اللون يحقق ظهور شخوص الفنان التشكيلي السوري بهرام حاجو

شخوص هشة ومعزولة تكشف عن أسلوب الفنان الاستثنائي.
الأربعاء 2022/07/27
مسيرة فنية طويلة (من صفحة صالة عايدة شرفان بفيسبوك)

يترك الفنان التشكيلي السوري – الكردي بهرام حاجو للون حرية التحرك فوق أسطح لوحاته، ليرسم طبيعة خلابة تعزل الإنسان عن شبكة علاقاته المتشعّبة ويكوّن شخوصا تعيش حالة من الهرب المستمر من إجبارها على الظهور إلى العلن، شخوص ربما تحكي في تفاصيلها رحلة الفنان الذي تنقل ويتنقل بين بلدان العالم، مقيما علاقات مختلفة لا تستطيع كسر عزلته أو محو الماضي من ذاكرته.

يحضر اللون إلى جانب الإنسان منذ أن فتح عيناه على العالم المحيط به. وهو لغة مُعبرة بحد ذاتها. ما من أحد لا يعرف ذلك. أما ما يعرفنا عليه الفنان التشكيلي السوري – الكردي بهرام حاجو لناحية حضور اللون فهو أنه المستدعي والمحفز الأساسي لظهور شخوصه.

وتقدم صالة عايدة شرفان في بيروت معرضا للفنان التشكيلي السوري – الكردي بهرام حاجو تحت عنوان “الثنائي في اللوحات” ويستمر حتى آخر شهر أغسطس القادم بعد أن قامت الصالة بتمديد العرض.

يضم المعرض مجموعة كبيرة من أعمال الفنان معظمها بأحجام كبيرة منها ما هو آخر ما أنتجه الفنان إلى جانب لوحات قام بعرضها سابقا في ذات الصالة.

لقد كُتب الكثير عن أعمال الفنان الذي هو من الفنانين الذين تميزوا بغزارة الأعمال الفنية وبمسيرة فنية طويلة. وقيل عنه إنه من الفنانين المتأثرين بالتعبيرية الألمانية.

◙ نظرات غامضة إلى الآخر وخائفة منه
 نظرات غامضة إلى الآخر وخائفة منه

تطورت أعمال الفنان عبر مرور السنوات واختلفت المواضيع غير أنها لم تفارق الإنسان وعزلته في اللوحات التي رسم فيها الطبيعة التي تميزت بألوان دافئة قادمة من القامشلي مسقط رأسه. وحتى عندما استغرق في بعض لوحاته في التجريدية، حضر الإنسان، من خلال تعبيرها عن حالات نفسية مختلفة أغلبها يشي بالتوتر والسأم. غير أن أهم الأعمال التي عُرف بها الفنان هي تلك التي ظهرت فيها شخوصه الاستثنائية لتحمل توقيعه وملامح أسلوبه الفني.

في معرضه الجديد الذي ضم لوحات تتحدث عن علاقة الأزواج ببعضهم البعض وتنافرهم وغربتهم حتى حين ظهروا متلاصقين في محيط فراغيّ اشتهر به الفنان، كما في معارضه السابقة، قدم بهرام حاجو اللون على أنه شريكه في رسم لوحته. بمعنى أنه في حضوره كمسحة أو لطخات متباعدة في مواطن أجساد شخوصه بدى وكأنه المحرض الأول والأخير على ظهور شخوصه. حتى أن الكثير من تلك البقع اللونية ظهرت وكأنها نتيجة فعل شحطة كبريت حادة استدعت الشخوص للظهور في اللوحات.

والحقيقة أننا كنا لن نتيقّن من كون شخوصه حقيقية غير شبحية لولا حضور مسحات اللون. فالمادة اللونية في لوحات الفنان ليست مجرد صفة تعطي طابعا ما لفساتين وأثواب الرجال. بل هي في إحدى نواحيها، شفافة في الكثير من اللوحات وضئيلة تكاد أن تخفي انكشاف الشخوص. ويمكن أن نعتبرها أشبه بمادة سحرية المقصود من استخدامها إظهار الخفيّ. الخفي الغارق والمتماهي مع خلفية رمادية وبيضاء تشبه الضباب الكثيف الذي تخترقه بضعة خطوط رفيعة تشي بما هو حاضر في صمت مريب.

