الطيور المهاجرة عبر لبنان في مرمى القنص العشوائي

موسم الصيد يسبق موعده ويتيح للصيادين اصطياد الطيور في موسم التكاثر والجمعيات البيئية تدقّ ناقوس الخطر.
الخميس 2019/10/10
ضحايا وليست طرائد

هل يمكن أن ترتقي متعة الصيد البري إلى الاعتداء الجائر على الطيور التي يمنع القانون صيدها؟ سؤال فرضته التجاوزات التي يقوم بها الصيادون في لبنان والذين صاروا يطلقون النار على كل ما يطير في السماء دون اعتبارات لأخلاق الصيد التي يعرفها من خبر هواية الصيد، وما يزيد الأمر سوءا هو تقديم المجلس الأعلى للصيد البري  الموسم للسنة الثانية على التوالي.

بيروت – دعت مجموعات لبنانية تعنى بحماية الطيور إلى تدابير طارئة لحماية أنواع الطيور المهاجرة التي يقضي عليها الصيد غير القانوني.

وقال فؤاد عيتاني رئيس جمعية حماية الطيور في لبنان، إن “مئات الآلاف من طيور اللقلق البيضاء تُقتل كلّ سنة في لبنان”.

وينص قانون نظام الصيد البري في لبنان على أنه “في ما خلا الطرائد، تعتبر جميع الطيور والحيوانات البرية المقيمة والمهاجرة محمية على مدار السنة ويحظر صيدها”.

وللسنة الثانية على التوالي، تفتتح وزارة البيئة موسم الصيد في الأول من سبتمبر، موسم تكاثر الطيور، في مخالفة واضحة لقانون الصيد البري الذي ينص في مادته الثالثة على مراعاة تطبيق مبدأ استدامة التراث الطبيعي، ما يعني منع الصيد في هذه الفترة من السنة، إذ إن الموسم عادة ما يبدأ في منتصف سبتمبر وينتهي آخر يناير.

ويرى البعض أن تقديم موعد افتتاح موسم الصيد يعود إلى ضغوط  يمارسها تجار أسلحة الصيد وشركات التأمين على المجلس الأعلى للصيد البري، ولهؤلاء أياد طائلة داخل المجلس الذي من بين مهماته المفترضة حماية التنوع البيولوجي والطيور والحيوانات البريّة.

ويشير عضو المجلس غسان جرادي، أحد المتحفظين على قرار تقديم موسم الصيد البري الذي يتخذ بالتصويت، إلى الكثير من التجاوزات بما يخالف الاتفاقيات الدولية التي وقّع عليها لبنان، ومنها “اتفاقية التنوع البيولوجي”، واتفاقية “إيوا” للطيور المهاجرة الأوراسية – الأفريقية، ومذكرة تفاهم “حماية الطيور الجارحة”، واتفاقية “التجارة بأنواع الطيور المهددة بالانقراض” واتفاقية “الأنواع المهاجرة”.

ولفت إلى أن أغلب الطيور التي يجري اصطيادها تبقى في مكانها، قال  “عندما أقوم بجولات في مناطق الصيد، أرى المئات من الطيور المتروكة والذباب يحوم حولها، وبعضها من الطيور المائية المهاجرة بين أوروبا وآسيا، كاللقلق والبجع والرهو، والطيور الجارحة كالنسر والعقاب والصقور التي يتم اصطيادها للتباهي والتصوير ومن ثم ترمى، وقليل منها يحنّط من أجل الهدايا والزينة، علما بأن كل هذه الأنواع تؤدّي وظائف أيكولوجية مهمة في تنظيف الطبيعة والقضاء على آفات الحقول والغابات والأحراج وتخليص المحاصيل الزراعية من الأوبئة”.

وبحسب الأرقام الرسمية، قضت ممارسات الصيد المخالفة للقانون على حوالي 2.6 مليون طائر من حوالي مئتي صنف في لبنان سنة 2014. وأكد فؤاد عيتاني، أن الوضع ازداد سوءا منذ ذلك الحين.

ومنذ سنة 2017 نال نحو 16 ألف صياد من أصل أكثر من 300 ألف محتملين رخص صيد أغلبهم لم يترب على آداب الصيد، ويستخدمون وسائل جائرة لتضليل الطيور، خصوصا المهاجرة منها.

