المونودراما المشوهة دلالة على ما يعانيه المسرح التونسي

تكاليف إنتاجية أقل ومردودية أكبر رهان المنتجين في غياب التصورات.
الجمعة 2022/09/23
الهروب إلى المونودراما

في كل موسم ثقافي تتضاعف الأعمال المسرحية التي تعنون نفسها بالأعمال المونودرامية، أو هي تترك المجال مفتوحا أمام الكتاب ليسموها بتلك الصفة، وهي في أغلبها أعمال مثيرة للجدل في تصنيفها، أو في انتشارها على حساب فنون مسرحية أخرى، ودوافع ذلك كثيرة على ما يبدو.

انتهت المهرجانات الصيفية وانتهى معها موسم من العروض المسرحية التي شهدتها مختلف هذه التظاهرات، لكن لم تنته بعد الظاهرة التي تكرست مع هذه الفعاليات، وهي انتشار الأعمال المسرحية المونودرامية على حساب الأعمال الأخرى، وهي ظاهرة تستحق وقفة.

لا نحتاج إلى تعريف للمونودراما التي باتت نمطا مسرحيا دارجا ومعروفا في تونس على غرار البلدان العربية الأخرى، ورغم ذلك يبدو هناك خلط بينها وبين أنماط أخرى قريبة من المسرح أو من جنس عروض “الشوو”، ومن ناحية أخرى يبدو أن لانتشارها دوافع وأسبابا كثيرة تتجاوز حدود المسرح.

نرجسية أم جهل

في المونودراما يتقمص الممثل أكثر من شخصية ليؤدي المسرحية كاملة شخص بمفرده يؤدي شخصيات عديدة، قد تختلف وتتلون وتتغير وفق كل شخصية وتأطيرها في النص، إذًا عناصر المونودراما الأساسية هي النص والشخصيات، علاوة على السينوغرافيا والموسيقى المصاحبة، وهي عوامل تأطيرية ضرورية في العرض لملء الفراغ الذي يتركه شخص بمفرده على الخشبة.

لكن هناك أنماط أخرى قريبة من المونودراما مثل “الوان مان شو”، وهي تلك التي يؤدي فيها شخص العديد من الحالات ولا تتطلب نصا مبنيا بقدر ما تتطلب مجموعة مواقف أو نكات أو أغان، وقد يؤدي هذا الشخص مقطوعات غنائية أو معزوفات أو رقصات في عرض “شوو” متكامل، لا يهم إن حضرت فيه السينوغرافيا أو لا. من ناحية أخرى نجد “الستاند آب” وهو الشخص الذي يؤدي النكات على الخشبة.

◙ أغلب الأعمال الموسومة بأنها مسرحيات مونودرامية لا ترتقي إلى جهد العمل المونودرامي المطلوب تمثيلا ونصا وإخراجا
◙ أغلب الأعمال الموسومة بأنها مسرحيات مونودرامية لا ترتقي إلى جهد العمل المونودرامي المطلوب تمثيلا ونصا وإخراجا

وقد استفاد منتجو المونودراما في تونس من مختلف هذه الفنون عبر مزجها، ولكن يغيب تدريجيا أهم عناصر المونودراما وهي تأدية الشخصيات والنص، لنغرق في أعمال حكواتية تسرد مواقف فيها ما يسعى للنقد السياسي والاجتماعي والفني وغيره، ومنها ما يحاول اقتلاع الضحك من الأفواه.

ربما استسهل الكثيرون فن المونودراما الذي يتطلب طاقات جسدية وتمثيلية كبيرة، وانساق فيه العديد من المسرحيين ومن الوجوه الدرامية وحتى من المواطنين العاديين ممّن نجحت إحدى نكاتهم على مواقع التواصل، معتقدين أن الأمر لا يتجاوز سرد نكتة للجمهور ليضحك.

ووفق القليل الذي تابعته من الأعمال المونودرامية في السنوات الأخيرة، ويبدو أنه مثال على مشهد مونودرامي كامل، فإن جلها لا يرتقي إلى جهد العمل المونودرامي المطلوب، ولا إلى ما يمكننا أن نقول عنه عملا مونودراميا، فنجد أعمالا تمزج كما اتفق بين الأنماط التي سبق وذكرناها، كما نجد ممثلين يستسهلون اللعب ويدخل أغلبهم في سرد حكايات، مع بعض الكليشيهات، أغلبها سطحي وبلا وعي، وكثير منها مقتبس من حياة الممثل الحقيقية، التي يحاول أسطرتها لا ندري إن كان ذلك نوعا من النرجسية أو محاولة لخلق قصة صادقة وتحقيق التماهي مع الجمهور، تماهٍ تجاوزه المسرح منذ عقود، أو هي فقر في الخيال.

