النهايات المغلقة للروايات عقدة أحفاد شهريار

النهايات المفتوحة لا يزول أثرها من نفس قارئها لأنها تُقارب الوجود الإنساني.
الأحد 2020/08/30
لا بد من تحفيز الخيال

لكل بداية نهاية، مقولة تُنسب عادةً للفيلسوف أفلاطون، وسواء قالها أو لم يقُلها فقد اتفق البشر عليها في كل زمان ومكان، كأنها إحدى سُنن الحياة. فحياة الإنسان تبدأ بصرخة أشبه بطَلقة انطلاق السباق، وتنتهي بسكتة فجائية محدّدة المعالم، يستحيل دمجُها مع ما يسبقها أو يلحق بها من اللحظات.

رغم ما أمكن للبشر مُعاينته عبر أجهزة الموجات فوق الصوتية، أو بداخل ثلاجات الموتى وأحواض الفورمالين، تبقى البداية والنهاية محدَّدتين لا لَبْس فيهما: ولادة، وموت.

وإذ تحاكي القصص والحكايات حياةَ البشر بطريقة أو بأخرى، فإن القراء يترقَّبون هاتين اللحظتين فوق أي حدثٍ آخر، ويظل السؤال الأهم الذي يدفع لمواصلة القراءة أو المتابعة، هو: كيف ستنتهي هذه الحكاية؟

السؤال اللغز

في بداية تعرُّفي بنوادي الكِتاب، جرَّ عليَّ هذا السؤال عدة مواقف مربِكة، وكنتُ آنذاك حديثَ العهد بلقاء القراء بصفتي كاتبًا روائيًّا يروق لهم مناقشته في ما كتب، هل تُخطِّط لكتابة جزء ثانٍ من الرواية؟ هكذا سألَتني إحدى عضوات نادي الكِتاب، قُرب نهاية مناقشة أولى رواياتي "التدوينة الأخيرة"، فأجبتُها بغبطة مبعثُها أن الرواية لا بد أعجبَتها، فتمنَّت لو أن لها جزءًا ثانيًا.

قلت، لا فلستُ أميل لكتابة الروايات ذات الأجزاء. أفضِّل الانشغال بأفكار أخرى، فإذا بها تقول “ولكن أحداث الرواية لم تنتهِ بعد”، وصارت هذه العضو محورَ النقاش لما تبقّى من زمن المناقشة، فقد ثار الجدل بين الحضور حول النهايات المفتوحة والمغلقة، وعن جدوى أن يُترك المجال لخيال القارئ كي ينسج المسار اللاحق لشخصيات الرواية.

في رواية "موسم الهجرة إلى الشمال" مشهد ختامي لا يُمكن نسيانه
مشهد ختامي لا يُمكن نسيانه

واستمر السؤال يتكرر والجدال يُنغِّص عليَّ اللقاءات من رواية لأخرى، مهما تهيَّأ لي أني أغلقتُ النهاية بما فيه الكفاية.

من مناقشتي لعدد كبير من القراء، لاحظتُ أن النهايات مُحكَمة الإغلاق تُريح أحفاد شهريار أكثر من غيرها، فقد استمرَّت عُقدة شهرزاد ونهاياتها المراوِغة، تُؤرِّق القراء مع كل حكاية جديدة.

ومع تعرُّف القراء العرب في العصر الحديث على التطورات التي طرأت على البِنى الروائية في الأدب العالمي، عبر النصوص المترجمة والأعمال الدرامية المستوحاة من روايات عالمية، يبقى عموم القراء متمسكين بالبِنية الروائية التقليدية، أن تكون للرواية بدايةٌ ووسط وذروة ونهاية، على الترتيب.

والكاتب حين يتلاعب بالزمن الروائي، أو يفتح الاحتمالات في ما يتعلَّق ببداية انطلاق الحدث وانتهائه، فإنه يُغامر حقيقةً بإقلاق راحة أغلب قرائه، فقليلون يرتضون إجهاد عقولهم في إعادة ترتيب أحداث الرواية، أو في استكمال مسارها بعد الفراغ من القراءة، الأكثرية تُفضِّل إسدال الستار بالطريقة المأخوذة عن المسرح وتقاليده الراسخة.

