المتاحف.. ذاكرة البشرية وخزائن الدهشة

من غرف الملوك والأثرياء إلى مساحات خصبة للمعرفة والاكتشاف.
الأحد 2021/02/14
أماكن مثيرة للاكتشاف الثقافي والحضاري

قد يرى البعض من قصار النظر أن المتاحف مجرد ترف اقتداء بنشأتها في قصور الملوك والأثرياء، بينما الحقيقة بعيدة كل البعد عن هذه النظرة السطحية. المتاحف اليوم عماد ثقافي لأي دولة، ونعرف أهمية الثقافة في خلق التنمية ودورها الأساسي في حركة السياحة العالمية، لذا أضحت الدول تتسابق لتركيز متاحف تضم عناصر من تراثها وفنونها وتاريخها وحضارتها، إذ المتاحف في النهاية وجوه حضارية ضرورية.

ضمن إطار شامل يهدف إلى إعادة صياغة القاهرة كعاصمة كبرى للسياحة الثقافية، يُفتتَح قريبا “المتحف القومي للحضارة المصرية” في منطقة الفسطاط التاريخية بوسط القاهرة، والذي يوصَف بأنه أحد أكبر المتاحف النوعية المعنيَّة بالحضارة على مستوى العالم، والوحيد من نوعه في الشرق الأوسط.

وبرغم الجدل الدائر حول نقل محتويات عدد من المتاحف النوعية الأخرى إلى متحف الحضارة، مثل متحف النسيج الكائن في سبيل محمد علي بشارع المعز، في وسط القاهرة أيضا، ومع كل الاستعدادات التي تجري على قدم وساق لافتتاح المتحف الجديد، واستقباله “موكب المومياوات الملكية” التي ستستكمِل نومتها الأبدية بين جدران متحف الحضارة، فإن الحركة الدائبة لإنشاء وتطوير وإعادة تأهيل المتاحف والمزارات الأثرية والتاريخية المصرية، تُبشِّر بتغيير هام في المشهد الثقافي، وبتوجُّه جديد نحو جذب المزيد من السياحة الثقافية خلال السنوات القادمة، إلى واحدةٍ من أقدم عواصم العالم وأكثرها ثراء وتنوُّعا.

خلال السنوات الماضية، افتُتِح قصر الأمير محمد علي في حي المنيل، ثم قصر البارون إمبان مؤسس حي مصر الجديدة، وقصر عابدين أفخم القصور الملكية، كما افتُتِح متحفان حديثا الطراز والتجهيزات في مدينتَي شرم الشيخ بشمال القاهرة، والغردقة على البحر الأحمر.

وخلال نفس العام طبقا لما أعلنَته وزارة السياحة والآثار، افتتحت القاعة المتحفية الجديدة في مطار القاهرة الدولي، ومتحف عواصم مصر في العاصمة الإدارية الجديدة، ومتحف إخناتون في مدينة المنيا، جنوب مصر، والمتحف الكبير الذي طال انتظاره من المهتمين بالتاريخ والآثار المصرية في مختلف أنحاء العالم؛ وكلها تُشير إلى الحركة الدائبة لأجل تطوير المتاحف وتنويعها. هل ثمة ما يبرر هذه الحركة الدؤوب، ونحو أي غايةٍ تقودنا؟

خزائن الدهشة

"متحف الذهب" الكولومبي
"متحف الذهب" الكولومبي

 للبشر نشاط حافل يمتدُّ إلى عصور ما قبل التاريخ، في تسجيل بصماتهم فوق شواهد الأرض؛ منه ما سجَّلوه رسما فوق جدران الكهوف أو دفنا لأوعية الفخار والملابس الموشّاة بالأصداف والأحجار في قبور الراحلين، وكذلك نقشا للأحداث والفتوحات فوق أعمدة المعابد وحوائط المقابر، وصولا إلى إنشاء المتاحف والنصب التذكارية، كأماكن مُعدَّة خصيصا لحفظ ذاكرة الإنسانية في الفنون والعلوم وغيرها من أوجُه التطوُّر الحضاري.

