الشاعر والمترجم التونسي أيمن حسن: بإمكان التونسيين والجزائريين والمغاربة تأسيس حضارة مغاربية - فرنسية

لا بد من بعث مجمع عربي كامل للترجمة بالتعاون مع مترجمين من مختلف اللغات.
الأحد 2022/06/26
مترجم الشعر يجب أن يكون شاعرا

رغم محاولة النهوض بالترجمة فعلا جماعيا، بما يحقق لها امتيازها ورواجها وفاعليتها، فإن هناك من اختار طريقا فرديا ليترجم أعمالا مهمة، ويكون جسرا سلسا بين ثقافتين، كما هو شأن الشاعر والمترجم التونسي أيمن حسن، الذي قدم للعربية العديد من الأعمال آخرها كتابه المتوج بجائزة ابن بطوطة لأدب الرحلة، ولكن تبقى مساهمته الأبرز هي تقديم شعريات عربية إلى اللغة الفرنسية فترجم لأبرز الشعراء العرب من أدونيس ونوري الجراح وزاهر الغافري وغيرهم، ليفتح بذلك آفاقا للشعرية العربية المعاصرة في الثقافة الفرانكفونية التي لا تتوقف حدودها عند فرنسا. “العرب” كان لها هذا الحوار معه حول الترجمة وقضاياها المختلفة.

فاز الشاعر والمترجم أيمن حسن بجائزة ابن بطوطة لأدب الرحلة عن فرع “اليوميات المترجمة” عن كتاب “رحلة حول غرفتي”، وقد احتفت الجائزة التي ينظمها “المركز العربي للأدب الجغرافي – ارتياد الآفاق”، بالكتاب ومترجمه مؤخرا ضمن فعاليات معرض الكتاب والنشر الدولي بالرباط.

وألف غزافيي دوميستر كتابه “رحلة حول غرفتي” في عصر الرحلات الكبرى، ويندرج في إطار اليوميات التي تستلهم المكان الأضيق، الغرفة التي يقيم فيها المرء. إنه، كما ورد في بيان جائزة ابن بطوطة، “سفر معاكس يخترق دواخل الذات، ويغامر في استكشاف غوامضها بفعل مخيلة خصبة، تتمرد على مغريات شتى، لتتحرر من عالم الآخرين، وتندفع عبر الكتابة للتعبير عن سفر الذات في أعماقها، بدل أن تغامر تلك الذات في استكشاف ذاتها عبر المرايا الأوسع للعالم الأوسع”.

وإن كان الكتاب قد “كتب لدرء الملل بينما كان صاحب البلاغ يقضي حكما بالسجن لمدة 42 يوما على غرفته لمشاركته في مبارزة غير قانونية”، فإنه يذهب بنا في رحلة عميقة لا إلى ذات كاتبه فحسب وإنما إلى عوالم متشابكة تجتمع فيها ثقافات متشابكة، كلها يستحضرها المؤلف ببراعة ليقدم أفكاره الجريئة عن الحياة والفن والوجود، في مواقف لا تخلو من طرافة عبر استنطاق أبسط الأشياء، مثل أثاث المنزل.

رحلة حول الغرفة

العرب: لا يخلو نص غزافيي دوميستر “رحلة حول غرفتي” من تقلبات الذات ومن شعرية في رؤية العالم من أبسط الأشياء إلى أعقد الأفكار، كيف ترى هذه الرحلة؟

أيمن حسن: هذا الكتاب لحظة فارقة في تاريخ الأدب الفرنسي والأوروبي والعالمي على حد السواء. نعم، هو كذلك، فهو لا يخضع لأية قاعدة بنيوية أو تاريخية أو أدبية أو اجتماعية. حتى الضوابط التي بفضلها يمكن أن نعتبر نصا كلاسيكيا غير متوفرة هنا. بهذا التوصيف، “رحلة حول غرفتي” لغزافيي دوميستر يشارك بعض النصوص الأخرى هذه الغرابة والعجائبية النصية والأدبية والإنسانية.

