المصريون يشككون في مبادرات "بناء الوعي" بسبب التوظيف السياسي

قائمون عليها يرون ترويج إنجازات الحكومة طريقا لإجهاض دور المعارضة.
الثلاثاء 2021/09/21
حملات توعوية فاقدة التأثير

القاهرة – أطلقت بعض الوزارات المصرية بالتعاون مع المجلس الأعلى للإعلام الاثنين مبادرة بعنوان “بناء الوعي” استكمالاً لعدد من المبادرات السياسية والاجتماعية والثقافية التي جرى تدشينها الفترة الماضية دون أن يكون لها تأثير أو تجاوب من المواطنين، وينظر إليها البعض على أنها واجهة للتوظيف السياسي.

ورفعت المبادرات شعارات متباينة تدور في معظمها حول “دعم الوطن” و”التصدي للشائعات” و”مكافحة التطرف” و”مواجهة التعصب والإدمان”، فضلا عن مبادرات في شكل مشروعات مجتمعية واقتصادية لتخفيف الأعباء عن الشريحة الفقيرة.

ودشن مرصد الأزهر بمفرده أكثر من 20 مبادرة خلال ست سنوات، كذلك الأمر بالنسبة إلى وزارات الأوقاف والبيئة والصحة والشباب والرياضة والثقافة.

عمرو هاشم ربيع: الحملات المتكررة هدفها دحض شائعات تنتشر بشكل كبير

وتشترك المبادرات في خضوعها بشكل مباشر لرؤى دوائر حكومية ترتبط بتوجيهات سياسية تحث على التعامل مع قضية الوعي التي لا تغيب عن خطابات الرئيس عبدالفتاح السيسي، حيث يعتبر بناء الوعي المعركة الأكبر التي تخوضها الدولة.

وتصل الرسالة بشكل خاطئ إلى القائمين على المبادرات ويعتقدون أنها تعني ترويج مشروعات الدولة والتركيز على نجاحات الحكومة في بعض المجالات لصد الشائعات والأخبار المغلوطة، وهو ما يجلب نتائج سلبية عند مواطنين يعتقدون أنهم أمام دعاية فجة، في ظل سيل من التقارير الإيجابية التي يتعرضون لها، لأن هناك اقتناعًا راسخا لدى قطاعات كبيرة بأن ما تروّجه الحكومة عناوين فضفاضة تخدم أهدافا معيّنة.

وقال وزير الشباب والرياضة المصري أشرف صبحي، خلال مشاركته في تدشين مبادرة “بناء الوعي”، إن أهداف الحملة تتمثل في “نشر الوعي بين طوائف المجتمع وإبراز إنجازات الدولة والتركيز على بيان مخاطر التطرف وأثره على الدولة والتعاون والتنسيق بين المؤسسات، والتأكيد على أن بناء الدولة الوطنية ومؤسساتها مطلب ديني ووطني”.

ولم توضح وزارات الأوقاف والاتصالات والشباب والرياضة التي شاركت في إطلاق الحملة الجديدة المسارات التي تتوجه من خلالها للتواصل مع المواطنين، ولم تعلن تفاصيل حول الفئات التي تستهدفها. لكن وزارة الأوقاف التي انطلقت منها المبادرة أشارت إلى أنها تستمر لمدة ثلاثة أشهر، ما يعني أنها مؤقتة ولا تحمل خطة طويلة تضمن قياس ما حققته من نتائج.

ويرى مراقبون أن تعدد حملات التوعية في اتجاهات مختلفة يقوض قدرتها على التأثير لأن ذلك يبرهن على عدم وجود أولويات بشأن قضية محددة تستهدفها هذه الحملات ويأتي كمحاولات لشغل الفراغ الذي تركته الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني في الشارع، لتحاول الحكومة لعب دورها ودور المعارضة في الوقت ذاته.

وأكد الخبير في مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية عمرو هاشم ربيع أن الحملات المتكررة ترتبط بدحض شائعات تنتشر بشكل كبير في المجتمع وتسعى الحكومة للتعامل معها عبر ما تقوم به مباشرة دون ارتكاز على وسائل الإعلام التي فشلت في المهمة الفترة الماضية.

وأضاف في تصريح لـ”العرب” أن “تنظيم الإخوان كان يتصدر المشهد في السابق، وهو السبب في انتشار العديد من الأخبار المغلوطة. لكن مع خفوت تأثيره لم تختف حدة الأزمات التي تثيرها معلومات مرتبطة بالحكومة عبر مواقع التواصل الاجتماعي ولا توجد قدرة على إثبات صحتها أو نفيها، ما يؤرق جهات حكومية ترى أنها أخفقت في بناء جدار ثقة بينها وبين المواطنين وتتحرك عبر مبادرات أملا في تحسين صورتها”.

Thumbnail

ويقول مراقبون إن التوعية مهمة في بلد يعاني من نسب أمية مرتفعة تصل إلى 25 في المئة، لكن يجب أن تكون بعيدة عن التسييس الذي يحيط بها، ما يؤثر سلبًا على اقتناع الناس بمضمون الرسائل التي يتلقونها، لأن هناك أزمة أخرى ترتبط بمواكبة تطورات التقدم التكنولوجي الذي يجهض خطابات الحشد والتوجيه بعيدا عن المناقشات الجادة التي تضم حججا وأسانيد تقنعهم.

وذهب وزير الأوقاف محمد مختار جمعة إلى سيناريو التسييس مباشرة عندما أشار إلى أن قضية الوعي المجتمعي والثقافي للمواطنين وتثقيف المجتمع بما يدور في محيطه الإقليمي والدولي “تعد إحدى القضايا المصيرية في ظل استهداف مصر من بعض الدول بصورة مباشرة من خلال محاولة التأثير على عقول الشباب بالسموم التي تعمل بعض الجهات مع جماعات الشر والفتنة والإرهاب على بثها في المجتمع”.

وتغيب منظمات المجتمع المدني التي طالما ارتبطت مباشرة بالتواصل مع الجمهور ونشر الوعي في مناطق عديدة ظلت لسنوات طويلة بعيدة عن هيمنة الحكومة ولديها من الخبرات ما يجعلها قادرة على تحقيق نتائج إيجابية على الأرض. وجاء الغياب بعد أن قلصت الحكومة منافذ التمويل الخارجي التي تصل إلى منظمات المجتمع المدني وطوقتها بقيود متعددة من القوانين لحساب حضور جهات حكومية تقطع الطريق على نشاط المعارضة عموما.

وفقدت الحكومة الثقة في الأحزاب السياسية والمجتمع المدني للقيام بالدور التوعوي، وبدأت تستفيد من غيابهما الطوعي والقسري عن الساحة، وتعمل على سد المنافذ التي يمكن أن تُعيد معادلة سمحت فيها حكومات سابقة للمعارضة بهامش من التحرّك.

ويؤكد متابعون أن النظرة الأمنية للعديد من الأنشطة السياسية والثقافية والاجتماعية التي شكلت ظهيرا للمعارضة تجعل الحكومة تتمسك بالتوجه نحو القبض على الآليات التي مكنتها من الالتحام مع الشارع، ولذلك أصبح سلاح المبادرات والحملات التوعوية وسيلة في يد الحكومة لتحقيق المزيد من التغلغل الشعبي.

وتوحي كل وزارة في الحكومة بأنها ملتحمة مع الجماهير وتخوض معركة مع عناصر خارجية، وتسعى لتوظيف حملاتها ضمن خطة للتعامل مع الفئات التي تناهض الدولة تؤدي إلى منع هذه الفئات من ممارسة أي نشاط أو التسلل إلى أي مجال.

1