المنصات الرقمية تجذب المسلسلات القصيرة وتهدد عرش الدراما الطويلة

الفرصة متاحة أمام الشركات العربية لتقديم أعمال فنية غزيرة.
الخميس 2022/07/28
المسلسلات القصيرة تجذب الجمهور أكثر

لم تعد المسلسلات التي تقدمها المنصات الرقمية مجرد ظاهرة محدودة، وإنما أصبحت منافسا شرسا يهدد عرش الدراما الطويلة ويجبر منتجيها على إعادة تشكيل السوق والمنتج للحفاظ على موقعهم، خاصة بعد أن صار عدد من النجوم يهتمون بالمشاركة في المسلسلات القصيرة التي تقدم مواضيع مختلفة بطريقة طرح محكمة تهتم بالخط الدرامي وتركيبة الشخصيات أكثر من تلك المخصصة للعرض في الموسم الرمضاني الذي أصبح شبيها بسباق نحو نسب المشاهدة لا يهتم كثيرا بنوعية الأعمال المعروضة.

القاهرة - بدأ الإنتاج الدرامي في العالم العربي ينجذب بسرعة نحو نمط جديد من الأعمال المفضلة لدى جمهور المنصات الرقمية، وأدى ذلك إلى توسع كبير في تقديم مسلسلات قصيرة تتراوح من خمس وعشر حلقات دون تقيّد بتوقيتات موسمية محددة، مع توجه متزايد نحو طرح قضايا أكثر عمقا تتشارك فيها جهات إنتاج متعددة.

وظهر التغيّر في نمط المسلسلات التي قدمتها منصة شاهد مؤخرا، وأبرزها “وش وضهر” و”منعطف خطير” و”الثمانية”، مع اتجاه بعض ورش الكتابة والمؤلفين والمنتجين إلى إعادة صياغة المحتويات المقدمة لتتماشى مع طبيعة دور المنصات، ما يشكل تهديدا مباشرا على موسم رمضان صاحب النمط الدرامي الطويل وإفساح المجال لرؤية دورة إنتاجية مستمرة على مدار العام.

وتقود منصة شاهد السعودية تطورا على مستوى المضمون المعروض، وتسير على طريق نماذج مماثلة تقدمها منصات نتفليكس وأمازون التي شهدت رواجا في الآونة الأخيرة عقب تقديم أعمال تعالج قضايا متنوعة تهم الجمهور.

ومن المتوقع أن تسير منصة “ستارز بلاي أرابيا” على النهج ذاته مع استحواذ شركتي رؤية الإمارات والقابضة “إي.دي كيو” على حصة الأغلبية فيها، واتجاه منصة “وتش إت” المصرية للمزيد من التوسع بعد بدء تقديم الإنتاج الدرامي الخاص بها.

قوالب فنية جديدة

فايزة الهندي: الأعمال القصيرة منسجمة مع العصر ولن تنهي الدراما الطويلة

أدخلت المنصات الرقمية جملة من التغيرات على أشكال الدراما المقدمة، وأتاحت الفرصة أمام شركات الإنتاج لتقديم أعمالها القصيرة بلا تقيد بموسم معين، وبدت مستعدة لتحمل خسارة ضئيلة على أمل تعويضها في المستقبل بعد انتشارها.

وشرعت هذه المنصات في تقديم قوالب فنية لم تكن معتادة في الدراما التلفزيونية، وتتيح المجال لتقديم أعمال تحوي مضمونا مليئا بالإثارة والتشويق والرعب على نحو أكبر مما هو متاح لجمهور التلفزيون الذي يقبع أسيرا لشروط الإعلانات والرقابة والقيود التي تقوض قدرات المبدعين في كثير من الأحيان.

وتقضي طبيعة عمل المنصات الرقمية المعنية بتقديم كل ما هو جديد بضرورة مجاراة رغبات الجمهور الذي يدفع اشتراكا شهريا لمشاهدة محتوياتها، وتوقف ظاهرة المط والتطويل التي كانت سببا في عطب كثير من الأعمال المقدمة في موسم رمضان.

