الصحافيات الأربع إعلاميو اليسار أكثر حضورا في زمن الليبرالية المصرية

تهمة الصحافيات الأربع نشر أخبار كاذبة والسب والقذف، وهي السلاح الجاهز الذي يستطيع أيّ شخص في مصر استهداف أيّ صحافي أو صحافية به.
الثلاثاء 2022/09/20
النبش في دفاتر الظهير السياسي للحكومة يقود إلى السجن

القاهرة– رغم تلاشي غالبية الفواصل بين التقسيمات السياسية التقليدية، يسار ويمين ووسط، أو ليبرالي واشتراكي وماركسي، إلا أن هذه المفردات لا تزال تلقى صدى في مصر وتحظى برواج في أوساط نخبة يحلو لعدد كبير من عناصرها العودة إلى الجذور لتفسير بعض الظواهر، والتركيز على باب التكوين السياسي حيث يلعب دورا مهما في حياة المنتمين إليه، بالرفض والاحتجاج على الواقع أو القبول والتعايش معه.

مع كل التوجهات الليبرالية الظاهرة في الخطاب المصري الرسمي والشعبي، إلا أن أصحابها لا يعملون كثيرا بما تنطوي عليه المفاهيم، وتشير تصرفاتهم وتصوراتهم في مجالي الحريات وحقوق الإنسان إلى تخلفها عن المبادئ العامة التي يقوم عليها المنهج الليبرالي في الاقتصاد والسياسة، بينما يبدو الجانب المقابل والمتمثل في تيار اليسار أكثر تمسكا بمنهجه وأشد شراسة في الدفاع عن الحريات وحقوق الإنسان.

يستطيع المراقب للأوضاع الحالية في مصر أن يلتقط نشاطا أكبر في صفوف تيار اليسار بأطيافه السياسية المتباينة، ويجد أن معظم المشاغبات الإعلامية تأتي من منتمين إليه ومحسوبين عليه ومن تشبعوا مبكرا بأفكاره، وهذا لا يعني عدم وجود قوى وشخصيات ليبرالية مناكفة للحكومة، لكن النشاط الأبرز يظل محصورا في اليسار. ولعل استهداف عدد كبير من رموزه الشبابية يعكس هذا الاستنتاج.

خلال الأيام الماضية صعدت على السطح أسماء أربع من الصحافيات المصريات تبلغ أعمارهن بين الثلاثين والأربعين، وهن: لينا عطاالله ورنا ممدوح وسارة سيف الدين وبيسان كساب، بسبب تقرير صحافي نشر على موقع “مدى مصر” الإلكتروني، واتهم التقرير بعض قيادات حزب “مستقبل وطن”، وهو يعد الظهير السياسي للحكومة في البرلمان، بارتكاب مخالفات مالية جسيمة قد تؤدي إلى إبعادها عن مناصبها في الحزب، وأن أجهزة رقابية في الدولة تحقق في تورط أعضاء بارزين في الحزب بارتكاب مخالفات.

تحريك المياه السياسية

صحافيات "مدى مصر" نجون من مقصلة الاعتقال هذه المرة، غير أن رئيسة تحريره لينا عطاالله ذاقت مرارته من قبل
صحافيات "مدى مصر" نجون من مقصلة الاعتقال هذه المرة، غير أن رئيسة تحريره لينا عطاالله ذاقت مرارته من قبل

أحدث التقرير أصداء واسعة بسبب جرأته وما حواه من معلومات محددة بشأن أسماء معينة في السلطة أو قريبة منها ونجاحه في تحريك المياه الراكدة، ما منحه مصداقية، فلن تجرؤ أي جهة على نشر هذه الموضوعات ما لم تكن حصلت على وثائق تدعمها.

تتبنى الصحافيات الأربع قناعة أقرب إلى تيار اليسار في الجزء المحوري المتعلق بالانحياز إلى الطبقتين الشعبية والعاملة، مع إيمان عميق بمسألة الحريات إلى أقصى مدى، وهو ما جعل لينا ورنا وبيسان وسارة، لسن من أصحاب المواقف الأيديولوجية الحدية، وربما يكون التكوين السياسي والاجتماعي أسهم بدور في هذه المسألة، فجميع التجارب الصحافية التي عملن فيها أثبتت عدم استعدادهن لتغيير قناعاتهن.

لكل منهن إسهامات صحافية جيدة في مجالي السياسة والاقتصاد والمجتمع، ويملن إلى صحافة العمق في الموضوعات التي يتم تناولها، وبرع موقع “مدى مصر” في تقديمها منذ ظهوره إلى النور، وجذبت إليه أنظار الكثير من المتابعين، والذين تغلبوا على إشكالية حجبه في مصر من خلال برامج تكنولوجيا متطورة وعابرة للحجب.

