المصريون يتجاهلون مشروعا للتشجيع على التنقل بالدراجات لا يشمل المسؤولين

"كايرو بايك" يتناغم مع فلسفة الرئيس عبدالفتاح السيسي بعدما ظهر أكثر من مرة وهو يقود دراجة.
السبت 2022/08/06
إقبال ضعيف

القاهرة - أطلقت الحكومة المصرية مشروعا لنشر ثقافة استخدام الدراجات كوسيلة للتنقل في القاهرة كجزء من خطة يسعى الرئيس عبدالفتاح السيسي لتنفيذها ترمي إلى تقليل الاعتماد على السيارات في التنقل مقابل أن يلجأ المواطنون إلى الدراجات الهوائية لخفض معدلات التلوث والزحام واستخدام الوقود.

يتناغم المشروع الجديد الذي أطلقت عليه العاصمة المصرية “كايرو بايك” مع فلسفة الرئيس السيسي بعدما ظهر أكثر من مرة وهو يقود دراجة بمفرده أو يرافقه بعض المسؤولين، لاسيما في أوقات الزيارات الرسمية للكليات العسكرية أو عندما تكون هناك مؤتمرات شبابية تشرف على تنظيمها الحكومة.

وقال مسؤولون بمحافظة القاهرة إن المشروع يغطي أغلب مناطق العاصمة، وتتصل محطات الدراجات بخطوط مترو الأنفاق وشبكات النقل العام ليتمكن أي شخص من استئجار دراجة للتنقل بها إلى مقر عمله أو للوصول إلى أقرب محطة مترو أو موقف سيارات عمومية بإيجار لا يتخطى الجنيه الواحد (نحو 6 سنتات) لكل ساعة.

ويبدو أن الحكومة حددت هذا السعر الزهيد والمدعوم ماديا منها لتشجيع الناس على استخدام الدراجات، في إطار السعي لتطبيق دعوة سابقة أطلقها السيسي بأن تكون الدراجة الهوائية وسيلة تنقل أساسية لتوفير الوقود الذي تدعمه الدولة بمبالغ مالية كبيرة حتى الآن، والحد من ظاهرة تكدس الشوارع بالسيارات.

نشر ثقافة الدراجات لتكون بديلة عن وسائل النقل التقليدية يتطلب إطلاق مشروع متكامل لا مبادرات شخصية

ويمكن للمواطن أن يذهب إلى أي مكان تتواجد فيه دراجات “كايرو بايك” ليستأجر إحداها لمدة ساعة أو عدة ساعات أو يوم كامل، على أن يتركها في محطة خاصة بالدراجات تكون قريبة من المكان الذي يرغب في الوصول إليه، شريطة أن يدفع المبلغ المالي المستحق إلكترونيا من خلال تطبيق يتم تحميله على الهاتف المحمول.

وهذه المرة الثالثة التي تطلق فيها الحكومة مشروعات خاصة باستخدام الدراجة الهوائية في التنقل، حيث سبق وأعلنت من خلال وزارتي الشباب والتعليم العالي توفير دراجات بالتقسيط المريح للشباب عبر توفير قروض بنكية لشرائها، ويتم تسديد التكلفة بالتقسيط على أشهر محددة لنشر ثقافة ركوب الدراجات.

ولا يتعاطى الكثير من الشباب في مصر مع المبادرات الحكومية الخاصة بالتشجيع على التنقل بالدراجات، وتبدو غريبة على بعضهم، في حين تصطدم بميول أغلبهم نحو التمرد على التوجهات الرسمية الفوقية التي تطاردهم، لأن هذه الثقافة يفترض أن تكون نابعة من قناعة ذاتية ولا تحمل طابع الوصاية من جانب المسؤولين.

وحملت ردود فعل بعض الشباب إيحاءات ساخرة حول التنقل بالدراجات، فالحكومة التي ترغب في نشر هذه الثقافة لم تعمم الفكرة على المسؤولين بها ليكونوا أول الفئات التي تتنازل عن استخدام السيارات الفارهة في التحرك من وإلى مقار عملهم، كبداية لإقناع الناس بمزايا المشروع وتعميمه.

