الصين تنافس صندوق النقد الدولي في سوق القروض

اتجاه متزايد من بكين نحو إغراق الدول بالديون في حالات الطوارئ بدل تمويل مشاريع مبادرة الحزام.
الثلاثاء 2022/08/09
الأموال كثيرة وسنساعدكم

يغذي نمو القروض التي تقدمها الصين إلى العديد من الدول المخاوف من أن هذا التمشي سيسلط ضغوطا أكبر على صندوق النقد الدولي والذي ظل الجهة المانحة الدولية الأولى بأسواق الدين لعقود لمساعدة الحكومات على تخطي محن اقتصادات بلدانها.

واشنطن/بكين – أثبتت أحدث المؤشرات بشأن الديون التي تقدمها الصين لحكومات الدول في آسيا وأفريقيا جدية القلق الذي أعلنت عنه مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا جورجيفا مؤخرا من أن تأخذ أدوات بكين دور المؤسسة المانحة في دعم الحكومات.

وكمثال على ذلك أغدقت الصين على كل من باكستان وسريلانكا خلال السنوات الخمس الأخيرة قروضا قصيرة ومتوسطة الأجل تُقدّر بنحو 26 مليار دولار، مع تحول إقراضها الخارجي من تمويل البنية التحتية إلى توفير المساعدات المالية الطارئة.

وتُظهر بيانات جمعتها إيد داتا، وهي هيئة تنموية دولية في جامعة وليام أند ماري في الولايات المتحدة، التحول من مبادرة الحزام والطريق الصينية البالغ قيمتها تريليون دولار إلى قروض تستهدف تخفيف نقص العملات الأجنبية منذ 2018.

ونسبت وكالة بلومبرغ إلى براد باركس المدير التنفيذي لإيد داتا قوله إن الصين “ابتعدت بشكل كبير عن إقراض المشروع واتجهت نحو إقراض ميزان المدفوعات والإقراض من أجل الإنقاذ في حالات الطوارئ”.

براد باركس: بكين تتعمد منح الدول قروضا قصيرة الأجل وبفائدة قليلة

وبناء على وثائق رسمية قدمت البنوك الصينية الحكومية قروضا قصيرة الأجل بقيمة 21.9 مليار دولار للبنك المركزي الباكستاني منذ يوليو 2018، في المقابل تلقّت سريلانكا قروضا متوسطة الأجل بنحو 3.8 مليار دولار منذ أكتوبر من العام ذاته..

وتؤكد القروض أن الصين تلعب حاليا دورا مماثلا لصندوق النقد، حيث توفر تمويلا أثناء أزمات ميزان المدفوعات، بدلا من تمويل المشاريع الميسرة على غرار البنك الدولي الذي يمكن مقارنة إقراض مبادرة الحزام والطريق به بشكل عام.

ويؤدي ارتفاع أسعار الفائدة وأسعار الطاقة الأميركية إلى تدفق العملات الأجنبية للخارج من الدول النامية التي تشكل جزءا من مبادرة الحزام والطريق، ما يزيد من مخاطر تعثر سداد الديون المقومة بالعملات الأجنبية.

وأوضح باحثون في البنك الدولي أن نحو 60 في المئة من الإقراض الخارجي للصين موجه إلى دول تعاني الآن من ضائقة ديون.

وأصدر بنك الشعب الصيني (البنك المركزي) خلال العام الماضي قرضا طارئا بقيمة 300 مليون دولار لتعزيز احتياطيات النقد الأجنبي لجارته لاوس.

كما عززت تشيلي مقايضة العملات مع الصين في عام 2020 لدعم اقتصادها خلال الوباء، بينما قدّم بنك الصين في العام نفسه قرضا بقيمة 200 مليون دولار للبنك الأفريقي للتصدير والاستيراد لبرنامج الإغاثة من الوباء.

ويرى باركس أن بكين تعمل وفقا لافتراض مفاده أنه عندما تواجه الدول المقترضة ضمن مبادرة الحزام والطريق ضغوط سيولة كبيرة، فإن الخطوة الأنسب هي إبقاء سيولة كافية لدى هذه الدول لتجاوز العاصفة.

وأوضح أن القروض تركز بشكل مباشر على مساعدة المقترض في حل مشكلتين، الأولى تتمثّل في سداد ديون مشاريع قديمة، والثانية محاولة تعزيز احتياطيات العملة الصعبة.

وانتعش الإقراض الصيني الطارئ لباكستان عندما بدأت تواجه مشاكل في موازنة مدفوعاتها الدولية في 2017 نتيجة لارتفاع تكاليف الاستيراد والديون الخارجية.

ودفعت هذه الأزمة البلاد إلى عقد مفاوضات مطولة مع صندوق النقد، الذي طالب بزيادة الضرائب كشرط للحصول على القروض.

وأوضحت بيانات صندوق النقد أن 27 في المئة تقريبا من الدين الخارجي لباكستان مستحق للصين، وجزء كبير من هذه الديون ناتج عن مشاريع البنية التحتية.

60

في المئة من إقراض الصين موجه إلى بلدان تعاني من ضائقة ديون وفق البنك الدولي

وبالنسبة إلى سريلانكا، تفاقمت مشكلات خدمة الديون الخارجية في البلاد نتيجة تفشي الوباء عندما انهارت السياحة الدولية، وهي مصدر رئيسي للعملات الأجنبية.

