"القهوي".. ثورة افتراضية على الانحراف الاجتماعي في الجزائر

انتقاد ظاهرة القهوي يتحول إلى عنصرية ضد الريفيين الجزائريين.
السبت 2022/08/06
ظاهرة سلبية باتت مصدر قلق وإزعاج

الجزائر - أطلق ناشطون جزائريون وصف “القهوي” على أفراد فئة اجتماعية تمارس الانحراف الاجتماعي والرداءة، وباتت مصدر إزعاج حقيقي للمجتمع لأنها تهوى عدم الالتزام وعدم مواكبة “الإتيكيت ” المشتركة، لذلك تظهر دائما في موضع النشاز.

ونشر المدون والناشط الجزائري أنيس بوزغوب المعروف باسم “أنس تينا” فيديو على قناته على يوتيوب، حقق نسبة مشاهدة فاقت المليون في ظرف خمسة أيام، جسد فيه بمعية فريقه فئة اجتماعية اكتسبت وصف “القهوي” في أدبيات الشارع الجزائري وعلى شبكات التواصل الاجتماعي.

و”القهوي”، هو مفردة مرادفة للون البني، الذي اكتسب إجماعا بين فئات المجتمع لتوصيف نموذج من الأفراد، عادة ما يكونون مصدر إزعاج للآخرين في الأماكن العامة بسبب تصرفاتهم وسلوكاتهم التي يعبرون بها عن نمط معيشي معين وعن رغبة جامحة لديهم لإبراز شخصيتهم، لكن عادة ما يفشلون في مبتغاهم لأن عدم مواكبتهم لأصول التواصل والإقناع والجاذبية تجعل منهم مصدر إزعاج ونفور.

"القهوي" مفردة اكتسبت إجماعا في المجتمع لتوصيف نموذج من الأفراد يكون مصدر إزعاج للآخرين في الأماكن العامة

واختار أنس تينا، الذي سبق له إنجاز العديد من التسجيلات المواكبة لمواقف سياسية مرت بها البلاد، خاصة خلال حقبة الرئيس الراحل عبدالعزيز بوتفليقة، في عمله الأخير معالجة ظاهرة القهوي التي باتت تتوسع شيئا فشيئا لدرجة الإزعاج وحتى تنفير الآخرين من ممارسة حقهم في الحياة بحضورهم.

ورغم أن الناشط الذي تعوّد عليه الرأي العام بانتقاد مواقف السلطة السياسية وقراراتها، فإن نسبة المشاهدة العالية لم تخف انتقادات طالته، قياسا بالالتباس الذي يحيط بالظاهرة، لأن وصف القهوي كما أطلق على الفرد المجبول على عدم احترام الآخرين وعدم حرجه من إزعاجهم، أطلق أيضا على فئة اجتماعية دفعتها الظروف إلى النزوح نحو المدن دون التحكم في سلوكاتها وممارساتها.

وبرأي هؤلاء فإن عمل أنس تينا على شبكة يوتيوب أعاد إلى الأذهان أغنية فنان الأغنية الشعبية عبدالمجيد مسكود، لما أطلق أغنية “الدزاير يا العاصمة”، عبر فيها عن فخره بعادات وتقاليد سكانها الأصليين، وعن حزنه لتلاشي الطقوس الاجتماعية في الحياة العامة والمناسبات، بسبب ما أسماه بـ”الزحف الريفي”.

حينها طالت الفنان موجة من الانتقادات واتهم بـ”العنصرية”، ورد عليه هؤلاء، بأن مدينة الجزائر هي عاصمة كل الجزائريين، وليست حكرا على فئة معينة من السكان ومن حق الجميع التصرف أو التفكير بشخصيته وموروثاته الاجتماعية واللغوية.

الحكومات المتعاقبة استهلكت سنوات من الوقت وسنت النصوص والتشريعات الردعية، لكنها لم تقض على “بلطجية” مآوي السيارات العشوائية مثلا

غير أن “القهوي” ظاهرة اجتماعية تعدت واخترقت كل الحدود، لأن ضررها يتوسع بسرعة لافتة وأخذ منحنى تصاعديا، خاصة في ظل فشل مختلف المنظومات في صناعة أجيال على حد أدنى من القوامة و”الإتيكيت” الاجتماعي، فأن يقوم موكب عرس مثلا بشلّ حركة المرور في طريق سريع من أجل ممارسة طقوس الفرح والغبطة، دون أن يبالي بالتعدي على حقوق الآخرين، وبتداعيات ذلك على مستعمليه، فتلك ظاهرة تستدعي ردا حازما وردعا شديدا من طرف مؤسسات الدولة بالدرجة الأولى.

