الطبيب ميكانيكي للجسم.. لا أكثر

كثير من الأطباء يجهل لماذا يشتغل هذا المضاد هنا، ولا يشتغل هناك في الجسم. هذه مهمة فرق علمية بمواصفات تعليم وإعداد مختلفتين.
الأربعاء 2021/05/12
مهنة الحياة أو الموت

هذه دعوة للأطباء كي يتركوا للعلماء القيام بدورهم. لسبب ما، تصدّر الأطباء المشهد العلمي في أزمة كورونا. كنا ننتظر منهم أن يتصدّروا المشهد الصحي. ثمة فروقات كبيرة بين الاثنين، تجدها في الغرب، لكنها تجسيد للفوضى في الفهم في الشرق. أطباؤنا يفتون فيما لا يفهمون.

كيف؟ نجد أن الكثير من الأطباء في عالمنا العربي يوجهون حملات “مقاطعة اللقاح”. ونقول إن الأطباء ليسوا مؤهلين بما يكفي للقيام بهذه المهمة، بل إن ادّعاءهم العلم يربك المشهد.

الطبيب ليس عالما. هو حرفيّ رفيع المستوى. يقضي سنوات طويلة في تعلم واحدة من أكثر المهن حساسية في حياتنا. مهنة الحياة أو الموت. الطبيب البارع هو الطبيب القادر على ربط الأعراض بالدواء من خلال عملية تسمّى التشخيص. ما يتعلمه في كلية الطب هو هذا بالضبط. هناك مثلا ألف عرض وهناك ألف دواء. يشخّص ماهية الأعراض ويقترح الدواء. وبالتدريب وتراكم الخبرة، نجد أمامنا طبيبا مخضرما نعتمد عليه. إنه ميكانيكي بارع لمحرك الجسد البشري.

لكن هنا تتوقف مهمته. الطبيب يعتمد على العلماء في ما يقدمونه من أدوية. ابتكار الدواء ليس مهمته، مثلما ليست من مهمة الميكانيكي في عالم السيارات، سواء أكان مهندسا خريجا أم حرفيا متمرسا، أن يقترح تغيير “أعضاء” المحرك أو ماهية تبديل السرع أو نوع الزيت المستخدم في المكابح أو ذاك الذي يبرّد المحركات. الميكانيكي يعرف أن هذا الزيت بالدرجة الفلانية بالرقم المحدد بمقاييس معدة سلفا يصلح لهذه السيارة في هذا الوقت من العام. هنا تنتهي مهمته. لا يحاول أن يفسر لك مستوى اللزوجة للزيت أو مواصفاته الحرارية. والطبيب يعرف أن هذا النوع من المضادات الحيوية يشتغل على اللوزتين ولا يؤثر في الكلية، وأن عليه أن يجرّب أنواعا مختلفة من أدوية الضغط لكي يتمكّن من السيطرة على مستويات ضغط الدم عند المريض. كثير من الأطباء يجهل لماذا يشتغل هذا المضاد هنا، ولا يشتغل هناك في الجسم. هذه مهمة فرق علمية بمواصفات تعليم وإعداد مختلفتين.

هذا يعيدنا إلى الهرج السائد في عالمنا العربي. سكت المهرجون ممن استخدموا الدين في تفسير الوباء ويقفون الآن في طابور المنتظرين لتلقي الجرعة الأولى من لقاح أسترازينيكا أو فايزر أو جونسون. في المنطقة الرمادية من قلة المعرفة او محدودية الإدراك، ينشط “الأطباء” ممن يفتون بمقاطعة اللقاح. المتلقي الساذج يعتقد أن الطبيب طالما يزرقه حقنة اللقاح، فإنه لا شك يفهم فيه. الحقيقة أبعد ما تكون عن ذلك. ربما لو سألته كيف يمكن تركيب حبوب الباراسيتامول فلن يتمكّن من الإجابة، فكيف بلقاحات معقدة مثل تلك التي تتصدى لفايروس كورونا؟

الطب مهنة محترمة ورفيعة. لا نحشرها حشرا في الجهل، فقط لأن المتحدث باسمها يرتدي روبا أبيض.

24