هنا، يجب التعامل مع هذا النص من خلال أبعاد متعددة، ربما أفقيا وعموديا حيث يقع نص غزافيي دوميستر في نقطة تقاطع: النص فات عصره لأنه وليد عصره (الثورة الفرنسية، الحرب، لغة الكاتب النبيلة، “الحجر” الذي فرض عليه، فعل الكتابة ذاته) وفات عصره معلنا عن عصر وربما عهد جديد في الكتابة والتفكير والأدب من خلال الغوص في رحلة حقيقية داخل الذات.

العرب: في رحلة غزافيي دوميستر يستحضر الكثير من الروافد الفنية مثل موسيقى شيروبيني وسيماروزا والثقافية مثلا بعودته لكتاب دانتي “الجحيم” وغيرها، ألا ترى ذلك متشابها مع الاستعادة الفنية والثقافية التي عاشها الأفراد المعزولون أيام انتشار فايروس كورونا، ألا يؤكد أهمية الفن والثقافة في العودة إلى الذات؟

لا يمكن مقارنة رحلة دوميستر بأية رحلة أخرى إذ تكمن عبقريته في فرادة نصه ونظرته وحياته

أيمن حسن: قطعا، أنقذت ثقافة غزافيي دوميستر الرجل من الحجر ومن العزلة ومن شبح اليأس وربما الموت. الثقافة هي الحياة، الثقافة هي ما يبقى حتى بعد الفناء. ألم تغني السيدة فيروز هذه الكلمات الجميلة المقتبسة من قصيدة “المواكب” للرائع جبران خليل جبرن “أعطني الناي وغن فالغناء سر الخلود/ وأنين الناي يبقى بعد أن يفنى الوجود”؟

يطيب لي أن أقول إننا، أيام الحجر الصحي، اكتشفنا أنفسنا وعائلاتنا وزوجاتنا وحتى أمهاتنا وآباءنا. وربما أكثر من ذلك. يعيش الناس حياة يومية مغلوطة وحتى وهم في بيوتهم، فبالكاد يتواصلون لأن شاشات التلفاز وخاصة الهواتف الجوالة تحجبهم عن بعضهم البعض.

كما أن العنف الذي لاحظناه خلال فترة الحجر يكشف عن قلق جديد في الحضارة وخاصة عن مجموعة من الأمراض النفسية المتفاقمة. لكن، من جديد، وحدها الثقافة من موسيقى وأدب وفنون جميلة وسينما ومسرح قادرة على حل مثل هذه المشاكل والمعضلات.

طبعا، ليس الأمر نسقيا وكتاب غزافيي دوميستر يكشف عن ذلك: يجب أن نرغب في الخروج من تلك الحالات وإلا فكل المحاولات ستتوج بالفشل.

العرب: إلى أي مدى تشابهت رحلة غزافيي دوميستر في غرفته مع رحلة كل منا بعد ثلاثة قرون؟

أيمن حسن: لا يمكن مقارنة رحلة دوميستر بأية رحلة أخرى. إذ تكمن عبقرية الرجل ونصه في فرادة كتابته ونظرته وحياته على حد السواء. فلقد ابتكر دوميستر مصطلح “رحلة حول غرفتي” أو حول الغرفة بصفة عامة، ولهذا السبب هو عبقري، شأنه شأن ذلك الذي كان أول من شبه حبيبته بالوردة، لكن لاحقه مقلد وربما غبي. من جهة أخرى، لا أشك في عبقرية البعض من الأدباء والفنانين الذين أبدعوا فعلا وحقا والذين سنكتشف بنات أفكارهم خلال السنوات القادمة.

