المصادر المجهولة بديل عن شُح المعلومات في الصحافة المصرية

القطيعة بين المسؤولين والإعلام كرّست نشر الأخبار المنسوبة إلى أسماء مستعارة.
الجمعة 2022/07/15
عدوى التجهيل انتقلت من المسؤولين إلى الصحافيين

أصبح ظهور مسؤول حكومي مصري للإدلاء بتصريحات صحافية لأي جريدة أو موقع حدثا نادرا بعدما وصلت العلاقة بين الإعلام والقيادات الحكومية إلى شبه قطيعة، وصارت الأخبار المنسوبة إلى مصادر مجهولة ظاهرة في محاولة للبحث عن بدائل للتنوع والاختلاف بعد هيمنة البيانات الرسمية على المحتوى الإعلامي.

القاهرة - تسيطر الجهات المجهولة على المحتوى الإعلامي في مصر، وصارت المصدر الوحيد تقريبا للحصول على المعلومات والرد على الشائعات مع تمسك العديد من المؤسسات الحكومية بالاكتفاء بإصدار بيانات لا تفي بالغرض ولا تجيب على تساؤلات الشارع.

منذ انطلاق امتحانات الثانوية العامة (البكالوريا) مؤخرا، أخفق محمد عيسى، وهو اسم مستعار لصحافي متخصص في التعليم بجريدة قومية (حكومية)، في أن يحصل على معلومة واحدة من طارق شوقي وزير التربية والتعليم، باعتباره الرئيس والمشرف على امتحانات الثانوية العامة، إضافة إلى منصبه كوزير، في ظل حالة السرية الكاملة التي يفرضها على الامتحانات وإجراءاتها.

في كل مرة يقدم عيسى خبرا لجريدته عن الثانوية العامة كحدث يهم الرأي العام على مدار ثلاثة أسابيع، يتم سؤاله عن مصدر المعلومة، لكونه يعتمد على الأخبار مجهولة المصدر، فيبرر موقفه بأن الوزير يرفض التحدث للإعلام ويفرض سرية على الامتحانات ويمنع أيّ مسؤول من الكلام مع الصحافة ويهدد من يخالف بالمساءلة.

يمتلك الصحافي علاقات قوية مع دوائر صناعة القرار داخل وزارة التعليم، ومع الوزير شخصيا، لكن الأخير يرفض أن يظهر ليتحدث عن الثانوية ولو بالإشادة بإجراءات الحكومة في نجاح الامتحانات وتأمينها.

30

في المئة من إجمالي مخالفات وسائل الإعلام كانت بسبب الأخبار المنسوبة إلى أسماء مستعارة

وأوضح عيسى أنه حاول نشر معلومات على لسانه لتأكيد مصداقية ما ينشره عن الثانوية على لسان مصادر مجهولة، لكنه رفض بشدة مع أن ما كتبه سابقا كان صادقا.

أصبح كل ما يرتبط بملف التعليم، وهو قطاع خدمي يحتل أولوية قصوى عند المصريين، منسوبا إلى مصادر مجهولة وأسماء مستعارة لمسؤولين كبار دون الإفصاح عن طبيعة مناصبهم، ولم تعد هناك أفضلية لجريدة على أخرى، بل يعتمد الجميع على جلب المعلومات بأي وسيلة، ولو من خلال صغار الموظفين في التعليم.

لم يعد أمام الصحافيين عند الحصول على المعلومات إلا أن تكون لهم قاعدة علاقات قائمة على الصداقة والمودة مع بعض المسؤولين في الوزارة أو الجهة الحكومية، وهو ما يحتاج إلى وقت وجهد كبيرين، فيحصلون على المعلومة بطريقة ودية، وهنا لا يخشى المسؤول على نفسه لأن الصحافي لن ينشر اسمه أو صورته أو يشير إليه من قريب أو بعيد.

يشكو عدد كبير من الصحافيين في مصر من الشح غير المسبوق في المعلومات، فهناك تعليمات رسمية تصدر للمسؤولين من وزراء ورؤساء قطاعات بعدم التحدث للإعلام دون إذن مسبق، ناهيك عن الملصقات المنتشرة داخل أروقة المؤسسات التي تحذر الموظفين من التعامل مع الصحافيين لا بالسلب ولا بالإيجاب أو الإدلاء بأي معلومات تخص طبيعة مناصبهم.

ترتب على ذلك شيطنة الإعلام في نظر الكثير من المسؤولين وصار كل منهم يخشى على نفسه الإقصاء من منصبه، فلا الصحف تقوم بدورها في توضيح الحقيقة ومواجهة الشائعات وتبرز الإنجازات والتحديات ولا الجهات الرسمية تستطيع مخاطبة الشارع.

انتقلت عدوى التجهيل من قبل المسؤولين إلى عدد كبير من العاملين في مهنة الصحافة، فقد رفض كل الصحافيين الذين تحدثت إليهم “العرب” بشأن القضية الإفصاح عن هويتهم للحفاظ على مصادرهم المجهولة في الوزارة التي يقومون بتغطيتها.

