرائك القضاة لن يكون هناك عدل على الإطلاق”.

وتساءل سعيد “هل إننا بالفعل دولة فقيرة أم إننا دولة نهبها من نهبها من الداخل؟”، متابعا “نسمع عن المليارات في نشرات الأخبار، مليارات لا تكاد تعد ولا تحصى ومع ذلك نحن في فقر وإملاق وفساد ينخر الدولة” وفق تقديره.

ورجّح الأستاذ في علم التاريخ المعاصر والمحلل السياسي عبداللطيف الحناشي أن يكون ملف محاربة الفساد “العنوان الأبرز على أجندة الرئيس قيس سعيد بعد إعلانه تجميد عمل مجلس نواب الشعب”، متوقعا أن يشهد ملف مكافحة الفساد زخما كبيرا متبوعا بإجراءات سريعة ضد من وصفهم بالفاسدين”، ومعتبرا أن الوضع الجديد ستترتب عنه إحالة من تعلقت بذمتهم شبهات على العدالة.

التونسيون يتهمون منظومة ما بعد ثورة 2011 بأنها تسببت في تفاقم المشكلات الاجتماعية والاقتصادية

ويرى المتابعون للشأن التونسي أن حركة النهضة رفضت خلال السنوات العشر الماضية أن تكون خارج دائرة الحكم، حيث عملت على ضرب منافسيها من الداخل كما فعلت مع نداء تونس بعد أن منحها مؤسسها الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي الفرصة عندما تخلى عن وعوده الانتخابية وتحالف معها تحت ضغوط خارجية وأخرى داخلية، والذي أدى في النهاية إلى انهيار تام لحزب السبسي حتى قبل وفاته في الخامس والعشرين من يوليو 2019.

وساهمت السيطرة على البرلمان على قطع الطريق أمام أيّ محاولة لفتح ملفات فساد أمام القضاء، وهو ما جعل الرئيس قيس سعيد يؤكد أن “الأمن المعبّر عن الإرادة الشعبية يجب أن يطبّق القانون دون استثناء، فالجميع سواء أمام القانون، لا يشفع له حزب ولا نسب ولا ثروة ولا منصب لكن هناك من يتمسك بالحصانة أو بالقرابة في حين أن الحصانة مقصدها هو ضمان حرية الموقف وليس القذف والكذب والافتراء، لكن الحصانة لا يمكن أن تكون حائلاً أمام المساءلة ولا يمكن أن تكون عقبة أمام الإفلات من العقاب، كما اختفت للأسف في المحاكم الأدلة والمؤيدات، بل إن المحاكمات تستمر في بلادنا لعقود، أما لو كان المتهم فقيرا مدقعاً لألقي به في ساعات في غياهب السجون، لكن أقولها للجميع اليوم صبر وغداً أمر”.

وكان الرئيس سعيد يقصد بموقفه ذاك نواباغ مقربين من الإخوان أو متحالفين معهم تستروا بالحصانة البرلمانية، وبعضهم مطلوب للقضاء بتهم فساد، وكذلك شخصيات اعتبارية لم يستطع القضاء ملاحقتها نظرا لاحتمائها بحركة النهضة، وعندما قرر تجميد أعمال البرلمان أردفه بقرار آخر وهو رفع الحصانة عن النواب ما جعل التونسيين يستبشرون بإمكانية أن يقوم القضاء بدوره في ملاحقة المتورطين في نهب المال العام والفساد والإساءة إلى الدولة ومقدراتها.

6