فريق دولي يوثق مجزرة ليلية لطيور في بلدة عين تورين شمالا، ترك خلالها الصيادون ما يفوق المئة طائر على الأرض، ليس بينها سوى طائرين من الطيور المسموح صيدها
فريق دولي يوثق مجزرة ليلية لطيور في بلدة عين تورين شمالا، ترك خلالها الصيادون ما يفوق المئة طائر على الأرض، ليس بينها سوى طائرين من الطيور المسموح صيدها

ويعتبر لبنان أحد أهم مسارات هجرة الطيور في العالم، لكن بالنسبة إلى أنواع كثيرة، مثل اللقلق والبجع والعقاب الصغير يشكّل عبور هذا البلد المتوسطي الصغير مرحلة خطرة جدّا. والوضع “حرج فعلا” بالنسبة إلى 41 نوعا مصنّفا في لبنان في عداد الطيور المعرّضة لخطر شديد، بحسب عيتاني الذي يوضح قائلا “في حال لم تتحرك السلطات، سيتواصل انخفاض أعدادها إلى أن تندثر بعض الأنواع بكلّ بساطة”.

ونجحت بعض مجموعات حماية الطيور في رفع الوعي في بعض المناطق إلا أن الوضع في الشمال “لا يزال خارجا عن السيطرة” على ما جاء في بيان بعد زيارة على الأرض نظمت لمسؤولين لبنانيين وأجانب.

وقال عيتاني “الصيادون في تلك المنطقة يطلقون النار للمتعة بأعداد كبيرة. وهم يطلقون النار حتى ليلا، مستعينين بأضواء كاشفة ولديهم مجموعات عبر واتساب لتعقب الطيور معا”.

ووثق فريق دولي السبت الماضي مجزرة ليلية لطيور في بلدة عين تورين شمالا، ترك خلالها الصيادون ما يفوق المئة طائر على الأرض، ليس بينها سوى طائرين مسموح صيدهما، وهما من طيور السمنة.

وقد بقي الفريق الدولي مع شركائه “جمعية حماية الطبيعة في لبنان”، و”مركز الشرق الأوسط للصيد المستدام” في المكان لمدة يومين لرصد ما تبقى من هذه الطيور، بعد أن أخذ الصيادون غنائمهم، وأكد الفريق الدولي أن العدد يتجاوز المئات.

وقال الفريق الدولي إنه تمركز ليلة الجمعة الماضية، على قمة من سلسلة جبال بالقرب من قرية عين تورين في منطقة الضنية، وإنه مع بدء تلاشي ضوء النهار، شاهد العشرات من المركبات، حيث بدا الصيادون  يتنافسون على مواقع رئيسية على طول التلال.

وبعد فترة وجيزة، بدأت المنطقة بأكملها في ترديد أصوات خافتة لطيور ومن آلات تسجيل جلبوها معهم، وشاهدوا السيارات مع أضواء كاشفة تجوب مخترقة السماء، وعند عبور الطيور أشعة الضوء، بدأوا يتعقبونها بالأضواء وبإطلاق النار دون هوادة، وعند سقوط الطيور، استخدموا أضواء للبحث عنها، وخلال ساعتين شهد الفريق مجزرة طالت المئات من الطيور.

وقال الفريق العلمي إنه نظرا لطبيعة المنطقة، لم يتمكن إلا من توثيق هذه الحادثة، ومن جهة ثانية فقوى الأمن الداخلي تعاني من نقص الموارد اللازمة للتعامل مع هذا الوضع، وأكد أن هذه هي المرة الأولى التي يتم فيها توثيق عمليات إطلاق النار الليلية في المنطقة، وأن الحاجة ملحة إلى إيجاد حلول، وأنه سيتم نشر لقطات فيديو لهذه المجزرة في الأسابيع المقبلة.

ونشر الفريق الدولي على صفحته على فيسبوك صورا لما استطاع توثيقه من الطيور صباح السبت، وفي مساحة لا تزيد عن ملعبي كرة قدم، ومعظم هذه الطيور هي من الطيور الجارحة والمهاجرة، ومنها حوام العسل، السُبَد، عقاب قصير الساق، الصقور، أنواع متعددة من البوم، الشحرور، مالك الحزين، وغيرها من الطيور، وبين أكثر من مئة طائر لم يجد سوى طائرين من طيور السمنة المسموح صيدها ضمن قائمة الطرائد التي أقرها قانون الصيد البري، وأكد الفريق أنها المرة الأولى التي تم توثيق صيد الليل في لبنان من قبله، وأنه من الضروري إيجاد حلول.

ونجحت فرق مراقبة الطيور في خفض الضحايا في بعض المناطق خلال السنة الراهنة، إلا أن قانونا محسنا لتنظيم الصيد لم يطبق بعد من قبل القوى الأمنية.

ودعا بيان للجنة الألمانية لمكافحة مجازر الطيور إلى تشكيل وحدة متخصصة في مكافحة جرائم الحياة البرية للجم الصيد خلال موسم الهجرة.

20