الفقر يدفع اللبنانيين إلى قوارب الموت رغم آمال التغيير

محللون يتوقعون تزايد محاولات الهجرة على وقع الانسداد السياسي المرتقب في البلاد.
الثلاثاء 2022/05/31
أزمة اقتصادية لم تبق للبنانيين خيارا أفضل

بيروت - أعاد غرق مركب يقل العشرات من اللبنانيين بسواحل مدينة طرابلس (شمال) قضية الهجرة غير النظامية نحو القارة الأوروبية إلى الواجهة، حيث دفعت الأزمة الاقتصادية إلى ارتفاع محاولات الهجرة.

وفي الرابع والعشرين من أبريل الماضي غرق قارب يحمل 84 مهاجراً غير نظامي قبالة سواحل طرابلس، لقي 7 منهم مصرعهم في الحادث وتم إنقاذ 45 آخرين، ولا يزال البحث جاريا عن المفقودين، وفق السلطات اللبنانية.

وبعد خمسة أيام على حادث الغرق أعلن الجيش اللبناني عن إحباط “محاولة تهريب 85 مهاجراً غير شرعي” في طرابلس، كبرى المدن في شمال البلاد.

ودفعت الأوضاع الاقتصادية والمعيشية عددا من اللبنانيين إلى المجازفة في البحر لتحقيق حلم الهجرة إلى أوروبا.

1500 مهاجر حاولوا مغادرة لبنان بحرا منذ عام 2020، تم اعتراض أكثر من 75 في المئة منهم

وبحسب الأمم المتحدة، حاول أكثر من 1500 مهاجر مغادرة لبنان بحرا منذ عام 2020، تم اعتراض أو إعادة أكثر من 75 في المئة منهم.

وحمّل ناجون من حادث الغرق القوات البحرية اللبنانية مسؤولية غرق المركب أثناء مطاردتهم ومحاولة منعهم من دخول المياه الإقليمية للبلاد.

وقالت قيادة القوات البحرية في بيان إن قائد المركب نفذ مناورات للهروب من دورية الجيش ما أدى إلى ارتطام القارب وغرقه على الفور.

ويقول علي أحمد، أحد بائعي القوارب في طرابلس، إنه يمارس هذه التجارة منذ نحو 10 سنوات.

وأضاف أنه “على عكس العديد من البلدان، ليس المهربين هم من يحملون مهاجرين غير نظاميين في لبنان، بل العائلات تتجمع وتشتري القوارب لتنطلق للهجرة باستخدام نظام تحديد المواقع العالمي (GPS)”.

وأفاد بأن “سعر قارب هجرة يتسع لـ10 أشخاص يبلغ نحو 50 ألف دولار (…) أسعار القوارب تتفاوت أيضا حسب الحجم، إذ تتراوح بين 30 و100 ألف دولار”.

ولفت إلى أن “الذي يشتري القارب يضع فيه أكثر من عشرة أشخاص ويأخذ ما بين ألفين و5 آلاف دولار عن كل فرد”.

وفي إشارة إلى عدم وجود مسؤولية قانونية لشراء قارب، قال المتحدث إنه “حتى غير اللبنانيين يمكنهم شراء القوارب بسهولة”.

وأفاد بأن “وجهة المهاجرين غير النظاميين من لبنان كانت في السابق قبرص، حيث تبلغ المسافة بينها وبين طرابلس 90 ميلاً بحريا يتم قطعها خلال عشرين ساعة”.

Thumbnail

وأردف “لكن بحسب الاتفاقية بين قبرص ولبنان، تتم إعادة المهاجرين مرة أخرى، ولهذا السبب تواصل قوارب المهاجرين رحلتها مباشرة إلى إيطاليا في رحلة تستغرق من 7 إلى 10 أيام”.

وتقول الصحافية اللبنانية جنى الدهيبي إنه “من الملاحظ مؤخرا انتشار ظاهرة الهجرة غير النظامية باتجاه دول أوروبية وخاصة قبرص والمناطق الشمالية”.

وأضافت “انحلال الدولة على كافة المستويات الاجتماعية والأمنية إضافة إلى الأزمة الاقتصادية يدفع بالكثير من اللبنانيين والسوريين والفلسطينيين الذي يعيشون في لبنان إلى الهجرة”.

وأفادت بأن الهجرة “تحصل فقط من شمال لبنان وتحديدا طرابلس حيث تعيش الغالبية السنية في هذه المناطق، بسبب الفقر وصعوبة العيش من كافة النواحي الأمنية والاجتماعية والسياسية”.

