الفلسطينية أسمى غانم تسرد المعاناة الإنسانية في معرض "السواد والنور"

معرض تشكيلي يسرد تجربة عيش الفنان تحت وطأة الاحتلال.
الجمعة 2021/06/11
تقنيات فنية مختلفة تعبّر عن وجع واحد

رام الله (الضفة الغربية) - تستلهم الفنانة الفلسطينية الشابة أسمى غانم (29 عاما) رسومات معرضها “السواد والنور” من المعاناة المشتركة للشعوب المضطهدة وما تعرّضت له من تمييز بسبب لونها أو وجودها تحت الاحتلال.

وقالت غانم عن معرضها المقام حاليا في غاليري “المستودع” في رام الله “معرض السواد والنور نتاج سنتين من العمل على إنجاز اللوحات في شيكاغو وعمّان ورام الله”.

ويتّسم المعرض بالطابع الخياليّ لسرد التجربة الشخصية تحت الاحتلال، حيث تصوّر فيه الفنانة الشابة مفاهيم مثل الطفولة والوطن والتجربة السمعية تحت الاحتلال والحب في مكان محتل كفلسطين.

وتعبر غانم عن المضامين باستخدام تقنيات فنية مختلفة، مثل الرسم والإنتاج الموسيقي والموسيقى التجريبية والرسوم المتحركة والكتابة والفيديو والتصوير الفوتوغرافي.

وتوضّح الفنانة “بعض لوحات المعرض تعبّر عن تجارب شخصية للحياة مع الجالية الأفريقية في شيكاغو، حيث كانت البداية دراسة رسم الوجوه الأفريقية من الناحية التقنية”، مؤكّدة أن الأمر تطوّر إلى معايشة الحياة اليومية للجالية، وقالت “أردت أن أعكس تلك الحياة التي تتشابه بما فيها من اضطهاد مع حياتنا الفلسطينية في رسوماتي”.

أسمى غانم: المعرض نتاج سنتين من العمل على إنجاز اللوحات في شيكاغو وعمّان ورام الله

وبدأت رحلة الفنانة الفلسطينية مع حياة الأفارقة في الولايات المتحدة بعد أن حصلت على إقامة فنية لمدة ستة أشهر في عام 2019.

وكتبت غانم متحدثة عن معرضها “سافرت لوحاتي ورسوماتي معي من شيكاغو إلى عمّان، حيث اضطررت إلى البقاء هناك ثلاثة أشهر بسبب تفشي وباء كورونا حتى عودتي أخيرا إلى فلسطين”.

وتضيف في كتيب عن المعرض “أصبحت تلك الأمكنة التي تنقلت بينها جزءا من هوية الأعمال وتشكّلها، إذ استكملت بعض الرسومات نموّها في أماكن غير أماكنها الأصلية”.

وتشير في الكتيب إلى لوحة تصوّر شابا ذا بشرة سمراء وكتبت في أعلاها عبارة “القدس”، وقالت غانم عن هذه اللوحة “يحتمل الوجه الذي في اللوحة أن يكون أميركيا أو مقدسيا من أبناء الجالية الأفريقية، كذلك الأمر في الشخصيات الأخرى التي رسمتها والتي تندمج فيها الأعراق المختلفة في عرق واحد مشترك وكأنها تخوض التجربة ذاتها”.

ويتضمن المعرض رسما لأنجيلا ديفيس الناشطة السياسية الأميركية التي قالت الفنانة إنها تأثرت بها وبأفكارها، وهي التي كانت تشدّد على الوحدة وقوة الترابط بين الفلسطينيين والشعوب السمراء وفكرة القوة من خلال اتحاد الشعوب المضطهدة.

جداريات تحتفي بالثورة الكامنة في النساء
جداريات تحتفي بالثورة الكامنة في النساء

وتجمع بعض لوحات المعرض بين الحب والعنف من خلال استخدام الألوان المعبّرة عن ذلك، وترى غانم أن “هذه طبيعة الحياة في شيكاغو وفلسطين”.

ولفت انتباه الفنانة أثناء إقامتها في الولايات المتحدة أنه كلما اتجهت إلى الجنوب صارت للشوارع أرقام، فيما كانت تحمل أسماء لرؤساء وشخصيات مهمة كلما اتجهت إلى الشمال، وعكست ذلك في لوحة فنية لسيدة تضع يدها على وجهها وقد كتبت على أصابعها أرقام الشوارع التي لا بد من حفظها للوصول إلى وجهتك.