نفس التقليد الذي انتقل إلى السينما واستمر معها لزمن طويل، فصار لزامًا أن تنزل لوحة النهاية من أعلى الشاشة الكبيرة في نهاية الفيلم، إشباعًا لرغبة المشاهد في ختام واضح وصريح، يُعيد لنبضه إيقاعَه الطبيعي. السؤال هنا: هل ثمة ما يخسره القارئ بتمسُّكه بالنهاية المغلقة؟ لو وُجِّه إليَّ السؤالُ لأجبتُ بنعم، ولكنتُ استفضتُ قائلًا إن قوة الشك والغموض هي ما نخسره بتفضيلنا إنهاء الحكايات بالزواج أو الموت، فهذه النهايات المحسومة ذات الحواف المحددة، تُسخِّف من حيواتنا ومن وجودنا الإنساني، تَنفي التعقيد عن حياتنا وتُفرغها من معناها العميق، الذي يُفترَض بالأدب أن يعكسه لأبعد درجة يستطيعها.

رواية ذات نهاية مفتوحة على عدة احتمالات
رواية ذات نهاية مفتوحة على عدة احتمالات

ما يُحيلنا إلى السؤال التالي: ما الذي تعكسه عن طبيعتنا هذه الرغبةُ في إغلاق النهايات؟ لماذا نخشى الغموض لهذه الدرجة؟ قد نتقبَّله كأداة لزيادة التشويق والمتعة أثناء القراءة، طالما سيمنحنا المؤلف نهايةً تُفسِّر كل شيء ولا تترك مجالًا للشكوك.

فيما لا تُعاملنا الحياة بهذه الطريقة، بل كثيرًا ما تتركنا رهائنَ الحيرة والإرباك والطرق المسدودة؛ جميع الاحتمالات ممكنة، والمسارات مفتوحة مشتَّتة، والمستقبل محفوف بالغموض، عصِيٌّ على التوقُّع، فلماذا نريد للروايات أن تتجاوز كل ذلك، وتُقدِّم لنا جميع الإجابات مغلَّفةً ودافئة على طريقة الوجبات الجاهزة؟

وكثيرًا ما أضع يدي بسهولة نسبية على الموضع الذي يستسلم فيه الكاتب لرغبة القارئ في غلق النهايات، حيث تشرع الشخصيات فجأة في التصرف بعقلانية لا تبدو متَّسقةً تمامًا مع تصرفاتها السابقة، وتبدأ الخطوط السردية في المُضِيّ نحو مسار يبدو مرسومًا بطريقة ما.

عادةً ما ألحظُ هذه العلامات في منتصف الروايات، إذ يبدو أن المؤلف قد قرر التخلِّي عن عفويته، وبدأ يوجِّه الشخصيات نحو مصيرها المحتوم، بحيث يلتقي الجميع في نهاية محبوكة لا لَبْس فيها، تمكِّن القارئ من إغلاق الكتاب وإعادته سريعًا لرفوف مكتبته، والعودة مباشرةً لاستكمال حياته، وصار مؤهَّلًا لنسيان الرواية مع أول موضوع حيوي يُثار أمامه، والبحث عن رواية أخرى أكثر إثارة من سابقتها.

ما يصعُب حدوثُه مع الروايات مفتوحة النهايات، التي تستدرج القارئ لهوّةٍ سحيقة من الغموض، روايات تُؤرِّق قارئها، تترسَّب عميقًا في نفسه، فلا يستطيع نفضَها والتخلص منها بسهولة هش الذباب، إنها تُقارب الوجود الإنساني بدرجة أكبر بكثير من تلك الروايات مغلقة النهايات، فهي تسخر من وجودنا الإنساني كما تفعل الحياة، تؤرِّق مضاجعنا كما انتظار المستقبل، تدعونا لأن نكتشف بأنفسنا أوجُه الغموض، وأن نُجابهَه بالمزيد من الشجاعة والبحث.

رواية حزينة مثل تنهيدةٍ طويلة
رواية حزينة مثل تنهيدةٍ طويلة

كم من رواية فرغتُ من قراءتها عدة مرات، ولم أفرغ منها بعد؟ أعيدها لرفوف مكتبتي، وأعاود الانشغال بما كنتُ مُنهمكًا به قبل قراءتها، لكنني لا أعود كما ذهبْت، بل وقد انطبعَت بداخلي مشاهدها ونهايتها المفتوحة المؤرِّقة.

أذكر منها "موسم الهجرة إلى الشمال"، درّة أعمال الكاتب السوداني الطيّب صالح، حيث يعود الراوي لقريته في السودان بعد حصوله على الدكتوراه من بريطانيا، ليلتقي بشخص صموت غريب عن أهل القرية يُدعى مصطفى سعيد، حتى يتعرَّف ذات ليلة على حقيقته وحكايته المأساوية.