إنه سِجلّ آخذ في النمو باستمرار، يصنع للبشر ذاكرتهم الجمعيَّة التي هي أساس كل تقدُّم حضاري يُحرِزونه، ويحتفي بما أنجزه الراحلون، فمهّدوا به طريق اللاحقين.

استُمدّت فكرة تأسيس المتاحف من قيام بعض الأثرياء والوجهاء في سالف الأزمنة، بجمْع مجموعات خاصة من التُّحف النادرة داخل قصورهم، وسَعيهم إلى تنميتها وإزكائها بالقطع الفريدة كلما تسنّى ذلك.

دأب بعضهم على تجميع التحف والأواني ذات الصنعة الفريدة، فيما انشغل آخرون بجَمْع كل غريب ومثير للاهتمام مما تجود به الطبيعة من مختلف بقاع الأرض، ثم صار البعض يعرضون هذه النفائس في قاعات مُعدَّة خصيصا في القصور، اتُّفِق على تسميتها بأشياء من قبيل “غرف العجائب”، أو “خزائن الدهشة”.

يعود أقدم نموذج معروف لغرف العجائب هذه إلى عصر الإمبراطورية البابلية الثانية، أي إلى حوالي القرن السادس قبل الميلاد، إذ اكتُشِفَت آثار لبعض الأمراء المشاهير من هذا العصر، تُشير إلى أنهم كانوا يجمعون القطع الفنية والمصنوعات اليدوية الأثرية والمثيرة للاهتمام من بقايا حضارة بابل العظيمة، في قاعات خاصة بداخل القصور، وربما كانوا يدعون معارفهم من الوجهاء ومن كبار الشخصيات إلى زيارة قاعاتهم والاطلاع على مقتنياتها، كطريقة للحصول على المزيد من الوجاهة الاجتماعية.

ودأب آخرون أكثر اهتماما بالعلوم الطبيعية، على جمْع الاختراعات الحديثة المثيرة للدهشة، والخامات العجيبة المجلوبة من أماكن بعيدة ذات طبيعة مختلفة، لأجل عرْضها على نظرائهم من المهتمين بها.

تخصصات مدهشة

على المتاحف المصرية ابتكار سيناريوهات للعرض المتحفي تجعل الزائر يعايش العصور التاريخية بطريقة أشمل وأكثر تشويقا
على المتاحف المصرية ابتكار سيناريوهات للعرض المتحفي تجعل الزائر يعايش العصور التاريخية بطريقة أشمل وأكثر تشويقا

 يبدو أن الفكرة تطوَّرَت خلال عصر النهضة إلى تأسيس مجامع علمية متخصصة، تُجمَع بداخلها المكتشفات العلمية والطبيعية ويتم تصنيفها على طريقة الموسوعات، في خزائن مُعدّة للعرض والاطلاع المباشر، وإنشاء المتاحف التي تعرِض الأعمال الفنية النفيسة والمنحوتات الفريدة في قيمتها الجمالية، والتي خلَّدَت أسماء مُبدعيها.

صار يُسمَح بزيارة هذه المتاحف للوجهاء والمتعلمين فقط من أبناء الطبقات العليا وربما الوسطى، إذ كان يُخشى على المعروضات من الدمار والإتلاف نتيجة تزاحم العامة لمشاهدتها. واستمرَّ هذا المسلك حتى قرابة القرن التاسع عشر، حين صارت المتاحف الإيطالية والنمساوية والإنجليزية تستقبل العامة أثناء العطلات والأعياد، وكذلك الفرنسية بعد سقوط الملكية.

منذ نشأتها، سلكَت المتاحف مسالك مختلفة نتيجة لتنوُّع اهتمامات البشر، وراحَت تذهب أبعد فأبعد نحو التخصص والتفرُّد. وبالرغم من وجود العديد من المتاحف الموسوعية إلى اليوم، والتي تضم بين مقتنياتها معروضات متنوعة من مشارب فنية وعلمية وتاريخية وحضارية، فإن أغلبية المتاحف اليوم تسعى إلى الفَرادة حتى تكون أكثر جاذبية للزوار.

والأهم أن ينبع تفرُّدها من ثقافة المجتمع أو المدينة ذاتها، بحيث تكون زيارة المتحف جزءا منسجما مع التجربة الكلية التي يعايشها الوافد إلى المدينة.

