القراء عاجزون عن إنقاذ الصحافة من أزمة كورونا

وسائل الإعلام الأميركية تتعرّض لانخفاض هائل في الإعلانات وتضطرّ إلى إقالة العشرات من الموظفين.
الجمعة 2020/04/10
صناعة الصحافة في مآزق

واشنطن –  تعتبر قصة فايروس كورونا أكبر قصة على مدار جيل بأكمله، اجتذبت أعدادا قياسية من القراء لمعظم الصحف والمواقع الإخبارية. ومع ذلك، يحذر خبراء الصناعة من أن الفايروس سيقضي على المئات من تلك المؤسسات، ما سينتج عنه تسريح الصحافيين وإغلاق الصحف.

وفي الولايات المتحدة كان الانخفاض في الإعلانات يسير بوتيرة متسارعة، بعد أن شددت الشركات إجراءات الإنفاق بسبب التأثير الاقتصادي للفايروس. وبالنسبة إلى صناعة الصحافة، كان التأثير شبه فوري. ولا يعني ذلك أن الأمر يقتصر على الصحافة الأميركية، إذ ينسحب هذا الواقع على شتى أنحاء العالم، بما فيه الصحافة العربية التي توقفت أغلبها عن إصدار النسخ المطبوعة واكتفت بالنسخ الإلكترونية.

وربما تشعر الصحافة العربية ببعض العزاء عند النظر إلى واقع الصحافة في الولايات المتحدة ذات التاريخ العريق والتي تستقطب جمهورا واسعا، لكنها لا تستطيع الرهان على تخطي هذه الأزمة رغم تقدير القراء لعملها.

وتعرضت وسائل الإعلام الأميركية لانخفاض هائل في الإعلانات الناتجة عن الإغلاق الاقتصادي، واضطرت إلى إقالة العشرات من  الموظفين. كما توقفت بعض الصحف عن الطباعة الورقية، والتزمت بالجانب الرقمي فقط لتقع فريسة لأهواء المعلنين. وقال بول تاش، رئيس مجلس الإدارة والمدير التنفيذي لصحيفة التايمز، إنه يأمل في استعادة نمط العمل الطبيعي في المستقبل، وهي رسالة رددتها العديد من وكالات الأنباء.

المؤسسات الإعلامية تأمل أن ترفع هذه الأزمة الوعي لدى الناس والاستعداد لدفع ثمن الأخبار وشرائها

ومع ذلك، لا يتيقن بعض الخبراء من أن العديد من الأماكن ستعود إلى طبيعتها على الإطلاق.

ويقول بيني أبرناثي، رئيس مؤسسة “نايت” في مجال الصحافة واقتصاديات الوسائط الرقمية في جامعة نورث كارولينا، “أعتقد أنه ستكون هناك المئات وليس العشرات من عمليات الإغلاق”. وقال أبرناثي “من المحتمل أن تواجه المؤسسات الصغيرة ركودا يصل إلى حد الانقراض تماما، وكذلك ستفعل تلك التي تشكل جزءا من السلاسل الضخمة”.

وحتى قبل جائحة الفايروس، كانت الصناعة في وضع غير مستقر، حيث كانت المنافذ الإخبارية الأصغر على مستوى المدينة أو على مستوى الولاية ضعيفة للغاية. وأُغلقت حوالي 1800 صحيفة بين عامي 2004 و2018، حيث انخفض عدد الأشخاص الذين يشترون الإصدارات المطبوعة. وفي الوقت الذي حاولت فيه صناعة الصحافة التكيف مع العالم الرقمي، قامت غوغل وفيسبوك بالتهام الإعلانات الرقمية التي بالكاد تبقي المؤسسات الإخبارية نشطة.

وقال كين دكتور، المحلل الإعلامي في مؤسسة “نيوزونوميكس”، الذي يقدم المشورة للمنظمات بشأن الانتقال إلى وسائل الإعلام الرقمية، “لم تكن صناعة الصحافة قوية بما يكفي حتى قبل انتشار فايروس كورونا. لكنها كانت صناعة ضعيفة وكانت تعمل بالفعل بمستوى متدن، حيث فقدت العائدات في نطاق 5  إلى 10 في المئة في عام 2019، في ظل هذا الاقتصاد العظيم”.

