الطبقية الاجتماعية لا الجينات العائلية تصنع الفروق في التفكير والذكاء

التوزيع غير العادل للدخل يؤثر على القدرات العقلية للأجيال القادمة.
الخميس 2021/04/08
الاستثمار في القدرات العقلية للأطفال ثروة لا تنضب

التصنيف الاجتماعي للأطفال على أنهم أذكياء، أو أغبياء، لا يأخذ بعين الاعتبار الواقع المتردي في حياة العديد من الأطفال، على مستويات التغذية والسكن والصحة والتعليم، والفقر والبطالة داخل بيئاتهم الأسرية، وهو ما يجعلهم في الدرك الأسفل من سلم الذكاء.

يسود اعتقاد شائع بأن الجينات تمثل المحرك الرئيسي للقدرات الإدراكية والمعرفية لدى الأطفال، وهي المحدد لملامح مستقبلهم المهني، إلا أن أبحاثا حديثة فندت هذه النظرية، بالتأكيد على أن الوراثة ليست العامل الوحيد الذي يتحكم في ذكاء البشر، فالأطفال يرثون حوالي 40 أو 60 في المئة فقط من الذكاء، أما الباقي فيكتسبونه من عدّة عوامل مختلفة، مثل مستوى تعليم الأم ودخل الأسرة ووزن الطفل عند ولادته، وحتى نوعية الطعام الذي يتناوله وهم لا يزالون أجنة في أرحام أمهاتم.

وربط عدد من الخبراء في علم النفس والاقتصاد والاجتماع الوضع الاجتماعي والاقتصادي، الذي يشمل دخل الأسرة ومستوى تعليم الآباء والضغوط النفسية المصاحبة لذلك، وسلسلة من العوامل الأخرى، المتعلقة بالصحة العقلية والتنمية المعرفية والنتائج الأكاديمية للأطفال.

وشدد الخبراء على وجود فوارق كبيرة لدى الأطفال في مستوى الذكاء ومهارات التفكير، تبعا لاختلاف المستوى الاقتصادي والاجتماعي للأسر التي ينتمون إليها.

وإذا تم التسليم بدور الطبقية الاجتماعية والاقتصادية ستلوح عدة قضايا إشكالية أخرى، في ضوء ما هو معروف من أن الذكاء يشكل أحد أكثر العوامل التي تُنبئ بشكل الحياة، التي سيعيشها الطفل، بدءا من طبيعة أدائه في مدرسته وبعد ذلك خلال مسيرته المهنية.

شكري العياري: عامل الطبقية يدخل كمحفز للأطفال أو كمحبط لأحلامهم
شكري العياري: عامل الطبقية يدخل كمحفز للأطفال أو كمحبط لأحلامهم

العوامل المحبطة

أكد الدكتور شكري العياري، الخبير التونسي في التنمية الذاتية والإحاطة النفسية، أن الفقر والدخل الضعيف للأسرة من العناصر غير المرئية، ولكن لها تأثير كبير على نمو الدماغ لدى الأطفال وتطوير قدراتهم المعرفية وتحصيلهم الأكاديمي.

وأشار إلى أن فارق الذكاء يختلف في أنواعه، فهناك الذكاء التعليمي الذي يقاس عالميا بنسبة حاصل الذكاء IQ وفيه مؤشرات كمية ونوعية، وهناك الذكاء الاجتماعي والعاطفي ومن خلاله ندرك أهمية الوعي الذاتي والتحكم في المشاعر ويطلق عليه EQ، أما الأول فهو لا يتغير كثيرا طيلة العمر، وأما الثاني فهو مكتسب وقادر على النمو مدى الحياة.

وقال العياري لـ”العرب” إن “الأسرة كحاضنة أولى لتنمية الذكاء تلعب دورا كبيرا في تطوير نوع الذكاء الذي تبدو ملامحه منذ الطفولة الأولى”، مشددا على أن الثقافة الأسرية والتربية الوالدية هي أساس تنمية التفكير الإبداعي لدى الأطفال”.

وأضاف “يدخل عامل الطبقية الاجتماعية كمحفز للأطفال أو كمحبط لأحلامهم، لذلك يبدو العامل الجيني صغيرا أمام عامل التنشئة الاجتماعية والإحاطة التربوية، ولا ننسى طبعا قيمة الحظوة المادية في توفير معينات تربوية ومناخات بيداغوجية تساهم في تطوير مهارات الذكاء المختلفة لدى الأطفال”.

Thumbnail

تجارب الطفولة

وكشف عدد كبير من الأبحاث العلمية، أن معظم الأطفال الذين يأتون من بيئة فقيرة يميلون في المتوسط إلى إظهار أداء تعليمي أضعف من نظرائهم الأغنياء.

يصاحب البيئات الفقيرة العديد من السلبيات مثل سوء التغذية والسكن وتردي الصحة وسوء الرعاية الأبوية أو التفكك العائلي، ما يجعل الأطفال يعانون في سبيل التعلم.

وكان بحث سابق أجراه الأستاذ غريغ دنكان، الخبير الاقتصادي الأميركي أشار إلى وجود صلات قوية بين التجارب التي يمر بها الأطفال في السنوات الأولى – وهي فترة مهمة جدا لتطور العقل- ومدى الأداء الجيد لهم حينما يكبرون بعد ذلك.

وأثبت دنكان أن الأطفال الذين ينتمون للطبقة الوسطى يتقدمون بالفعل على زملائهم الأكثر فقرا في أداء مهام مثل التعرف على الحروف وترتيب الأرقام، في حين يكون مسار الأطفال الفقراء في سن الخامسة متدنيا، ما يجعلهم أكثر عرضة بشكل أكبر للتسرب من التعليم مبكرا وكسب أموال أقل ومعاناتهم من وضع صحي أسوأ من الأطفال الأكثر ثراء، وهذا يعني أن الموارد المالية الجيدة للأسرة، يمكن أن تساعد على تقليل الفوارق في الصحة العقلية والإنجاز الأكاديمي، التي يسببها الفقر ومجموعة من العوامل المرتبطة به.