وأوضحت أنه “نتيجة للأوضاع المعيشية الصعبة يفضل أبناء هذه المنطقة الهجرة غير النظامية بواسطة القوارب”.

وتابعت “رغم الكوارث التي نسمع عنها بين الحين والآخر عن غرق قارب من هنا ومن هناك وآخرها قارب طرابلس إلا أننا نسمع بمغادرة قارب إلى قاربين يوميا من ميناء طرابلس إلى إيطاليا”.

وزادت “الجميع يعلم بذلك ولكن الإجراءات الأمنية غير كافية لردع هذه الظاهرة المستجدة على اللبنانيين حيث كانت تقتصر على السوريين والفلسطينيين قبل عام 2019”.

Thumbnail

ولفتت إلى أن “الهدف الأساسي للجميع هو الفرار من لبنان الذي يعاني أسوء أزمة اقتصادية في تاريخه”.

واستطردت “لا يمكن محو فكرة الهجرة من عقل أي لبناني، من يملك المال يهاجر من المطار، ومن يملك القليل يجازف بالهجرة بحرا”.

والأم بارعة صفوان (47 عاما) كانت من المستقلين لقارب طرابلس الغارق في الرابع والعشرين من أبريل الماضي رفقة أربعة من أبنائها، من بينهم بنتان لم يتم العثور عليهما بعد حادث الغرق.

وقالت صفوان “لم ندفع أي مبلغ مقابل الهجرة بل ذهبنا مع أصدقاء اشتروا القارب للهرب مع عائلتهم”.

وذكرت أنه لا أخبار عن ابنتيها اللتين اختفتا نتيجة غرق القارب ولم يتم العثور عليهما من قبل الجيش حتى الآن.

وأضافت أنه إذا عرضت عليها الهجرة بنفس الطريقة فهي مستعدة مرى أخرى. وأردفت “لا يمكننا الحصول على جوازات سفر حتى نتمكن من الهجرة من المطار أو طريق أكثر أمانا”.

ولدى سؤالها عن سبب إصرارها على الهجرة، أجابت “أعمل في مدرسة وراتبي مليون و600 ألف ليرة لبنانية (نحو 65 دولارا) وإيجار منزلي مليون ليرة (نحو 40 دولارا) وأدفع مليون ليرة أخرى للمولد الكهربائي، ماذا يبقى معي لكي آكل أنا وأولادي؟”.

Thumbnail

وفي الثامن والعشرين من أبريل الماضي أعلنت السلطات اللبنانية عن تعليق طلبات الحصول على جوازات السفر بسبب ارتفاع الطلب ونقص الجوازات، حيث زاد عدد الراغبين في استخراج الجواز بنحو 10 أضعاف خلال الأشهر الماضية.

وناجي محمد فوال (32 عاما) ناج آخر من حادث الغرق في طرابلس، قال إنه كان على “مركب الموت، ولم يأخذ منا صاحبه أي مبلغ مالي، حيث كان هو وعائلته على متن القارب”.

وأردف متسائلا “لماذا لم يتم إيقاف المركب قبل انطلاقه من الشاطئ رغم امتلاك القوى العسكرية معلومات عن نيتنا الهجرة قبل 10 أيام من الحادثة؟”، معلنا رغبته في إعادة محاولة الهجرة مرة أخرى.

وازدادت محاولات الهجرة غير النظامية من لبنان تجاه الدول الأوروبية، وخاصة قبرص، بحثا عن حياة أفضل في ظل تدهور الأوضاع الاقتصادية منذ أكثر من عامين جراء أسوأ أزمة اقتصادية بتاريخ البلاد.

وأواخر 2020 دعت قبرص إلى التعامل مع ظاهرة الهجرة غير النظامية من سواحل لبنان باتجاهها “بأفضل طريقة ممكنة وأكثرها فاعلية” بعد ارتفاع عدد المهاجرين نحوها، فيما أعلنت بيروت سابقا أنها لم تعد قادرة على منع محاولات الهجرة.

ورغم آمال التغيير التي تحدو اللبنانيين عقب إجراء الانتخابات التشريعية في الخامس عشر من مايو الجاري ونجاح “قوى التغيير” في الوصول إلى البرلمان، لا يتوقع محللون أن تنخفض محاولات الهجرة غير النظامية، بل ستزداد على وقع الانسداد السياسي المرتقب في البلاد.

2