الفن المعاصر يستعبد الحرفيين ويلغي مفهوم الفردانية

حرفيون مغمورون تسمى إبداعاتهم "عمل العبيد" محرومون من تحقيق مجد فني.
الأربعاء 2019/12/04
الفن منافس للتقنية

أحيانا نشاهد أعمالا لحرفيين مفعمة بالجمالية ولها رسالتها الثقافية أيضا وتكتنز مهارة فنية عالية وإتقانا ملحوظا، لكن نتساءل هنا هل ترقى أعمال الحرفيين هذه، سواء في الفنون البصرية أو حتى في الأدب وغيرهما من ضروب الإبداع المختلفة، إلى مرتبة الإبداع الفني؟ وهل الفن فقط مهارة وإتقان؟

من السمات المميزة اليوم للمقصود بالفن المعاصر تلك التي تقرنه بتخطي المهارة إلى امتلاك خيال بصري يصطنع للفكرة مقابلا صوريا، خالبا وإشكاليا وصادما في آن.

لا يهم في هذا السياق أن يكون الفنان حاذقا في صناعة “الشيء” المعروض، الذي يمثل الكشف المفهومي والمعنوي، البليغ والمدهش، فالأهم هو هندسة الفكرة، والقدرة على تمثّل صيغتها الحسية. الأمر هنا شبيه بما يمتلكه المهندس المعماري (الاستثنائي) من بصيرة جمالية يوكل تنفيذها إلى فريق من المساعدين والرسامين والتقنيين، ممن يبدون أكثر امتلاكا لحرفية الإنجاز التطبيقي على الورق للعمل المفكر فيه.

الماهرون والفنانون

في هذا السياق يمكن تخيل عدد لا نهائي من الأسماء المغمورة لحرفيين لن يكون بمقدورهم يوما أن يوقعوا أعمالا ولو أنهم سهروا على تنفيذها، من الأشكال البدائية إلى الصيغ المقدمة للعرض. مثلما أن عددا كبيرا من الكتاب يمتهنون حرفة صياغة النصوص للمشاهير ممن لا يمتلكون القدرة على الكتابة لكن لديهم مسارات حياتية وتجربة، تغري الناشرين بتحويلها إلى كتب تبيع الملايين من النسخ. هؤلاء الصاغة غير معروفين، ولهذا يسمى عملهم في المصطلح الغربي بعمل “العبيد” (النيغر)، إذ يترجم مقدار ما ينهضون به من عمل صعب ودقيق وغير مفض، في المقابل، إلى مجد فني، بما أنهم يقبضون أجورا عن عملهم ذاك، وينسب في النهاية للمؤلف الشهير الذي لم يؤلف شيئا.

التصوير والنحت ليسا ممارستين تستندان فقط إلى الخبرة وإلى مهنة وإلى مهارة الحرفي، وإنما تتحولان إلى نشاط ثقافي

في أحد مباحث كتاب “ما الجمالية؟” يتحدث الباحث الفرنسي مارك جيمينيز عن الجوهر النهضوي للفن الذي يباعد بينه وبين المثول بما هو تفكير في صياغة الأعمال المتقنة ذات الكنه الاستعمالي، بما في ذلك اللوحات المقترنة بالغاية التزيينية للصالونات الفارهة، في هذا السياق يرى أن “التصوير والنحت ليسا ممارستين تستندان فقط إلى الخبرة وإلى مهنة وإلى مهارة الحرفي، وإنما تتحولان إلى نشاط ثقافي يضع قيد العمل عددا من الملكات والمؤهلات التي تسمح للفنان بتخطي رتبته كحرفي بسيط، لكي يوافق صورة النهضوي ذي النزعة الإنسانية”.

في الفن المعاصر الذي يتهم عادة بالافتقاد للشرعية، (بتعبير مارك جيمينيز نفسه)، بالنظر إلى “استساغة السهولة، وإنتاج أي شيء كان، مع تفضيل الصيت الإعلامي على الإنجاز الفني”، ستبدو عملية الاتكال المسترسل على قاعدة الحرفيين بمثابة تزييف للحقيقة الإبداعية، كما أن ضحالة الحصيلة الثقافية لعدد كبير من الفنانين اليوم مقارنة بنظرائهم قبل خمسة عقود مثلا، تضع محل تساؤل جدوى المراهنة على مضمون ثقافي يضطلع بوظيفة نهضوية لمنحوتات وتنصيبات وشرائط فيديو هي من خالص علم التقنيين، وليست لها تلك النضارة الرؤيوية التي تسند فكرة العمل، فتبدو ضحلة وضعيفة وعامية في مجملها، ومنذورة للعبور المؤقت.

انتهاء الفردانية

Thumbnail

لا جرم أن يتمثل المأزق هنا، أساسا، في عدم التمييز بين العجز عن التنفيذ، والزهد في تضييع الوقت في عمل تقني، قد ينجزه الآخرون، وبين الاتكال على فرادة الفكرة التي قد تتطابق مع العشرات من الأشياء الجاهزة.

وبناء على هذا الافتراض يبدو الاتكال الكامل على التطابق بين الجهد الذهني الخاص وتمثيله الحسي بما هو هروب من وضع العجز إلى التحقق عبر الآخرين؛ أذكر في هذا السياق كيف لفت انتباهي أحد الفنانين المغاربة ونحن نتأمل منحوتة معاصرة، في معرض لأعمال فنان شهير، إلى الطابع الحرفي الدقيق للمنحوتة الذي لا يتماثل مع أعمال سابقة لصاحبها، ليستدرك أن في الأمر تدخلا للتقنية الصينية التي شرعت تدريجيا في الاستحواذ على كل شيء، من المطروزات التقليدية إلى المنحوتات المعاصرة، التي تباع بأثمان باهظة، بوصفها تشكيلات أبدعتها يد الفنان. وقبل سنوات كان قد تسبب إنتاج عدد كبير من النظائر للتحفة الواحدة، بالاعتماد على الحرفيين.

إن مفهوم الفردانية المتصل باللوحة لم يعد ممكنا في ظل الانتقال اليوم من عمل يدوي لفنان بارع، إلى مؤسسة المشغل التي تنطوي على فريق من المساعدين، وبانتشار التقنية المذللة لحرفية استثنائية. إنه تحول يوازي الانتقال من النفيس والفريد إلى المتاح والمكرر، ومن الثابت إلى المؤقت، فالعشرات من التنصيبات اليوم، مصنوعة لمؤسسات ومتاحف بوصفها تعبيرات دالة على حساسية ما، وقيمتها مستمدة من تأويلات الفنان المعاصر نفسه، الذي تحول مجهوده إلى التواصل والشرح وإنفاذ الأثر، أكثر من الاستغراق في إنشاء الصيغ التشكيلية من فراغ.

وفي النهاية لا يمكن إلا أن نعتقد في صدق افتراض مؤرخ الفن الألماني هانس بلتينغ حين تحدث في كتابه “نهاية تاريخ الفن”، عن “ارتباط الفن ارتباطا وثيقا بالفنان الذي يعبر فيه عن شخصه كما يرتبط بالمتأمل الذي يمكن أن يتأثر به شخصيا. ومن ثم فإن الفن هو بشكل خفي منافس للتقنية التي يكمن جوهرها في أنها توظف الاستعمال وأن معلوماتها لا تتعلق بالمبدع بل بالمستخدم”.

14