الشعراء السعوديون الجدد تحرروا من سلطة الذاكرة

الشاعر محمد خضر يكشف أن هناك  تجارب شعرية تنأى عن القضايا الأيديولوجية ليحتل الإنسان بتجلياته اهتمامها حيث يخلص الشعر من هذه العوائق.
الثلاثاء 2019/03/26
أكتب بغض النظر عن المدارس

يقف الشعراء في صف التجدد والمغامرة، هم هكذا لا مانع لديهم من النظر بدهشة إلى كل ما يحدث، والنظر باعتزاز إلى كل ما هو جديد، حتى ولو كان جيلا لاحقا لهم، ويقف ضدهم، فالشعراء لا يهابون الزمن والتجريب، أدبيا كان أو حتى واقعيا. في إطلالة على شاعر مجدد ومؤثر في السعودية، كان لـ”العرب” هذا الحوار مع الشاعر والكاتب السعودي محمد خضر.

شكلت تجربة الشاعر السعودي محمد خضر الغامدي واحدة من التجارب الشعرية المتميزة في المشهد الشعري لقصيدة النثر في السعودية، منذ انطلاقها بمجموعة “مؤقتا تحت غيمة” حيث تبعتها مجموعات استطاع من خلالها خلق خصوصية رؤيته لغة وأسلوبا وفنية جمالية. وفي السياق انفتح على عالم السرد ليقدم روايته “السماء ليست في كل مكان” التي حققت اشتباكا بين الواقع المعيش وأزمنة تاريخية بعيدة، وكشفت المهمش والمسكوت عنه. وأخيرا قدم كتاب “تحميض” وهو تجربة مغايرة تضيف إلى رصيده الشعري والسردي معا وتؤكد حرصه على تطوير تجربته الجمالية وقدرته على الإحساس الجمالي بعالمه. في هذا الحوار معه نتعرف على مسارات تجربته والرؤى الأساسية التي تنطلق منها.

ذاكرة الشاعر

بداية وحول كتابه “تحميض” يقول خضر”هو تجربة الكتابة بالكاميرا، أن تقف وتترقب وتغمض عينا وتفتح أخرى، الصور في حياتنا ليست عابرة بل أحيانا تكون الشاهد الوحيد على شيء ما، شيء لا نعرفه لولا الصور. كتبت فيه ما يشبه السيرة الذاتية المصورة، وقد سعدت بأن الكثير من القرّاء التقطوا معي هذا المعنى عبر تعليقاتهم، واستطاعوا أن يمضوا معي من الخاص إلى العام حيث الذاكرة الإنسانية المشتركة”.

البحث في مكان مهمل
البحث في مكان مهمل

ويضيف الشاعر “أحب ذاكرة الصورة وأملك أرشيفا ضخما من الصور، لذا عندما قررت أن أكتب لم أستغرق وقتا طويلا، قضيت مع تحميض سنوات وكتبت كثيرا لكنه صدر أخيرا بهذا الشكل، صغير الحجم لكنه مليء، كل صورة كانت تستدعي وتخزن وتجيء بمرجعياتها التاريخية والثقافية عموما والشخصية. عندما كتبت عن طه حسين وكوكتو وعمر المختار وكرويف ونيلسون مانديلا كتبت عنهم بعد وقع الصورة على ذاكرتي الشخصية، والتي أدرك أن الكثيرين يتقاطعون معها ولو بجزء منها، كانت الصور تمرر ذاكرة الطفولة والتاريخي والثقافي والذاكرة الشعبية، ومن خلالها يمر الكثير من الأسئلة عن الحياة والوجود”.

وحول سياق تجربته التي انطلقت عام 2002 بمجموعته الشعرية “مؤقتا تحت غيمة”، يوضح خضر “هي بداية مصافحتي لعالم الشعر، ولا أزال أحبها بكل ما فيها من ارتباك البدايات. وبكل ما أثارته من جدل حول فنيتها وغموضها، وتلك الحكايات الأخرى مع مقص الرقيب ومع المتشددين. أصدرت بعد ذلك مجموعة من التجارب مثل ‘تماما كما كنت أظن‘، ‘منذ أول تفاحة‘، ‘عودة رأسي إلى مكانه الطبيعي‘”، وهي تجارب تنأى عن القضايا الأيديولوجية والسياسية، ليحتل الإنسان في تجلياته علاقته بروح القصيدة وجسدها، وهذا ما ينبغي على الشاعر فعله، أن يخلص شعره من هذه القضايا، وينجو به تجاه ما هو إنساني ورؤيوي وما هو ديمومي وخالد”.