وقال دكتور إن الصحف تخسر حاليا 30 إلى 60 في المئة من الإعلانات بسبب فايروس كورونا، وهي خسارة في الإيرادات تضرب صناعة “تتمتع بالقليل من المرونة”.

ومع ذلك، ومع خفض عدد الموظفين وتقليص تمويل الإعلانات، أبلغت المنظمات الإخبارية في جميع أنحاء البلاد عن ارتفاع في عدد القراء. وقال دكتور “إن أعداد القراء زادت إلى الضعف بسبب فايروس كورونا وهناك تسجيلات قياسية للقنوات التلفزيونية الإخبارية”.

أزمة خانقة
أزمة خانقة

وقال دكتور “لأسباب واضحة، وبالنظر إلى أن الناس يبقون في المنزل فهم يشعرون بالخوف إلى حد الموت، لذلك فهم يحاولون اكتشاف شيء لم يسبق لأحد منا أن عاشه من قبل”.

ويعد فايروس كورونا قصة عالمية، بالرغم من أنها تتخذ طابعا محليا أيضا. حيث يرغب الناس في معرفة عدد الحالات التي تم الإبلاغ عنها في جوارهم، وما قد تكون أحدث نصيحة صحية.

وفي الوقت الذي تكافح فيه صناعة الصحافة، قفزت مؤسسات إعلامية كبيرة للاستحواذ على الصحف المحلية، مما أدى إلى تسريح المئات من الصحافيين في هذه العملية. كما أن الصحف التي تملكها هذه المجموعات الكبيرة معرضة لتأثير فايروس كورونا، وفي بعض الحالات ربما أكثر من ذلك.

حيث فقدت مؤسسة “غانيت”، وهي أكبر مالك للصحف المحلية في الولايات المتحدة، نسبة 94 في المئة من قيمتها منذ أغسطس 2019، وجاء الكثير من هذه الخسارة منذ منتصف فبراير. وقالت الشركة إنها ستستغل الموظفين في معظم غرف الأخبار الخاصة بها لمدة أسبوع كل شهر، في ما وصفته إحدى نقابات الصحف بأنه عملية خفض الأجور بنسبة 25 في المئة. وقد أمضت مؤسسة “ألدن غلوبال كابيتال”، التي تمتلك أكثر من 50 صحيفة، سنوات في شراء المؤسسات الإخبارية، ثم قامت بخفض أعداد الموظفين إلى مستويات مستدامة. ونفذت المنظمة المزيد من عمليات التسريح أثناء تفشي فايروس كورونا، بما في ذلك في صحيفة “دنفر بوست”، حيث تقلصت غرفة الأخبار بالفعل بنسبة 70 في المئة في السنوات الأخيرة.

وأعلنت شركة “لي إنتربرايزز”، التي تمتلك صحفا في 25 ولاية، عن تخفيضات شاملة في الأجور، وقالت إنها سترسل موظفيها في إجازات. وإذا كانت هناك نقطة مضيئة واحدة، فهي أنه يجب على الناس أخيرا إدراك الحالة الأليمة التي تمر بها صناعة الصحافة.

حيث في عام 2019، وجدت دراسة أجرتها مؤسسة “بيو” أن 71 في المئة من الناس يعتقدون أن مؤسسات الأخبار المحلية تعمل بشكل جيد من الناحية المالية. وفي الوقت نفسه، وجدت “بيو” أن 14 في المئة فقط قد أنفقوا المال لدعم أي مصدر أخبار محلي في العام الماضي.

وقال رئيس مؤسسة “نايت”، “يمكننا أن نأمل في أن هذه الأزمة سترفع الوعي والاستعداد لدفع ثمن الأخبار وشرائها.

كما نأمل أيضا في أن الأزمة ستعيد التفكير بطرق جديدة للدفع مقابل الحصول على الأخبار، سواء من خلال أموال الضرائب، أو من خلال زيادة الصحف للرسوم التي كانت تحصلها من القراء في الماضي، وذلك بسبب انهيار نموذج الربح الذي دعم الأخبار”.

18