أجد نفسي بين الأم العربية والحبيبة الفرنسية، في توازن غير مسبوق، كالراقص على الحبل في السيرك

العرب: كيف ترى مساهمة جائزة ابن بطوطة في التحفيز على الترجمة والكتابة والتحقيق في أدب مهم مازال الإنسان في حاجة إليه رغم ثورة التكنولوجيا؟

أيمن حسن: تحتفل جوائز ابن بطوطة بعيد ميلادها العشرين. لقد صارت بمرور السنين جوائز قيمة، لا لقيمتها المادية فحسب، بل خاصة لقيمتها الأدبية والأكاديمية ولجدية لجان التحكيم المتكونة من أدباء وباحثين وشعراء وجامعيين. ولقد ساهمت جوائز ابن بطوطة في التعريف بكتب مهمة عبر التحقيق والترجمة والإبداع.

في ما يخصني، لم أترجم “رحلة حول غرفتي” لنيل هذه الجائزة أو غيرها، فأنا لا أعمل على هذا المنوال. ترجمت كتاب “صديقنا” غزافيي دوميستر لصديق عزيز لا يقرأ الفرنسية ولأن فعل الترجمة كان مدفوعا بالحب والصداقة والشعر، فكانت النتيجة على هذا النحو من التألق.

ترجمت بعد هذا العمل نصا آخر عن غرفة أخرى: “غرفة في هولاندا” للكاتب الفرنسي الكبير بيير بيرغونيو (المولود سنة 1949) التي يروي فيها ولادة نص مفصلي آخر في تاريخ الفكر البشري “حديث الطريقة” لريني ديكارت (1637). سيكون لهذا العمل شأن كبير لأسباب عديدة أولها فعل التأريخ الموسوعي لنص أحدث ثورة معرفية حقيقية للإنسانية جمعاء. كما أني أجريت حوارا مع الكاتب وسيرى النص النور قريبا عند دار خطوط وظلال بالأردن.

ترجمة الشعر

العرب: تكتب بلسانين، على حد تعبير عبدالفتاح كيليطو أنت “بلسان مفلوق”، شق فرنسي وشق عربي، ألا يشتت ذلك الشاعر والكاتب فيك؟

غزافيي دوميستر كاتب خارج التصنيف
غزافيي دوميستر كاتب خارج التصنيف

أيمن حسن: قطعا لا، فكل لغة تمنحني كلمات ومنهجية مختلفة. طبعا، أشعر بأني شاعر ومبدع بالفرنسية قبل كل شيء، لكن عشت في الآونة الأخيرة أحاسيس وآلاما وأفراحا وأتراحا فرضت علي الكتابة بالعربية. المسألة حضارية بالأساس ووضع بلدي تونس يفرض علي الكتابة بلغتي الأم. أجد إذن نفسي بين الأم والحبيبة، في توازن غير مسبوق، كالراقص على الحبل في السيرك، بين ما يسميه أهلي “الوسادة والولادة”، وهذا إبداع في حد ذاته.

العرب: كيف ترى الشعر اليوم، ما بعد حركات هزت أشكاله وجوهره. ولماذا تكتب الشعر؟

أيمن حسن: لا أكتب الشعر، هو من يكتبني: منذ يومين، خلال العمل في الجامعة، وجدتني بصدد كتابة أبيات شعرية (بالفرنسية). لم أفهم لماذا، بالكاد كتبت ما علي كتابته فكانت الأبيات موزونة وذات قافية. الأمر غريب وعجيب لكنه أدهش الزميلة الحاضرة (أستاذة ألمانية) التي نشرت الخبر قائلة إن “شيطان الشعر يسكن أيمن حسن”.

العرب: هناك عدة شعراء ينادون بأن الشعر ابن لغته بالضرورة، وبالتالي باستحالة ترجمته. كيف ترى ترجمة الشعر؟

أيمن حسن: من هم؟ لا أعرفهم شخصيا ولا نظريا. أعتقد أن على مترجم الشعر أن يكون شاعرا نفسه. بهذه الطريقة، كل شيء ممكن. من جهة أخرى، لا أحب كثيرا التنظير فهو يقتل الفعل. الترجمة فعل بالأساس. أنا أترجم، إذن أنا أفعل، إذن النصوص موجودة.