وبلغت البلاد وضعا متأزما هذا العام مع ارتفاع أسعار النفط، كما أنها تسعى للحصول على قروض من صندوق النقد، وتعهدت بخفض الإنفاق الحكومي. وبالإضافة إلى ذلك، أوضحت الحكومة أن نحو 10 في المئة من الديون الخارجية مستحقة للصين.

وبحسب باركس تعتمد قروض الطوارئ الصينية على أسعار فائدة متغيرة، بدلا من أسعار فائدة ثابتة كما كان معتاداً في إقراض البنية التحتية، إضافة إلى أنها تتميز بآجال استحقاق أقصر بكثير من عشرة أو 20 عاما المعتادة في قروض البنية التحتية.

وينطوي الإقراض الطارئ لباكستان على آجال استحقاق بين عام إلى ثلاثة أعوام ومعدلات فائدة محسوبة استناداً إلى معدلات الإقراض السائدة بين البنوك في لندن أو شنغهاي، إضافة إلى هامش بين واحد إلى 3 في المئة.

ووصلت آجال استحقاق القروض المقدمة إلى سريلانكا بشكل عام إلى عشرة أعوام تقريباً مع فترة سماح مدتها 3 أعوام، وأسعار فائدة محسوبة استنادا إلى معيار “ليبور”، وهو معيار مستخدم في التعامل بين البنوك في لندن إضافة إلى هامش يقدر بنحو 2.5 في المئة.

ووفق إيد داتا جاءت القروض المقدمة لباكستان وسريلانكا بشكل أساسي من المركزي الصيني في شكل مقايضات للعملات وقروض من بنك التنمية الصيني وبنك الصين والبنك الصناعي والتجاري الصيني.

وتعتمد الدول التي تواجه مشاكل في ميزان المدفوعات بشكل متزايد على ترتيبات مقايضة العملات مع بنك الشعب الصيني، وتزودها بـ”الرنمينبي”، الذي يمكن بيعه أيضا بالدولار.

وقال باركس إنه رغم أن مثل هذه الصفقات تعزز احتياطيات الدول من العملات الأجنبية على المدى القصير، إلا أن “الأساسيات لم تتغير من حيث صافي القيمة، فالأموال القادمة تخرج على الفور”.

وأضاف “إذا كانت هناك مشكلة ملاءة بدلا من مشكلة سيولة، فمن المحتمل أن تزيد الأمور سوءا”.

ووقّع البنك المركزي الصيني اتفاقيات مقايضة مع 40 دولة ومنطقة بقيمة تقارب 4 تريليون يوان (590 مليار دولار)، بحسب تقرير رسمي.

ولجأت الدول إلى الصين خلال حالات الطوارئ من قبل، حيث اعتمدت الأرجنتين على خط المبادلة الصيني في عام 2014.

وأشار أحدث تقارير لصندوق النقد إلى أنه تمّ تمديد التزامات منغوليا الخاصة بترتيبات المقايضة تجاه الصين، والتي بدأت في الاعتماد عليها منذ عقد عدة مرات.

القروض تؤكد أن الصين تلعب حاليا دورا مماثلا لصندوق النقد، حيث توفر تمويلا أثناء أزمات ميزان المدفوعات، بدلا من تمويل المشاريع الميسرة على غرار البنك الدولي

وتبلغ قيمة ترتيبات المقايضة الآن 1.8 مليار دولار، أو 14 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي مع موعد استحقاق في 2023.

ويقول خبراء جامعة بوسطن في تقرير صدر مؤخرا إن لدى الصين سجلا في مضاعفة الإقراض لدول تواجه صعوبات في السداد.

وأشاروا إلى أنه عندما تسبب انخفاض أسعار النفط في زيادة صعوبة سداد ديون أنغولا للصين في عام 2016، زادت بكين إقراضها للدولة الأفريقية إلى 19 مليار دولار في عام واحد بدلا من السماح لشريك تجاري رئيسي بالتعثر في السداد.

ويهدف الإقراض التابع لمبادرة الحزام والطريق الصينية إلى السماح للصين بجني عوائد من احتياطاتها من العملات الأجنبية التي تزيد عن 3 تريليونات دولار، مع سد العجز الهائل في البنية التحتية لدى الدول النامية.

وتباطأ إقراض مبادرة الحزام والطريق بشكل حاد منذ 2017 لعدة أسباب، مثل تباطؤ نمو الصين وانخفاض أسعار السلع الأساسية، وتزايد عدد مشاريع البنية التحتية التي تواجه صعوبات، والحملة المحلية ضد المخاطر المالية.

وبلغ إجمالي المشاركة المالية للصين منذ إطلاق مبادرة الحزام والطريق في 2013 ما قيمته 931 مليار دولار، وذلك استنادا على بيانات مركز التمويل والتنمية الأخضر التابع لجامعة فودان في شنغهاي.

وأوضح معدو التقرير أن النصف الأول من هذا العام شهد تمويلا واستثمارات بقيمة 28.4 مليار دولار لمشاريع المبادرة، بانخفاض 40 في المئة عن نفس الفترة من 2019.

10