وأصبح عدد الحلقات ومدتها الزمنية مرتبطا بالحكاية الفنية والحبكة الدرامية المقدمة وليس أيام الشهر المعروض فيها، ما يقود إلى رغبة دائمة في تقديم نوعية خاصة من الأعمال ذات الألوان الجديدة التي تولد أفكارا إبداعية كانت غائبة حتى وقت قريب.

ودفعت هذه الأسباب الكثير من شركات الإنتاج العربية للاتجاه نحو التعاقد مع المنصات الرقمية لتقديم أعمالها، وأخذ سوق الدراما تتشكل ملامحه وفقا لنمط مختلف عما ساد على مدار العقود الماضية، ظهرت معالمها في الطفرة الظاهرة على مستوى الأعمال التي تقدمها بعض شركات الإنتاج اللبنانية والسورية.

كما أن المنصات ذاتها حينما اقتحمت سوق الدراما العربية ذهبت مباشرة إلى مخاطبة السوق الأردني عبر مسلسلي “الجن” و”مدرسة الروابي للبنات” اللذين قدمتهما منصة نتفليكس، التي أجرت تقييما أكد لها أن هذه النوعية من الأعمال ستلقى رواجا.

سوق درامي واعد

هشام هلال: المنصات الرقمية ستقضي على موسم رمضان الدرامي

قال الكاتب والمؤلف هشام هلال إن المنصات الرقمية في طريقها للقضاء على ما يمكن تسميته بـ”موسم رمضان الدرامي”، حيث يسير الاتجاه الحالي نحو تقديم أعمال فنية بأفكار مختلفة ومتجددة على مدار السنة، وهو أمر يخدم الدراما بوجه عام ويتيح فرصة تقديم المزيد من الأعمال القصيرة التي تجنب الكاتب تعمد التطويل.

وأوضح في تصريح لـ”العرب” أن البعض من الكتاب لديهم صعوبات في خلق أحداث ما يضطرهم إلى إقحام تطورات على العمل الدرامي، في وقت تكون فيه ميزانيات الإنتاج منخفضة مقارنة بالأعمال الملحمية التي يتم توفير ميزانيات ضخمة لها، لكن لم يعد المنتجون يواجهون أزمات في تسويق أعمالهم في ظل وجود مجال واسع وسوق يمكنه استيعاب الكثير من الأفكار والتجارب المكتوبة في المنصات المختلفة.

وأشار هلال إلى أن أسلوب عمل المنصات يمنح الكاتب الفرصة للاستغراق في الخط الدرامي لكل شخصية ويهيء المجال لتقديم أعمال ذات حبكة درامية أكثر تشويقا، وينصب تركيز المؤلف على الخطوط العريضة التي تسير في إطارها الأحداث.

ومن المقرر أن يقدم المؤلف المصري هلال عملين دراميين يتم عرضهما على منصات رقمية قريبا، يحمل الأول اسم “رالي” من إنتاج “إيجلز فيلم” ويسلط الضوء على سباقات الرالي، وآخر يحمل اسم “بين البنين” ويناقش قضية الهجرة غير الشرعية، وكلاهما يتكون من عشر حلقات.

وكشفت منصة شاهد عن عرض عدد من المسلسلات القصيرة الأيام المقبلة بالاعتماد على عدد من النجوم المصريين، بينها “روز وليلى” بطولة يسرا ونيللي كريم، وهو أول سلسلة درامية عربية تحمل أسماء عالمية في الكتابة والإخراج وتوزع عالميا، واستعان صناع العمل بالمخرج البريطانى لأدريان شيرجولد، و”النزوة” بطولة الفنان خالد النبوي، و”البيت بيتي” بطولة مصطفى خاطر وميرنا جميل.

النجاح يبدأ من الكتابة

عدد من النجوم أدركوا أن معادلة المنصات الرقمية رابحة، وأن هناك اتجاها نحو تقديم أعمال أخرى على مدار العام

يقول البعض من النقاد إن معايير نجاح دراما المنصات تبدأ من الكتابة من خلال فريق من المؤلفين الرئيسيين داخل ورش عمل لوضع الخطوط العريضة للعمل ورسم الشخصيات، ثم تقديم الأفكار التي تتضمنها الحلقات.