وترفض غانم أن تكون منتمية إلى مدرسة معينة من المدارس الفنية، وقالت إنها تترك ليدها الرسم كيفما تشاء وإن كانت في استخدامها للمواد والألوان تميل إلى الخلط بين المدارس الواقعية والتعبيرية.

وفي عام 2020 أنجزت الفنانة الشابة ضمن مشروع “منارات” في أحد شوارع مدينة رام الله جدارية لأهم نساء العالم، لتعريف كل المجتمع بهنّ وبإنجازاتهنّ، وهنّ المعمارية العراقية زها حديد، والناشطة الأميركية ضد العنصرية بحق السود والفلسطينيين أنجيلا ديفيس، وياسمين زهران وهي عالمة آثار من مدينة رام الله، والشاعرة الفلسطينية فدوى طوقان.

وعن هذا المشروع تقول غانم “قدّمت مشروع جدارية كبيرة طولها 150 مترا لأربع نساء رائدات على مستوى العالم، وكانت الفكرة أن نضفي طابعا نسويا على الشارع الفلسطيني، لأن الهوية النسوية في الأماكن العامة خجولة، وهذا يعكس المجتمع الذي نعيش فيه”.

وتضيف “هذا جزء من التثقيف، كي تصبح الثقافة جزءا من الشارع، لأنك تستطيع القراءة عنهنّ، لهذا دمجنا بين البحث والقراءة حول النساء وإنجازاتهنّ بالإضافة إلى الفن”.

بعض لوحات المعرض تجمع بين الحب والعنف عبر رسومات تعبّر عن المعاناة المشتركة للشعوب المضطهدة

واستلهمت غانم الفكرة من خلال سفرها وتجوّلها في دول العالم، حيث رأت أن الدول الأجنبية تخصص لهذه الأعمال موازنات ضخمة، لأن العروض الفنية في الشارع مهمة بالنسبة إلى هذه الدول على قدر أهمية المعارض الفنية والمتاحف التي تعرض اللوحات، فهي تثبت وتكشف عن الهوية الفنية لكل مدينة.

وولدت أسمى غانم وكبرت في مخيم خان الشيح، جنوب غرب العاصمة السورية دمشق، وعقب توقيع اتفاقية أوسلو عادت هي وعائلتها إلى مدينة رام الله عام 1995، لتنتقل حياة الريشة إلى جدارٍ آخر. لكن عائلة أسمى لم تمكث إلاّ عامين في رام الله، ثم عادت إلى سوريا لتستقر هناك مدة ثلاث سنوات، وتقفل بعدها عائدة إلى رام الله؛ وهكذا ظلت العائلة بين البلدين أعواما طويلة حتى العام 2008، حيث استقرت في الضفة الغربية.

وتقول غانم “عشت وترعرعت في سوريا. وانتقالي ما بين فلسطين وسوريا لم يخدم حصيلة المخزون البصري فقط بل خدم الهوية نفسها، فالمسألة هنا لا تتعلق بكيفية الفن أو طريقته، هذا التنقل دفعني للبحث عن هويتي. شغلتني مسألة أن أكون لاجئة منذ أن كنت طفلة، لكنني أيضا أشعر بنفسي سورية”.

وتؤكّد “لقد عبّرت بالفن عن كل هذا، وعن كل ما كنت أسمعه عن فلسطين وأنا لاجئة خارجها، وعن حنيني للوطن أيضا، وعندما عدت إلى فلسطين بدأت أشعر بالحنين لسوريا كوطن عشت فيه وأحبه. لذا طيلة الوقت أعبّر عن فلسطين وسوريا، وهذا ما يجب أن يدفعنا إلى التفكير في مفهوم الوطن بالنسبة إلينا”.

واسترعى أحد المشاهد المؤلمة خلال انتفاضة الأقصى عام 2000 اهتمام ريشة الفنانة الشابة بلحظة إدراك فنية مكثفة، لتعتبره بداية طريقها، وإن كانت قد رسمت قبل ذلك، وتقول غانم “كان مشهدا على شاشة التلفزيون لأم تحمل طفلها الشهيد أثناء انتفاضة الأقصى. انطبعت صورة الأم في رأسي، فرسمت لوحة إثر ذلك، ولا أعرف ما إذا كانت اللوحة لا تزال بخير، لأن منزلنا في دمشق تعرض للقصف؛ ولديّ فيه كتب ورسومات كثيرة، أحزن عليها وعلى منزلنا في سوريا”.

17