وبالنظر إلى الحالات التي يرث فيها الأطفال جينات الذكاء من آبائهم، فإن تلك الجينات ليست ثابتة بل تنظمها حشود من الجزيئات تسمى علميا بـ”العناصر الجينية المتأثرة بالعوامل الخارجية”، والتي تلعب دورا كبيرا في التطور المبكر للدماغ، ويحدث ذلك في سياقات مختلفة تختلف باختلاف تجارب وبيئة كل طفل، والتي قد تتحدد بشكل كبير تبعا للحالة الاجتماعية والاقتصادية للأسر.

عالم النفس الأميركي آرت ماركمان يقول إن البشر لا يولدون ولديهم القدرة على القيام بـأمور تتطلب ذكاء، بل ينمون هذه المهارة مع مرور الوقت

وتعد الطفولة المبكرة وقتا حرجا لدعم النمو الصحي للدماغ وتطوير قدراته العقلية، كما أن التدخل المبكر للتخفيف من تأثير البيئة الاجتماعية والاقتصادية على الدماغ والصحة العقلية قد تكون أكثر فائدة للأطفال عندما يكونون في سن ما قبل دخول المدرسة.

وأجرى فريق بحثي من المعهد الوطني للصحة العقلية بالولايات المتحدة دراسة استمرت لأكثر من عشرين عاما لمعرفة المزيد حول كيفية ارتباط الحالة الاجتماعية والاقتصادية للشخص بالطريقة التي يتطور بها دماغه.

وبعد إجراء فحوصات بالرنين المغناطيسي على أدمغة المئات من الشباب، وجد الباحثون أن الوضع الاجتماعي والاقتصادي في مرحلة الطفولة كان مرتبطًا بحجم وتعقيد بعض المناطق في أدمغة الأشخاص الذين أجريت عليهم الدراسة، وتحديدًا في منطقتي “المهاد والجسم المخطط”، اللتان ترتبطان بالوظائف المعرفية وتنظيم العواطف.

ويقع المهاد في المنطقة الوسطى للنّصفين المتساويين للدّماغ؛ أي بين القشرة المخّيّة والدّماغ المتوسّط، ويشارك المهاد في نقل ومعالجة المعلومات الحسية، ويرتبط حجم المهاد الأكبر ارتباطا وثيقا بالتفكير السريع وارتفاع الذكاء اللفظي.

وقال كاسيدي ماكديرموت الباحث المشرف على الدراسة “يحدث التطور المبكر للدماغ في سياق تجارب كل طفل وبيئته الأسرية، وكلاهما يختلف اختلافًا كبيرًا حسب الحالة الاجتماعية والاقتصادية”.

وأضاف “يمكن أن يكون للوضع الاجتماعي الاقتصادي بعض التأثير على الإدراك، من خلال تغيير نمو الدماغ البنيوي، لاسيما في المناطق المرتبطة باللغة والتعلم. ومع ذلك، من المهم ملاحظة أن هذا المسار لا يمثل سوى مجموعة واحدة ممكنة من التفاعلات بين بيئة الطفولة والإدراك”.

Thumbnail

أسرار الذكاء

هناك العديد من العوامل الأخرى التي تلعب دورا في التطور في تنمية ذكاء الأطفال وقدرتهم المعرفية المبكرة على كيفية حل المشكلات واتخاذ القرارات الصحيحة، وقد يكون تأثيرها على الإنجاز أكبر من تأثير الحالة الاجتماعية والاقتصادية للشخص.

ويرى عالم النفس البريطاني مايكل هاو من جامعة اسيكس أن السر الحقيقي للذكاء والعبقرية يكمن في العمل الدؤوب وليس في الموهبة الفكرية الموروثة، مناقضا بذلك الفكرة القائلة بأن الأذكياء يتميزون بالنبوغ الفكري منذ الصغر.

وأعلن هاو خلال أحد المؤتمرات السنوية لجمعية علماء النفس البريطانيين أن هناك الكثير مما هو مشترك بين العباقرة والأشخاص العاديين رغم ما يتصف به العباقرة من قدرات علمية أو إبداعية استثنائية، مشيرا إلى أن “الإنجازات الإبداعية الحقيقية تعتمد على المثابرة على امتداد فترات طويلة وليس على مهارات طفولة نابغة”. وأوضح قائلا “لا نستطيع أن نكون جميعا عباقرة ولكننا نستطيع أن نتعلم منهم”.

وأكد هاو أن أكبر العقول التي عرفها العالم تعيّن عليها أن تكافح وتصارع من أجل تحقيق أهدافها، مشيرا إلى أن الكثيرين كانوا يعتقدون أن عالم الفيزياء ألبرت أنشتاين كان فاشلا في المدرسة، ولكنّ آداءه كان في الحقيقة متفوقا على الدوام.

فيما اعتبر عالم النفس الأميركي آرت ماركمان أن البشر لا يولدون ولديهم القدرة على القيام بـأمور تتطلب ذكاء، بل ينمون هذه المهارة مع مرور الوقت، موضحا أن كل عناصر الذكاء موجودة في “صندوق أدوات العقل”، وباستطاعة الطفل أن يصبح أذكى من خلال مراقبة المحيطين به وكيفية استخدامهم للمعرفة في حل المشكلات، وهذا قد يساعده على تطوير عادات أكثر ذكاء.

21