وعندما يستقر هؤلاء على الفكرة المطروحة ويتفقون على ملامحها يعملون عليها معا لتقديم قصة متماسكة، وهو ما يوفر الوقت المستغرق في عملية الكتابة، الأمر الذي تتبعه منصة نتفيلكس في الأعمال التي تقدمها.

وتسير هذه المسألة في طريق مخالفة لعملية الكتابة في بعض المسلسلات المصرية، إذ يكون المسؤول عن الكتابة أو على الأقل من يُكتب اسمه على التترات كاتب واحد أو كاتبين، كما تكون العملية الإنتاجية قصيرة، ما يجعل النص عُرضة لأخطاء كثيرة.

وتركز الأعمال التي تعرضها المنصات على ابتكار أشكال جديدة في الإخراج والتصوير، مع إمكانية الاعتماد على أكثر من مخرج ما يمنح العمل المقدم حيوية تتماشى مع الإيقاع السريع الذي تمضي فيه الحلقات، والذي يختلف عن الدراما العربية التقليدية، إلى جانب الطابع التشويقي الذي يظل سائدا في غالبية الأعمال، وهو أحد أبرز أسباب جذب قطاع كبير من المشاهدين الشباب لما تعرضه المنصات.

وبدأت شركات الإنتاج تصوير مسلسلات جديدة منها مسلسل “المتهمة” وتدور أحداثه في إطار جذاب من التشويق والإثارة حول شخصية نورهان التي تصاب بغيبوبة وبعد إفاقتها تكتشف أنها متهمة بقتل زوجها وجميع الأدلة ضدها، والمسلسل من إخراج تامر نادي، ويشارك في بطولته عادل كرم، ودياب، وأسامة عباس، وعلي الطيب، وعاطف عمار.

المنصات الرقمية أدخلت تغيرات على أشكال الدراما المقدمة، وأتاحت الفرصة أمام شركات الإنتاج لتقديم أعمالها القصيرة

علاوة على مسلسل “من.. إلى” ويجمع بين الأكشن والحبكة البوليسية والغموض، وتدور أحداثه حول مدرس رياضيات تنقلب حياته رأسا على عقب عندما تقع جريمة مروّعة في منزله ليتحول الرجل المنظم والمهذب والبسيط إلى إنسان قاس يسعى خلف العدالة والحقيقة والثأر.

وأكدت الناقدة الفنية فايزة الهنداوي أن الأعمال القصيرة ترسخ أقدامها مع الوقت، وتبدو منسجمة مع إيقاع العصر، وحققت نجاحات خلال فترة وجيزة، لكن ذلك لا يعني أن الدراما الطويلة سوف تفقد عرشها، لأن قطاعا كبيرا من الجمهور مازال يرتبط بالتلفزيون ويميل إلى مشاهدة الأعمال المعروضة على شاشته، وإن كان ذلك سيواجه انحسارا في معدلات المشاهدة المرتفعة التي حققها من قبل.

وذكرت في تصريح لـ”العرب” أن المنصات الرقمية تمنح شركات الإنتاج والمؤلفين حرية حركة كبيرة، ودائما ما يكون المؤلفون تحت ضغوط عامل الزمن وأساليب التعاقدات مع التلفزيون التي تضطرهم للعمل في أثناء عرضها، ما يجعل هناك حاجة لورش كتابة في الأعمال الطويلة التي لها مواعيد معينة أكثر من القصيرة غير المرتبطة بتوقيتات عرض محددة.

ومن الواضح أن عددا من النجوم أدركوا أن معادلة المنصات الرقمية باتت رابحة، وأن هناك اتجاها لدى كثير ممن اعتادوا تقديم أعمال في موسم رمضان نحو تقديم أعمال أخرى على مدار العام.

ويستعد الفنان المصري أحمد السقا لتصوير مسلسل “وزن الريشة” وتدور أحداثه في ثماني حلقات، وهو التجربة الأولى للسقا مع دراما المنصات الرقمية. ويشارك الفنان أحمد رزق في بطولة مسلسل “حرب الجبالي” الذي بدأ تصويره في لبنان. ويقوم الفنان طارق لطفي ببطولة مسلسل “الدفعة”. وقاربت الفنانة أروى جودة على الانتهاء من تصوير “حرب نفسية”. وجميعها من المقرر عرضها على منصات رقمية قريبا.

15