أحدث التقرير حول حزب “مستقبل وطن” المنشور على الموقع في نهاية أغسطس الماضي غصة في حلق من وردت أسماؤهم فيه ومن لم ترد، لأن المعالجة طالت الكثير من القيادات التي قدمت عشرات البلاغات إلى النيابة التي طعنت في صحة ما ورد في التقرير، وقاد محامو الشاكين الصحافيات الأربع إلى المثول أمام النيابة بعد مضي أسبوع على النشر.

موقع "مدى مصر" يستقطب المتابعين بكثافة حاليا جراء ما يقدم من صحافة جادة وتؤمن بالحرية الكاملة، مع موقعي "درب" و"المنصة"، وثلاثتها تتم إدارتها من داخل مصر وطبقت عليها الحكومة الحجب الإلكتروني

إفراج نهائي أم مؤقت

كانت التهمة نشر أخبار كاذبة والسب والقذف، وهي السلاح الجاهز الذي يستطيع أيّ شخص في مصر استهداف أيّ صحافي أو صحافية، لكن قاضي التحقيق أفرج عن لينا ورنا وبيسان وسارة بكفالة مالية في اليوم نفسه.

في حالات سابقة كان هذا النوع من القضايا يقود صاحبه/صاحبته إلى السجن غالبا، لكنّ هناك أسبابا عدة أنقذت الصحافيات الأربع مؤقتا لأن القضية لم تحسم بعد وتوجد مراحل أخرى للتقاضي طالما أنهن لم يحصلن على البراءة النهائية.

في مقدمة أسباب الخروج بكفالة أن التقرير استند إلى معلومات قيل إنه تم الحصول عليها من مصادر موثوقة، وإنه أظهر يقظة أجهزة الدولة الرقابية وحرصها على تنقية المؤسسات من الفساد، وبينها الأحزاب السياسية القريبة من السلطة، بالتالي لا يوجد استعداء للحكومة أو تربص بها، فضلا عن أن التقرير نشر في أجواء غلب عليها التفاؤل بعد انطلاق الحوار الوطني بين قوى معارضة والحكومة.

قد تكون هذه الأسباب مقنعة عندما يكون أصحابها تبنوا فجأة خط مكافحة الفساد، لكن في حالة صحافيات “مدى مصر” الوضع مختلف تماما، لأن المعالجة التي تم بها تناول الموقف داخل حزب “مستقبل وطن” ليست استثناء، حيث درج الموقع وصحافيوه على تناول كافة القضايا بدرجة عالية من النقد وحفروا له اسما كبيرا في بلاط الصحافة، أو صاحبة الجلالة كما يطلق عليها في مصر، تقديرا واحتراما لدورها.

ثلاثة مواقع مشاغبة

يعد موقع “مدى مصر” واحدا من ثلاثة مواقع تستقطب المتابعين بكثافة حاليا جراء ما يقدم من صحافة جادة تؤمن بالحرية الكاملة، والموقعان الآخران هما “درب” و”المنصة”، وهذه المواقع تتم إدارتها من داخل مصر وطبقت عليها الحكومة الحجب الإلكتروني منذ فترة ولا يزال روادها في تزايد.

تتسم المواقع الثلاثة بأن العاملين فيها ينتمون إلى تيار اليسار بمعناه الواسع الذي يضم تحته الكثير من الأفكار والشخصيات والقوى، وما يجمعهم هو الدفاع عن الحريات والاعتراض على ما يدور في الفضاء العام بالدولة، والدفع نحو مراجعة النظام المصري للعديد من تصرفاته في المناحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية.

نجت صحافيات “مدى مصر” من مقصلة الاعتقال هذه المرة، غير أن رئيسة تحرير الموقع لينا عطاالله ذاقت مرارته من قبل فترة وجيزة دون أن تشفع لها الصحافة الجادة التي تقدمها عبر الموقع أو شهادات التقدير التي حصلت عليها وبينها وصف التايم الأميركية لها بأنها “قائدة الجيل الجديد”، وأطلقت عليها لقب “مكراكرز العالم العربي”، أي أنها ذات عقلية إصلاحية وتقف بجسارة ضد الفساد.

يشير هذا التوصيف إلى الحالة التي تخيم على المواقع الثلاثة والقدرة على الصمود في مواجهة العواصف، ما جعل تساؤلا كبيرا يطرح بشأن الجرأة التي تتحلى بها الصحافيات الأربع وغيرهن من العاملين في هذه المواقع، فكيف يتسنى لهؤلاء التمسك بمعارضة السلطة المصرية ومناطحة الحكومة في وقت غابت فيه المعارضة في الداخل أو جرى تغييبها بعد غلق المجال العام.