قال (ن. ح)، وهو صحافي مسؤول عن تغطية ملف النقل بصحيفة خاصة، رفض الكشف عن هويته، إنه حاول ذات مرة الحصول على معلومة تخص شكوى الناس على شبكات التواصل الاجتماعي من تعطيل أحد قطارات مترو الأنفاق، وعندما سأل مسؤولين أبلغوه بالتأكد من المعلومة أولا ثم فوجئ بصدور بيان رسمي عن الواقعة.

Thumbnail

عاد الصحافي إلى المسؤولين وعاتبهم على نشر بيان رسمي دون الرد على سؤاله منفردا، وبرروا ذلك بأن هيئة المترو لا تعطي تصريحات خاصة حول قطاع محوري وجماهيري وتكتفي فقط بإصدار البيانات الرسمية في الموضوعات الإيجابية أو السلبية، وأن علاقاتهم بالإعلام مقتصرة على البيانات الإعلامية للرد على التساؤلات الخاصة والعامة.

وأضاف الصحافي لـ “العرب” أن البيانات التي تصدر عن المؤسسات الحكومية، كبديل عن التصريحات الخاصة جعلت الصحافيين أقرب إلى موظفين إداريين، مهمتهم استقبال ونشر البيانات، والبديل الوحيد أن تكون للصحافي علاقات شخصية ودية مع بعض المسؤولين للحصول منهم على معلومات دون الإشارة إلى هوياتهم.

وتأتي الأزمة من رفض البعض من القيادات الصحافية نشر معلومات مجهولة المصدر، بدعوى أن “الوزارة لو كانت موافقة عليها لما سربتها على لسان مصادر مجهولة، وهذا يمكن أن يتسبب في مشاكل للصحيفة”.

تكرر هذا الأمر مع الصحافي المسؤول عن تغطية ملف النقل الذي قال: “أقوم بدوري فقط ولو رفضوا نشر أخباري مجهولة المصدر”.

مجلس تنظيم الإعلام يبدي تحفظه على كثرة اعتماد الصحف والمواقع على الأخبار مجهولة المصدر، وطالب بتقليلها إلى الحد الأدنى حفاظا على مصداقية الإعلام

يرى خبراء إعلام أن القطيعة بين المسؤولين والإعلام يتحملها الطرفان، فالعديد من الموظفين الكبار بالحكومة يفتقرون إلى الحس السياسي في مخاطبة الجمهور وقد يورطون أنفسهم في سقطات كلامية، لذلك يختارون الابتعاد عن الصحافة حفاظا على مناصبهم، في ظل تفنن بعض الإعلاميين في اصطياد الأخطاء الكلامية للمسؤولين.

ويفتقد البعض من المنتمين إلى مهنة الصحافة خبرة التعامل مع المسؤولين، يختارون توقيتا خاطئا لطرح الأسئلة والاستفسارات ويعرضونها بشكل مستفز، وبينهم من يريد معلومات مثيرة تهم منصات التواصل الاجتماعي فقط، ما كرس الميراث السلبي عن الإعلام بأنه مهنة البحث عن الإثارة والكوارث والمعلومات الساخنة.

وقال محمود خليل أستاذ الصحافة والإعلام بجامعة القاهرة إن نشر معلومات مجهولة المصدر متعارف عليه في الإعلام، والمشكلة في مصر أنه أصبح ظاهرة لأسباب كثيرة مرتبطة بإحساس المسؤولين بعدم وجود مساءلة إعلامية جراء غياب النقد، والتركيز على المعلومات دون التعمق في المضمون والتحليل والتفسير.

وأشار إلى “العرب” إلى عدم وجود بديل لحرية المعلومات وسن تشريعات ضامنة لذلك تلتزم بها الحكومة، يتطلب الأمر احترافية إعلامية لعدم توظيف بعض المعلومات أو نشرها بطريقة مثيرة، ومطلوب من الإعلام القيام بمسؤولياته قبل استعادة ثقة المصادر والجمهور.

ويصعب فصل تجاهل العديد من المؤسسات الرسمية للتواصل مع الإعلام بشكل علني عن شعور الوزراء وكبار القيادات الحكومية بأنهم يمتلكون الصحف، باعتبار أن أغلب المؤسسات الإعلامية ملكية حكومية، أي أن دور الإعلام لا يتجاوز الحديث عن الإنجازات عبر بيانات رسمية وليس الرد على الاتهامات والتقصير.

وأبدى مجلس تنظيم الإعلام تحفظه على كثرة اعتماد الصحف والمواقع على الأخبار مجهولة المصدر، وطالب بتقليلها إلى الحد الأدنى حفاظا على مصداقية الإعلام، معلنا أنه اكتشف أن 30 في المئة من إجمالي مخالفات وسائل الإعلام كانت بسبب الأخبار المنسوبة إلى أسماء مستعارة، لكن لم يتدخل لإلزام الحكومة بحق الصحافيين في المعرفة.

16