من هذا المنطلق، أنشئ “متحف الذهب” الكولومبي على سبيل المثال، ليُصبح أحد أهم المزارات السياحية هناك، حيث تعكس معروضاته روح كولومبيا خلال عصور ما قبل وصول الأوروبيين، على نحو فريد ومتَّسق مع الخصوصية الثقافية لهذه الحضارة، التي لطالما ارتبطَت دينيّا وثقافيّا وفولكلوريّا بالذهب والمعادن النفيسة والأصداف والأحجار.

على نفس المنوال نجد متحف “الجاسوسية” في مدينة واشنطن، حيث يعرض تاريخ الجاسوسية عبر الأزمان، وقصصها وأساليبها التي اختلفَت باختلاف العصور.

وبالرغم من غرابة موضوعه، فالمتحف لا يبتعد كثيرا عن روح المدينة، كما يعكس سيناريو العرض المتحفيّ بداخله روح الفردانية والمعلوماتية والتنافسية التي تتسم بها الثقافة الأميركية، بل ويتسق أيضا مع طبيعة الأب المؤسس جورج واشنطن، الذي اشتُهِر بمهاراته الفذة في الجاسوسية.

أما أمستردام، التي يُلقِّبها البعض بمدينة الحرية والخطيئة، فقد ابتكرَت للعالم متحفا لتاريخ الجنس، وآخر لفنون التعذيب، فلا عجب، أما العجيب حقّا فأن تُتحِفنا مدينة دلهي الهندية بمتحف للصرف الصحي والمراحيض، وإن كان ثمة تبرير يُقدِّمه مؤسس المتحف، وهو ناشط اجتماعي مرموق، إذ يزعم بأنه أراد أن يلفت الأنظار إلى المشاكل التي تواجهها بلاده في قطاع الصرف الصحي، عبر فكرة مبتكرة.

منذ نشأتها، سلكت المتاحف مسالك مختلفة نتيجة لتنوّع اهتمامات البشر، وراحت تكرس التخصص والتفرّد

 لم يكن السفر بهدف السياحة والترفيه أمرا شائعا قبل انتصاف القرن التاسع عشر، إذ لم تكن سكك الحديد قد تمدَّدَت لمسافات تسمح باستخدامها للسفر والسياحة، ولا كانت السفن البخارية قد شاع استعمالها بعد.

ومنذ أتيح السفر بهذه الوسائل الأسرع والأكثر راحة، بدأت فكرة السياحة عبر القارات تخطر على بال الكثيرين، خاصة مع توسُّع الطبقة المتوسطة وتزايد إمكانياتها نتيجة للتعليم والتغيرات السياسية، لذا نشأت فكرة تأسيس وكالات متخصصة في تنظيم هذا الشأن تلبية لحاجة السوق الناشئة، بدأها الإنجليزي توماس كوك فأسس وكالته المعروفة إلى الآن.

بطبيعة الحال، فقد تفرَّدت أوروبا بكونها قبلة السياحة عند نشوء هذا النمط الجديد من السفر، حيث صار الأوروبيون يسافرون مستخدمين شبكات سكك الحديد التي تصل بين البلدان الأوروبية، كما أخذ الأثرياء يتوافدون من القارات المحيطة للسياحة والتعليم في بلدان أوروبا الأكثر تقدُّما.

كانت القارة العجوز بشُطآنها وطبيعتها ومسارحها ومتاحفها، هي الأكثر استعدادا لاستضافة السياح الوافدين إليها، ولتأسيس النمط القادم لمختلف أشكال السياحة، الثقافية على وجه الخصوص.

ليس بالمتاحف وحدها تحيا السياحة الثقافية، فسائح اليوم يختلف كثيرا عن سائح الأمس، خاصة مع إتاحة فرص السفر عبر الطيران منخفض التكلفة، ما ساهم في انتشار أنماط سياحة مختلفة ودخول شرائح أوسع إلى هذه السوق.

مع إتاحة الإنترنت في كل أرجاء العالم، ما عاد السائح بحاجة إلى وكالات السياحة والسفريات، إذ صارت المعلومات متوفرة للجميع، وإمكانية حجز أي شيء، من تذكرة السفر إلى تذكرة المتحف المرغوب في زيارته، متاحة بضغطة زر فحسب.

