القاهرة تتحول إلى سوق مفتوحة أمام وسائل الإعلام العربية

تعدد القضايا وتنوعها والرغبة في جذب الجمهور المصري من أسباب الرواج.
الجمعة 2022/09/23
ممنوع الاقتراب من المحظورات

العديد من القنوات العربية لديها مكاتب معتمدة في القاهرة، فيما تعتمد وسائل إعلام أخرى على ما يسمى مكاتب الوسائط الإعلامية، ما يؤكد أن القاهرة تمثل حاضنة لمؤسسات إعلامية عربية ودولية ترتبط بدورها المحوري ومكانتها الإقليمية.

القاهرة - تفسر المشاركة الواسعة لوزراء ومسؤولي الإعلام بالدورة الثانية والخمسين التي تستضيفها مصر أسباب الحضور الطاغي للمؤسسات الإعلامية العربية والأجنبية، ووجود مكاتب ممثلة لها في القاهرة حتى أصبحت ساحة إعلامية تحظى باهتمام العديد من القنوات والصحف ووكالات الأنباء المؤثرة.

بدأت اجتماعات مجلس وزراء الإعلام العرب في القاهرة الخميس بمشاركة 13 وزيرا ورؤساء الهيئات العربية الإعلامية، وبعض المنظمات والاتحادات الممارسة لمهام إعلامية إقليمية، بينها الاتحاد العام للصحافيين العرب والهيئة العربية للبث الفضائي واتحاد إذاعات الدول العربية وحضور وفد من اتحاد وكالات الأنباء العربية.

ورغم تراجع تأثير الإعلام المصري خارجيا وفرض الكثير من المحظورات على أدائه وسياساته التحريرية، لا تزال القاهرة تمثل حاضنة لمؤسسات إعلامية عربية ودولية عدة عبر مكاتب رئيسية وشبكة مراسلين لدواع ترتبط بدورها المحوري ومكانتها الإقليمية، مع الثراء السياسي والاقتصادي والاجتماعي وتنوع القضايا.

ولدى العديد من القنوات العربية مكاتب معتمدة في القاهرة، بينها العربية، سكاي نيوز، الشرق، الرأي الكويتية، المجد السعودية، الغد، إضافة إلى قنوات فلسطينية ويمنية وليبية وعراقية، مع حضور لافت لمكاتب قنوات دولية، مثل “بي.بي.سي”، “روسيا اليوم”، “فرانس 24”، فضلا عن مكاتب لصحف ومواقع عربية متعددة.

ياسر عبدالعزيز: القاهرة تشكل خيارا اقتصاديا رائعا لمنتجي المحتوى الإعلامي

وتعتمد النسبة الأكبر من القنوات والصحف المواقع العربية التي لا توجد لها مكاتب في مصر، على ما يعرف بـ”مكاتب الوسيط الإعلامي”، وهي كيانات تقوم بخدمة مؤسسات إعلامية بمقابل مادي محدد، مهمتها توفير المادة الصحافية المطلوبة، وهناك شبكة من المراسلين المصريين يعملون مع صحف عربية مختلفة.

وقال الصحافي محمد شهاب، وهو قريب من مكاتب الوساطة الإعلامية وسبق له العمل بها، إن هذه الكيانات أشبه بمراسلين أو مكاتب صغيرة للقنوات والصحف ووكالات الأنباء، تعتمد عليها المؤسسات الإعلامية التي ليست لها مكاتب رسمية في القاهرة، فهناك قنوات تابعة لمؤسسات عراقية ولبنانية وجزائرية وتونسية وسورية تطلب موضوعات إعلامية من مصر.

وأضاف لـ”العرب” أن مكاتب الوساطة الإعلامية المنتشرة في مصر باتت جزءا من قنوات وصحف ووكالات أنباء، لها تعاقدات شبه دائمة مع المؤسسات التي تتعامل معها، وحاصلة على تراخيص رسمية، ولها مراسلون واستديوهات للتصويرتقوم بالتسجيل مع الضيوف وتُرسل المادة للقناة التي تريدها.

ويفسّر الخبير الإعلامي ياسر عبدالعزيز، وهو أيضا مدير مكتب صحيفة الشرق الأوسط بالقاهرة، بعضا من أسباب الحضور الإعلامي الواسع للقنوات والصحف العربية في مصر، بأن ارتفاع أسعار العملات الأجنبية جعل القاهرة تشكل خيارا اقتصاديا رائعا لمنتجي المحتوى الإعلامي، حيث تحصل على جودة مرتفعة بمقابل مادي أقل مما تمنحه نفس الوسيلة الإعلامية لمكاتبها في دول أخرى.

وأكد لـ”العرب” أن هناك تسهيلات تقدمها الحكومة المصرية للإعلام العربي والدولي عززت موقع القاهرة بالنسبة إلى مؤسسات إعلامية مختلفة كانت تتملكها مخاوف سابقا.