يُغرِق النيلُ مصطفى سعيد، ويبتلع جثتَه دون أن يترك لها أثرًا، فيما تُجبَر أرملته على الزواج بآخر، فتقوم بقتل الزوج قبل أن تمنح جسدها إلى الموت، ما يدفع بالراوي نحو حافة الجنون، فلا يجد سبيلًا للخلاص إلا بإلقاء نفسه بين أمواج النهر الغضوب، وفي مشهد ختامي لا يُمكن نسيانه، يهتف الراوي: "النجدة.. النجدة" فيما هو بين الحياة والموت، لتُختَتَم الرواية دون أن نعرف ما إذا كان الراوي أُنقِذ من الغرق، أو أن صيحته التي ابتغَت النجاة له وللقرية ذهبَت هباءً في فضاء النهر.

المشهد المعلق

ثمة رواية أخرى، ذات نهاية مفتوحة على عدة احتمالات، لا يتلاشى مني أثرها رغم ما يشوبها من رمزية مباشِرة؛ إنها رواية الأديب المصري نجيب محفوظ "رحلة ابن فطومة"، وأظن أن السبب وراء تأثيرها الباقي ذلك المشهد الختامي المعلَّق في الفراغ، الذي تُطوى به صفحات الرواية؛ حيث يصل البطل “قنديل العنابي” قُرب مبتغاه في “دار الجبل”، بعد رحلةٍ قطعَها بين البلاد بحثًا عن علاجٍ يُخلِّص وطنه من المظالم، ويُحقق له الكمال والعدالة الشاملة، مارًّا بدار “المشرق” حيث البشر البدائيون، فدار “الحيرة” ذات الطابع العسكري، ثم دار “الحلبة” الرأسمالية، ودار “الأمان” الشمولية، حتى يصل إلى دار “الغروب” آخر المحطات قبل دار “الجبل” الموصوفة بالكمال.

هناك تنتابه الحيرة إن كان حقًّا يريد بلوغ دار “الجبل”، لكنه يُساق مُرغَمًا للخروج إلى الجبل، لتنتهي الرواية فيما يقف قنديل عند السفح يتأهَّب للصعود، دون أن نعرف ما إذا كان قد تمكن من الصعود، أو وجد أخيرًا ذلك الجواب الشافي للحيرة الإنسانية.

هناك نهايات ينتظرها الجميع بشغف (لوحة للفنانة ريم ياسوف)
هناك نهايات ينتظرها الجميع بشغف (لوحة للفنانة ريم ياسوف) 

وحيث يتَّسع المقام لذكر رواية أخرى تركَت بداخلي أثرًا مؤُرِّقًا، أذكر رواية “تغريدة البجعة” للمصري مكاوي سعيد، فقد ساهمَت وقت صدورها في إعادتي للاهتمام بالنصوص حديثة الإصدار.

رواية حزينة، مثل تنهيدةٍ طويلة، تستعرض قاهرة وسط البلد بكثافة دسِمة وبصراحة موجِعة، وتفتح ثُقبًا في نفس قارئها لتصُبَّ فيه أوجاع أمَّة بكاملها؛ أمَّة أوجعَتها الحروب وأحناها القهر، وسارد حزين ممزَّق، لم يعرف قيمةً في حياته مثل تقبُّل الخسارة، يصطحبنا صوب مشهد النهاية الكئيب المؤرِّق، الذي يُتابع فيه طائراتِ إسرائيل فيما تقصف لبنان.

ويتخلَّص في نفس الوقت من مُسدَّسه، ومن فيلمٍ قطع شوطًا طويلًا في تحضيره، حتى أدوية الأرق ومضادات الاكتئاب أخذ يتخلَّص منها؛ يُفرِغ أقراصها ويتأمَّل أشكالها وألوانها المتباينة، ويبني منها مُدُنًا يشرع في التِهامها، فيما يغيب في تهويماته الغارقة في شوارع المدينة. هل مات؟ أم غاب فقط عن الوعي؟ إنها تغريدة البجعة التي تُطلقها حين تستشعر الموت.

جميعها نهاياتٌ لا يزول أثرها من نفس قارئها، وإذ أتذكَّرها الآن أشعر براحة أكبر نحو كتاباتي السابقة، خاصة روايتي الأخيرة، التي تركتُ في نهايتها فصلًا مرقومًا كسائر فصول الرواية، لكنه فارغ تمامًا من أي محتوى، ولم آخذ بنصيحة المقرَّبين، إذ يحذّرونني من القراء الذين قد يعتقدونها غلطةً مطبعية ساذجة.

أحلم الآن بأن تترك هذه النهاية أثرًا باقيًا في نفوس القراء، فالحياة لا تحتمل هذه القطعيَّة، ولا تمنحنا أطُرًا محدَّدة سابقة التحضير، بل إن النهايات تتماهى دومًا في بدايات جديدة، والموت يتسرَّب باستمرار لشقوق الحياة، ليُغذّي لحظات تتجدَّد بلا نهاية.

11