من ناحية أخرى نجد بعضهم هو نفسه كاتب النص والمخرج والممثل في العمل المونودرامي، والحقيقة هذا أمر إعجازي، حتى وإن حقق تصورا جماليا ما، فإنه يظل قاصرا عن روح المسرح، الذي هو فن جماعي بالضرورة، وفن له أكثر من خطاب وأكثر من تقبّل، وتلك مسائل يبدو أنها لا تعني هؤلاء ممّن يعنيهم أكثر المردود المادي.

معاناة المسرح

المونودراما

من المفروض أن تكون المونودراما نمطا مسرحيا فرعيا، وهي لا تحظى بدعم الدولة للأعمال المسرحية في تونس، ورغم ذلك نلاحظ انتشارها خاصة في التظاهرات الكبرى، ولبعض وجوهها جمهور واسع، يلاحق الضحك في ظل واقع سياسي واجتماعي ضاغط، وهو ما قد لا يجده في أعمال مبتذلة، بعضها لا ينتمي كما أسلفنا إلى المونودراما من أصله.

ويبدو أن وراء تضاعف هذه الأعمال دوافع إنتاجية مادية بالأساس لانخفاض تكاليف الإنتاج والرواتب وتكاليف التنقل والديكور وغيرها، ما يجعل منها سهلة الإنتاج، ويسيرة الانتشار، بينما يمكنها تحقيق المردود المادي، خاصة إذا كان الممثل وجها تلفزيا معروفا، تتعدد العروض قليلة الكلفة ويتحقق الربح.

ورغم أن هذا لا لوم فيه على المنتجين الذين وظيفتهم تحريك المشهد المسرحي وخلق سوق لها مردودية فيه، ولكن هذا قاد إلى نوع من الكسل الغريب، والسطحية التي تصل حد الابتذال، وحدّ الجرائم الأخلاقية، خاصة في ما يؤديه بعض الممثلين على الخشبات من نكات قد تمس من سمعة أشخاص عامين، وقد تهين المرأة أو الرجل أو الطفل، دون دراية يكون فيها الضحك مبررا بأي وسيلة كانت تنمرا أو قذفا أو عبارات خادشة.

وراء تضاعف هذا النمط من الأعمال على ما يبدو دوافع إنتاجية مادية بالأساس لانخفاض تكاليف الإنتاج وارتفاع والمردودية

من ناحية أخرى فإنه لا تخفى معاناة قطاع المسرح والمسرحيين في تونس من منظومة الدعم التي لا تكفي العاملين في القطاع سد رمق، تخيل أن منحة الإنتاج لممثل لا تتجاوز 500 دولار في أحسن الظروف، يشتغل لأجلها مدة شهرين أو ثلاثة من البروفات، ثم ينال عن كل عرض يقدمه ما معدله 50 دولارا، تصرف له بعد عام، فيما لا يؤدي في النهاية أكثر من 15 أو 20 عرضا، إنه واقع محبط ومنفر.

المنظومة الإنتاجية للمسرح التونسي لم ترتق إلى التطورات الحاصلة في الواقع، خاصة مع الازدياد الكبير في عدد الفنانين المسرحيين وهواة المسرح، على حد سواء، والعاملين أو الطامحين للعمل في هذا القطاع، ما يدعو إلى تغيير الرؤية كليا لعملية الدعم، والتحفيز على جعل المسرح عملية إنتاجية لها مردود، مادي ومعنوي ثقافي وفني وفكري.

ربما من الصعب دخول الفن المسرحي في لعبة السوق، إذ هناك أكثر من مسرح، لا نمطا واحدا، ولكن من الممكن الدفع ناحية تغيير النظرة إلى العملية الإنتاجية ككل، وتحويل الدعم من عملية إرضائية إلى مسار كامل يواكب الأعمال المسرحية التي يتبناها ويروج لها، ويحقق لها البيئة المناسبة لتقديم عشرات من العروض، ويسعى لتشريكها حتى في خارج تونس، وكل هذا ممكن إذا ما نظر إلى المسرح كفن وأداة ثقافية، لا كمساحة إرضاء وإسكات.

في النهاية، انتشار المونودراما المشوهة في تونس دلالة على ما يعانيه المسرح التونسي من انسداد آفاق الإنتاج، ومن تخبط المسرحيين بين مؤسسات الدولة وخاصة وزارة الثقافة، التي لا مشاريع لها، وبين الاحتياجات الحياتية، والطموحات الفنية.

13