ويعتقد متابعون لمشروع “كايرو بايك” وغيره من المبادرات الحكومية المرتبطة بالاعتماد على الدراجات في الحركة أنه من غير المنطقي التعامل مع تلك الأفكار كأنها مشروعات قومية تُخصص لها ميزانيات ولا يكون المسؤولون أول من يدعمونها وينشرونها بين الناس عندما يظهرون في الشوارع وهم يستقلون الدراجات.

وعكست بعض التعليقات على منصات التواصل الاجتماعي لأي درجة ارتفعت شكوك الناس في نوايا الحكومة أو أيّ جهة تسعى لتطبيق مشروع غير تقليدي، فهناك من شكك في أبعاد إطلاق مبادرات عديدة حول استخدام الدراجات بدلا من السيارات، ولفت البعض إلى وجود جهات ما مستفيدة ماديا من الفكرة، ما يخرجها عن هدفها النبيل.

وقال الشاب محمد سعد لـ”العرب”، وهو طالب جامعي يستهويه ركوب الدراجة للوصول إلى جامعة القاهرة كل يوم، إن نشر ثقافة قيادة الدراجات يصطدم بسعي كل مسؤول للظهور أمام السيسي على أنه يعمل على تعميم فلسفته على المواطنين في القطاع الذي يديره ويظهر كأنه نجح في شيء يستهوي الرئيس شخصيا.

وأضاف “لا أنكر إيجابية الفكرة، لكن لا تقنع الناس باستخدام شيء وترفض استخدامه، ففي بعض الدول يتحرك وزراء ومسؤولون كبار بالدراجات دون حراسة أو أساطيل من السيارات.. وهنا (في مصر) يتحول موكب المسؤول إلى سبب في تعطيل المرور، بالتالي فنشر ثقافة الدراجات لا بد أن ينبع من إيمان قيادات الحكومة بها”.

ويرى مراقبون أن ظهور السيسي وهو يقود دراجة في أحد شوارع القاهرة الخالية من المارة لا يعني أن الناس سوف يقلدونه أو يتعاملون مع التحرك بالدراجات كتكليف رئاسي لهم، فهناك شعور لدى البعض بارتباط الفكرة بتحفظات الرئيس على قوام الكثير من المواطنين وإصابتهم بالسمنة، لذلك تدعوهم الحكومة إلى الدراجة لخفض السعرات الحرارية وليس لتخفيف الزحام أو توفير الوقود.

وأكد سعيد صادق أستاذ علم الاجتماع السياسي بالجامعة الأميركية في القاهرة لـ”العرب” أن المشكلة الحقيقة تكمن في وضع العربة أمام الحصان الذي يجرها، فالبنية التحتية ليست ممهدة بالقدر الكافي والكثير من الطرق والشوارع التي يتم إنشاؤها حديثا، أو القديمة، ليست بها طرق مخصصة للدراجات ما يتعارض مع المشروع.

ويشير مؤيدون للفكرة إلى أن نشر ثقافة الدراجات لتكون بديلة عن وسائل النقل التقليدية يتطلب إطلاق مشروع متكامل لا مبادرات شخصية من جهات وشخصيات مسؤولة لا تستخدم الدراجة أصلا، كأنهم يُظهرون التناغم مع الرئيس في هذه الهواية فقط، ورغم مزايا الفكرة فهي بحاجة إلى نشرها بشكل أكثر احترافية.

ويتفق البعض من الشباب على أهمية الدراجات كوسيلة نقل زهيدة التكلفة ونظيفة الاستعمال، لكن لا يجب التسويق لها بطريقة سياسية وكأن المعارضين لاستخدامها عديمو الوطنية ومتمردون على تحركات الحكومة، وطالما توجد حساسية مفرطة وعدم ثقة في القرارات الرسمية ستواجه مشروعات الحكومة بتحديات في الشارع.

6