وربما في ظل استقالة المجتمع ومختلف المؤسسات عن أداء دورها في التنشئة الأدنى للفرد، يكون التفكير الجمعي قد اهتدى الى طريقة تنديدية على قدر كبير من الدلالة والرمزية، فقد اختار التهكم والسخرية كوسيلة مؤثرة في لجم الهدف، واللون البني لوصف خصومه، فهو رغم أنه شكل لون موضة في بعض المواسم، إلا أن طبيعته الداكنة والجامدة وافتقاده لخاصية الخفة يعبر عن شخصية بات صاحبها لا يطاق رغم تكلفه في الاندماج ولفت الانتباه، كما أن تنشيط رد الفعل على منصة اللهجة الشعبية “القهوي” وعلى منصات التواصل الاجتماعي هو إدانة مبطنة للمجتمع والمؤسسات التي أفرزت تلك الأشكال من الأفراد الآدميين. وجاء فيديو أنس تينا، على شكل شريط وثائقي يستخدم مفرداته الخاصة في توصيف الهدف، فما جاء فيه “في إطار سلسلة أغرب كائنات الكوكب تقودنا إلى مخلوقات غريبة تعرف بالبنيين، يشبهون البشر لكنهم خليط من الإبل وطائر اللقلق”، وهي لغة حادة لكنها تطابقت كثيرا مع السلوكات التي أشاعها هؤلاء في الأماكن العامة، لدرجة إزعاج وتنفير الآخرين وحرمانهم من أخذ فسحة في حديقة عامة أو على شاطئ البحر.

ولو أن هؤلاء هم شباب جزائريون أصيلو مدن كبرى أو أرياف ولم ينزلوا من الفضاء، وهم نتيجة طبيعية للعديد من الأسباب والمعطيات، تبدأ من معيشة الهامش في القرى والأحياء الشعبية والافتقاد لإمكانيات ومرافق الترفيه  وتعرج على أمواج التسرب المدرسي دون تكوين فرد إيجابي في المجتمع، وتملص المؤسسات المرافقة من أداء دورها وواجبها في تنشئة صالحة لهؤلاء، فتبقى زيارة لحديقة عامة أو مرفق ترفيهي أو شاطئ البحر، فرصة تخرج شحنات متراكمة لكنها في قالب منبوذ اجتماعيا.

“القهوي” ثورة افتراضية على ظاهرة شملت كل ما هو سلبي في المجتمع، بدءا من الانحراف الاجتماعي وسوء الأخلاق، الى التنمر ممن لم يستطيعوا مواكبة طقوس المدينة والمكان العام، ومرورا بحالة نفسية تريد لفت الأنظار ودخول قلوب الآخرين لكن عدم تحكمها في أصول التواصل والإقناع يجعلها محل سخريتهم.

ومع وجاهة رد الفعل التربوي والهادف إلى التقليص من الظاهرة، من طرف أنس تينا أو غيره، فإن ذلك لا يغفل مسؤولية المؤسسات الرسمية عن ذلك، فقد استهلكت الحكومات المتعاقبة سنوات من الوقت وسنت النصوص والتشريعات الردعية، لكنها لم تقض على “بلطجية” مآوي السيارات العشوائية مثلا، فالناس لا زالت مخيرة بين دفع حقوق ركن المركبة أو العنف!

ولإخراج العمل من أيّ تأويل سلبي، أنهى أنس تينا، عمله الرسالي، بالقول “الجنس القهوي، ليس لونا بعينه أو مكان سكن خاص، فقد تكون قهوي حتى إن كنت ناصع البياض أو تقيم في أرقى الأحياء.. القهوي فكرة”، وهي إشارة إلى ظاهرة سلبية باتت مصدر قلق وإزعاج.

16