ويكشف خضر أن أول مرة سمع فيها كلمة “شعر” في قريته في بلجرشي كان في العاشرة من عمره، في المجلس الذي ضمَّ مجموعة من الضيوف كانوا يصغون بانتباه ونشوة، وكأنما يأخذهم هذا الكلام الذي يُلَحن أحيانا ويقال بنبرة مختلفة عن الكلام العادي أحيانا إلى آفاق مختلفة، قصائد من الآخرين، أو من فلان الشاعر المعروف، أو من الجدَّة التي كانت شاعرة، وأول مرة أشاروا إلى أن هناك شاعرا مشهورا وأعمى تطير قصائده ويتناقلها الناس حتى تتخطى حدود المكان ويتعدد تأويلها وتحليلها، فقصيدة واحدة يختلف حولها ما إذا كانت مدحا أو ذما، وقصيدة يتبارى الشعراء في الرد عليها أو التماهي معها، سأل لأول مرة ما هو الشعر؟ فوصل بعدها إلى أنه علاقتنا مع اللغة. بعد هذا بسنوات جاءت لحظة أن يلتقي بالورقة وحيدا، وبدأت علاقته مع هذا الأفق، كان يبحث عن الشعر، عن معنى مختلف يلامس الإنسان في صميم أوجاعه وآلامه وحياته منسابا مع واقعه.

جيل جديد

يؤكد محمد خضر على شعوره بالرضا عن كتابة رواية “السماء ليست في كل مكان”. ويقول “أشعر بالرضا بعد أن ازدادت تساؤلاتي التي تنطلق من جدوى كل ذلك البحث في مكان مهمل وبعيد ومنسي وفي حقبة زمنية قد لا تشغل أحدا اليوم، ومرورا بهواجس فنية قادمة من كونها روايتي الأولى ومتصلة كذلك بخبرتي في قراءة السرد ونهاية بأسئلة أخرى أعمقها ماذا لو أنك لم تكتبها أصلا؟ أجدني في ذلك الرضا التام الذي قادتني إليه تساؤلات أخرى كذلك. شعور الرضا ينبثق أيضا من شعورك بأن الحياة كانت تكتب معك، إن الزمن يؤكد لك الكثير مما كتبت، وكثيرا من إربة لا يزال يصرخ في كل الجهات، الأمكنة المنسية بالكاد يعرفها أحد، والدهشة من وجود هذا العالم في أعين القراء وتساؤلاتهم لا تزال تحرضني على ذلك الشعور بالرضا، أن تمد الطريق نحو المجهول في الأسئلة والطريق والمصير وتصنع بقعة كنتَ تظنها معروفة، لكنك تفاجأ بسؤال: هل المكان حقيقي؟ هل المكان من نسج الخيال؟ في أي زمن كانت هذه الأحداث؟ وبغض النظر عن مدارس الكتابة السردية ومنهجيتها، متجاوزا نظرة النقد ومساءلاته، أقول إن ذلك ما جعل المكان: إربة، هو البطل الذي يقف خلفه أبوعديس وزيانة”.

الشاعر يحس بالرضا بعد أن تزداد تساؤلاته التي تنطلق من جدوى البحث في مكان مهمل وبعيد ومنسي عند الآخرين

ويضيف خضر “كنت محقا في قلقي من كتابة هذا النص، ومحقا حين هربت منه طويلا أحيانا تحت ذريعة مضللة وهي أنك شاعر، وأحيانا الخوف الذي توالد من كونها خطوة في عالم يضج بأعمال محلية سرديا ومهمة وعلى قدر من الوعي بفضاءات الرواية، إلى آخر تلك الأوهام التي كنت سأندم لو فضلتها على الإصغاء لوقع الريح على بتلات شجرة العشرة وأساطير المكان وصوت زيانة وهو يجوب المظالم بين الوهاد والتلال هناك”.

ويؤكد الشاعر أن تجربة الكتابة والشعر خاصة في السعودية مليئة بأسماء مهمة استطاعت أن تضع بصمة مختلفة، في الثمانينات والتسعينات وخاصة في تجربة ما عُرف بالحداثة في مطلع الثمانينات وفِي تجربة قصيدة النثر وما واكبهما من حراك نقدي مهم آنذاك. وهناك جيل جديد متخلص من الذاكرة الشعرية التي طالما حوّلت الشعر إلى درس محدّد ومجموعة من المفاهيم في كل أشكال الشعر، جيل جديد يكتب اشتغالاته وأمكنته الجديدة ورؤيته التي تخصه وحده ورهانه والتصاقه بالتجربة والواقع، وبالتالي ليس ثمة من ينظر إليه بعين البر.

ويرى خضر أن سؤال المشهد الثقافي يتكرر كثيرا، لكنه دائما يحاول أن يرسم محددات لهذا المفهوم الذي بات متشعبا وحاويا على مجالات كثيرة. ويقول “المشهد الثقافي مرتبط بتغيرات كثيرة منها الاجتماعي والسياسي وغيرهما كثير. واليوم تشهد الثقافة تحولات نوعية لم يكن لها مثيل لعقود مضت، وقفت خلفها مؤسسات ومراكز ثقافية بدعم كبير وأعتقد أنها ستؤثر أكثر ويتضح أثرها أكثر في السنوات القادمة”.

15