كما يعثر المُشاهد في لوحات الفنان بهرام حاجو الحاضرة في صالة عايدة شرفان على آثار من شخوصه الملطخة بالأسود الشفاف وقد قدم سابقا معرضا له تغطت فيه تلك الشخوص المكفهرة والمرهفة على حد السواء.

وفي معظم لوحات الفنان الحاضرة وغير الحاضرة في المعرض تشي بانزعاج الشخوص من فعل استدعائها إلى العلن. وتبرز في تلك اللوحات عيونها شبه المستديرة والصغيرة ونظراتها الثاقبة التي ترمق المُشاهد بانزعاج كبير حينا وبملل كبير حينا آخر.

◙ معظم لوحات الفنان الحاضرة وغير الحاضرة في المعرض تشي بانزعاج الشخوص من فعل استدعائها إلى العلن
◙ معظم لوحات الفنان الحاضرة وغير الحاضرة في المعرض تشي بانزعاج الشخوص من فعل استدعائها إلى العلن

لا ندري، ربما هناك شيء من المبالغة عند القول إن أجساد الكائنات البشرية المعزولة عن الآخرين، والأهم المعزولة في العديد من اللوحات عن ذاتها والشاعرة بما يشبه الندم أو الخجل من فعل ما، تشبه إلى حد بعيد نبتة “الهليون” حين يتم تعريضها لماء ساخنة لفترة طويلة. كائنات لينة تنبذ منها أطراف غير مكتملة أحيانا وهيولية في لوحات أخرى إلى درجة أنه من الممكن الدفع بتلاشيها إذا اشتدت “القسوة” عليها.

وينسحب هذا الكلام حتى على الشخوص التي تمتلك أكتافا عريضة وقامات شاهقة التي غالبا ما شبّعها الفنان باللون الأسود المائل إلى الرمادي.

وكعادته في الأكثرية الساحقة من لوحاته ظهرت ملامح الفنان في معظم اللوحات ليكون شاهدا على ما يجري في اللوحة وعلى نظرة المُشاهد المتطفلة وعنصرا منخرطا في المشهد وفي أي فعل ندر حدوثه في اللوحات وعمد الفنان إلى تميعه أو تميع أثره لتبقى كل المشاهد ترتع على حدود الوهم والحقيقة، وعلى حدود الغربة التي لا يلطفها حضور شخصين أو أكثر في اللوحة الواحدة.

◙ شخوص متنافرة
◙ شخوص متنافرة

وقد قال الفنان بهرام حاجو في أكثر من مناسبة حول ظهوره في اللوحات “عندما أرسم نفسي في كل لوحة، أرسم تلك الحالة بعدما أصبحت متجردا تماماً من الدفء والأمان والترابط الإنساني، فلا شيء يعوض ما فقدته”.

وقال في مناسبة أخرى “أرسم الإنسان عاريا من غير أي حماية أو وقاية سوى جلده وملامحه الجسدية. الفراغ الأبيض في اللوحة هو الضياع. ذلك هو انعكاس لشخصيتي ونفسيتي”.

تطغى الأجواء “الكلسية” على معظم اللوحات ليس من ناحية اللون فقط، بل من ناحية الخامة الحسية التي تذكر بالبودرة التي تمتص أي رطوبة ورائحة أو أي عطر ممكن أن يرشح عن تلك الشخوص، وهي شخوص هشة حتى بالنسبة إلى بعضها البعض. إنه الزوال في أشكاله المختلفة، بين الشخص ومحيطه وذاته وحتى في العلاقات بين الأشخاص إذ من المفترض أن تربط بينهم علاقة عاطفية ما ينخفض فيها منسوب العاطفة بشكل غريب.

وللإشارة، ولد بهرام حاجو في عام 1952. غادر سوريا وعمره عشرون سنة. كانت بغداد محطته الأولى، غير أنه لم يكمل دراسته في أكاديمية الفنون الجميلة هناك. انتقل إلى براغ ومنها إلى برلين ودرس علم الآثار في مونستر بألمانيا. بعدها درس الرسم في أكاديمية الفنون الجميلة بدسلدورف.

أقام معرضه الشخصي الأول عام 1983 في ألمانيا. تلت ذلك المعرض معارض عديدة أقامها الرسام في ألمانيا والولايات المتحدة والمكسيك والمجر وسوريا وبريطانيا والإمارات العربية المتحدة والبحرين. وعام 2014 حصل على جائزة هنري ماتيس الفرنسية.

14