لذا فليس ثمة بديل عن إتاحة أحدث الوسائل لزوار المتاحف الجدد من ضاغطي الأزرار؛ إنها لغة العصر التي لا يتكلَّمون سواها، ولا يمكن التفاهم معهم باستخدام لغة بديلة.

على المتاحف اليوم أن تُتيح إمكانية حجز التذاكر عبر الإنترنت قبل سفر السائح بأي مدة يرغب فيها، بحيث يرتِّب برنامجه مسبقا ويحدد ميزانيته. كما عليها أن تتيح للزائر عند وصوله أجهزة التجوال الصوتيّ، التي تُقدِّم له المعلومات التعريفية اللازمة بمختلف اللغات حتى يتجول بحرية عبر أروقة المتحف، دون حاجة إلى ربط نفسه بمجموعة ما، أو إلى الاتفاق مع مرشد سياحي يسوقه مضطرّا هنا وهناك. وقد استُبدِلت هذه الأجهزة مؤخرا بتطبيقات إلكترونية يُمكن تحميلها على أجهزة الهواتف النقالة، بحيث يحصل السائح على المعلومات التعريفية باللغة التي يختارها من خلال تطبيق المتحف عبر هاتفه الشخصي.

كما توفِّر المتاحف اليوم إمكانية الزيارة عبر الإنترنت (أونلاين) بحيث يستطيع أي شخص في العالم أن يتعرَّف على محتويات المتحف ويجول بداخله بطريقة المحاكاة المرئية والصوتية، ما يساهم في توسيع قاعدة المهتمين بالمتحف وتحفيز الرغبة في زيارته.

التجربة الشاملة

متحف "الجاسوسية" في مدينة واشنطن
متحف "الجاسوسية" في مدينة واشنطن

ما عادَت السياحة الثقافية اليوم حكرا على طبقةٍ معيَّنة، فالتعليم متاح للجميع، والسفر ممكن مهما تفاوتت الإمكانات. لذا يجب أن تكون الأولوية لتوسيع قاعدة المهتمين بزيارة المتاحف، باعتبارها نقطة جذب سياحي، وذلك بتنويع سيناريوهات العرض المتحفي وجعلها أكثر تفاعلية مع الزوار.

والأمثلة لا حصر لها على هذه التفاعلية التي صارت تتسم بها المتاحف الحديثة، ولنا مثال في متحف الجاسوسية الذي يقدِّم لزواره سيناريوهات متنوعة للعرض المتحفيّ، تبدأ من مجرد الاطلاع، وتنتهي بخوض تجربة جاسوسية لأجل الحصول على معلومات معينة في محيط المتحف باستخدام أجهزة التجسس، ومن ثم الفوز بجوائز متفاوتة القيمة.

لماذا لا نبتكر سيناريوهات للعرض المتحفي تجعل الزائر يعايش العصور التاريخية بطريقة أشمل من مجرد ارتداء أزياء الفراعنة والتقاط الصور؟ لماذا لا يختبر نماذج من مركباتهم، ويلاعب أوتار آلاتهم، ويجرب طعامهم وسرائرهم وموسيقاهم عبر نماذج معدَّة لهذا الغرض؟ وقد نفكِّر في استخدام أجهزة للمحاكاة ثلاثية وسباعية الأبعاد في قاعات خاصة تجاور العرض المتحفي، وفي تنويع السيناريوهات والتذاكر بحسب الأسعار المرغوب فيها.

يبحث زائر اليوم عن المزيد من الإبهار والتفاعل وحرية الحركة، مثلما يرغب في توجيه ميزانيته طبقا لخياراته الخاصة؛ وقد يختار أن يستخدم شبكة المواصلات العامة بدلا من الباصات السياحية، ويتتبع خرائط غوغل مابس عوضا عن إرشادات شركات السياحة، ويتفاهم مع التطبيق الرقمي بدلا من المرشد السياحي، لذا فليس علينا فقط أن نعي عقلية زائر العواصم السياحية، بل أن نسبقها ونتفوق عليها.

11