التهمة الجاهزة

الصحافيات الأربع يتبنين قناعات تنحاز إلى الطبقتين الشعبية والعاملة، مع إيمان عميق بمسألة الحريات
الصحافيات الأربع يتبنين قناعات تنحاز إلى الطبقتين الشعبية والعاملة، مع إيمان عميق بمسألة الحريات

وجد مؤيدو السلطة في مصر ضالتهم في تهمة العمالة للخارج والعمل لحساب جهات أجنبية من خلال ما يتردد حول تمويلات تتلقاها الجهات المسؤولة عن إصدار المواقع الثلاثة، على أمل كسر شوكة الموضوعات الساخنة التي يتم نشرها وتجد رواجها متسارعا، والتحريض على الصحافيين العاملين فيها.

يتم الرد على هذا الاتهام والتشكيك في أهداف أصحابه أن كل التحويلات تحت رقابة صارمة من الحكومة في البنوك المصرية، ولو كانت هناك تجاوزات حقيقية كان سيتم تطبيق القانون الذي يمنع التمويل الأجنبي إلا في حدود ضيقة ووفقا لضوابط حاسمة.

يعود التفسير المنطقي لترك هذه المواقع تعمل من داخل مصر ومنح العاملين فيها مساحة محدودة للحركة وعدم العصف بها إلى رغبة الحكومة في الإيحاء بأنها لا تصادر الآراء المخالفة لتخفيف الضغوط الغربية الواقعة عليها من قبل منظمات حقوقية دولية لا تتوقف عن اتهامها بالتضييق على الحريات.

معظم المشاغبات الإعلامية تأتي من منتمين إلى اليسار أو محسوبين عليه ومن تشبعوا مبكرا بأفكاره، وهذا لا يعني عدم وجود قوى وشخصيات ليبرالية مناكفة للحكومة

هذا التفسير ينطوي على ثغرات وتناقضات لأن الحكومة التي تسمح بالصدور تقوم بالحجب أيضا، وربما المطاردة في بعض الأحيان، وهي إشكالية نجح موقع “مدى مصر” في التعايش معها الفترة الماضية واستثمار مواقع التواصل الاجتماعي في توصيل صوته لشريحة كبيرة من المواطنين، وأثبت العاملون فيه تصاعد قدرتهم على مواجهة الواقع في الداخل بدلا من الهروب إلى الخارج.

تكشف هذه المعادلة عمّا يشبه الاتفاق الضمني بين صحافيي اليسار والحكومة، حيث تنشط الصحافة في الأجواء الملغومة، وتشبع الحكومة لذتها في الشد والجذب حسب التطورات وتعرف متى تشدد الخناق ومتى ترخيه في مجال الحريات، وتبدو المرحلة الراهنة هي مرحلة الجذب، ما حال دون احتجاز الصحافيات الأربع وإسكاتهن.

ظهر الجذب في الإفراج عن عدد من رموز تيار اليسار مؤخرا ممن أمضوا سنوات في السجن، مثل الناشط السياسي هيثم محمدين، وهو من الأسماء التي تحظى بقبول في عموم اليسار المصري الذي يعتقد أن هناك حراكا يمكن أن يتبلور في مصر يؤدي إلى إصلاحات سياسية حقيقية تنعكس إيجابا على وسائل الإعلام.

لا يرتاح النظام المصري للصحافة المزعجة التي يمثلها موقع “مدى مصر”، لكنه لا يمانع في ترك المجال أمامها للعمل طالما أنها التزمت بما يمكن وصفه بالخطوط الحمراء التي يؤدي المساس بها إلى عواقب قاتمة، وهو ما تحاول إدارة الموقع عدم التلذذ باختراقه من خلال التركيز على السياسات وليس الأشخاص.

أنقذ هذا التوجه الموقع من مضايقات عديدة عندما كان التضييق الإعلامي في أوجه، وأسهم الاهتمام بالبعد الاقتصادي الذي يعتمد على أرقام وإحصائيات بجزء آخر، لأنها لا تكذب، وعرفت الصحافيات الأربع بميولهن لتناول القضايا ذات المكونات الاقتصادية، والتطرق لملفات اجتماعية تتسق مع أهداف اليسار وتلامس أوجاع شريحة عريضة من الناس، ما منح صحافيي اليسار مكانة في زمن الليبرالية المصرية.

12