وما يلفت الانتباه أن العديد من القنوات والصحف العربية تتصدّر اهتمامات الجمهور المصري مع وقوع حدث هام له ارتباط وثيق ببلده، في محاولة للبحث وراء المعلومة والتحليل العميق والتوقعات لتداعياته، في ظل حالة من عدم الثقة مع إعلامه المحلي.

وبدأت الكثير من المحطات والمواقع الإخبارية العربية تضاعف جرعة الأخبار المنشورة عن مصر في المجالات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، بما فيها قضايا مثيرة للجدل، وتبحث منابر عربية عن استقطاب أكبر قدر ممكن من الجمهور في مصر الغزيرة بالسكان، وزاد عليهم وجود الملايين من اللاجئين والمهاجرين العرب.

وتشير الأرقام غير الرسمية إلى ارتفاع معدلات متابعة الجمهور في مصر للمنابر العربية، وهو أمر كشفت عنه دراسة أجراها قسم بحوث الاتصال الجماهيري بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية في مصر (جهة حكومية) مؤخرا، حيث تبين أن 40 في المئة من الشباب في مصر يتابعون الفضائيات العربية بسبب عدم الثقة في المحتويات التي تقدمها القنوات المحلية.

وأكد صحافي يعمل بقناة عربية كُبرى في القاهرة أن الحضور الإعلامي في مصر على مستوى مكاتب القنوات والصحف ووكالات الأنباء، مرتبط بأن جمهورها متعصب للمعلومة ودائم الاشتباك مع الأحداث كما أنها سوق مميزة لأي وسيلة إعلامية ترغب في مضاعفة حضورها وتأثيرها، وتكاد تكون مصر البلد العربي الوحيد الذي به أحداث يومية في مجالات متنوعة.

واستبعد الصحافي، رفض الكشف عن اسمه، في حديثه لـ”العرب”، وجود قيود حكومية على عمل الكيانات الممثلة لأي وسيلة إعلامية عربية أو دولية، طالما التزمت بالمعايير المهنية، معلقا “لدينا قيود ذاتية فقط، بمعنى أن كل مدير مكتب أو مسؤول كبير في قناة أو صحيفة يرفض من تلقاء نفسه التطرق إلى قضايا أو موضوعات بعينها لحساسية العلاقة مع مصر، والبلد التابع لها المنبر الإعلامي”.

يحيى قلاش: مصر مليئة بموضوعات مثيرة وشيقة في كل الملفات

وتمتلك العديد من القنوات والصحف الإقليمية والدولية المؤثرة العاملة في مصر ميزة ربما لا تتمتع بها معظم المنابر المحلية، وهي اهتمام المسؤولين الحكوميين بالتواصل معها ومتابعة ما ينشر أو يتم بثها من خلالها.

وأوضح الصحافي لـ”العرب” أنه شخصيا يتواصل مع وزراء ومسؤولين كبار يُدركون قيمة نشر المعلومة في منابر عربية لها شعبية وتأثير، بعكس الإعلام المحلي الذي أصبح كأنه يخاطب نفسه.

ويفسر ذلك جزءا من أسباب هجرة الجمهور المصري لوسائل الإعلام المحلية مقابل التهافت على نظيرتها العربية، فوقت الأزمات والقضايا الهامة يجد المشاهد صعوبة بالغة في الحصول على المعلومة، عكس المنابر العربية التي تبث مباشرة من موقع الحدث، وتتناول الواقعة باحتراف، وتركز على البحث والتحليل العميق.

ويعتقد يحيى قلاش نقيب الصحافيين السابق، والذي عمل من قبل بمكتب صحيفة الخليج الإماراتية في القاهرة، أن الحضور الإعلامي العربي في مصر ليس الأفضل حاليا، لكن يصعب فصل تعدد مكاتب القنوات والصحف الكبرى بالقاهرة عن شعور بعض المؤسسات العربية بأن الفرصة سانحة طوال الوقت أمامها للمزيد من الانتشار مع تراجع مصداقية وتأثير الإعلام المصري.

وأشار لـ”العرب” إلى أن مصر مليئة بموضوعات مثيرة وشيقة في كل الملفات، تكفي لإنتاج أكثر من نصف صحيفة عربية يوميا، وفي الماضي القريب كانت هناك صحف عربية تحرر ثلثي المادة الصحافية من مكتبها بالقاهرة، لافتا إلى أن المؤسسة الإعلامية العربية التي لها مكتب في مصر تخاطب الجالية المصرية الكبيرة في بلادها، خاصة إذا كانت لا تتابع الإعلام المحلي، وتستفيد من متابعة الجمهور بمصر عبر القناة أو الموقع الإخباري أو الحساب الرسمي على منصات التواصل الاجتماعي.

تعكس هذه الشواهد إلى أي درجة أصبحت مصر سوقا إعلامية واسعة، حيث تحتضن 70 مليون مستخدم للإنترنت، ومن الطبيعي أن تعمل معظم الصحف والقنوات العربية على تلبية شواغل الجمهور المصري الذي صار غير راض عن إعلامه المحلي.

16