الثقافة الفرنسية المعاصرة، في الجامعة والشارع وما بينهما من فضاء فكري وإبداعي، أعتبرها من أبرز ثقافات العالم

العرب: تحفل الشعرية العربية بالكثير من التجارب الجيدة والتي تستحق الظهور في لغة موليير، وهو جهد أكبر من الجهد الفردي الذي تقوم به، كيف ترى إمكانية تحقيق حركة ترجمة من العربية إلى الفرنسية ولغات أخرى؟

أيمن حسن: يجب بعث مجمع عربي كامل للترجمة بالتعاون مع شعراء ومترجمين في لغات الوصول. المسألة دقيقة وجدية ومعقدة. هي فعل حضاري ومؤسساتي مهم ومهم جدا. لكن ليس هذا ممكنا في الوضع الراهن. نحن نعيش فترة حرجة تتأرجح بين العدم وظله. لهذا السبب، أنا يساري يؤمن بالوحدانية والعمل الفردي إبداعيا.

العرب: أكاديميا هل هناك حركة نقدية حقيقية في مواكبة الشعر الفرنسي المعاصر اليوم؟ ألسنا عالقين في خمسينيات القرن الماضي، وأحيانا أبعد عند حدود بودلير وفيرلان ورامبو؟

أيمن حسن: طبعا، توجد مدارس جديدة في النقد والقراءة والبحث. أجريت في الآونة الأخيرة حوارا مع غيوم أرتوس بوفي وهو فيلسوف وشاعر فرنسي شاب (من مواليد 1979) يرأس اليوم المركز الدولي للفلسفة الذي أسسه جاك ديريدا وترأّسه الراحل ميشال دوغي.

كتب غيوم أرتوس بوفي عميقة وتستعمل طرقا جديدة في السؤال والبحث. سأترجم حواري معه ليصدر قريبا في مجلة الجديد تحت رعاية صديقنا الشاعر نوري الجراح. من خلال هذه الترجمة وغيرها (رولان جاكار، دوريان أستور، بيليندا كانون، أنزا بالاميرا، جان كلود بانسون، ريني دي سيكاتي، جان كريستوف بايي وغيرهم)، يمكن للقارئ العربي تكوين نظرة عن النقد والفعل النقدي والإبداعي اليوم في فرنسا.

حضارة مغاربية – فرنسية

العرب: بين الثقافتين العربية والفرنسية جسور متينة، لطالما كان التأثير حاضرا خاصة من قبل الثقافة الفرنسية بما فيها من وهج حداثي، أما زال لها نفس التأثير؟

الفكر والشعر والفن في فرنسا قيم لا شك فيها وهي مجعولة منذ قرون لتحمي الإنسان ولتكرس آدميته

أيمن حسن: طبعا، وإن كره الكارهون. جديا، أعتبر الثقافة الفرنسية المعاصرة، يعني ثقافة اليوم، في الجامعة والشارع وما بينهما من فضاء فكري وإبداعي، من أبرز ما يكون في العالم، فستبقى فرنسا قطبا فكريا وإنسانيا بشهادة الثقافات الأخرى كالأنجلوسكسونية واليابانية والصينية وغيرها.

الفكر والشعر والفن في فرنسا قيم لا شك فيها وهي مجعولة منذ قرون لتحمي الإنسان ولتكرس آدميته. فالمسألة ليست سياسية ولا اقتصادية. هي فكرية ولا عزاء للبيترودولار ولا لأصحاب الفكر الرأسمالي القاتل والكاذب.

العرب: ألا ترى أن الثقافة الفرنسية تراجعت نسبيا؟

أيمن حسن: تسألني هنا نفس السؤال الذي أطرحه على أصدقائي الفرنسيين وكلهم يجيبون على نفس المنوال لكن بطرق مختلفة وفق تفكير ووجهة نظر ومرجعيات كل منهم: بإمكاننا نحن التونسيون والجزائريون والمغاربة التأسيس لحضارة مغاربية فرنسية أو بالأحرى فرانكفونية متوسطية تحت راية فكر الأنوار والعدل والمساواة وحقوق الإنسان التي نصت عليها الثورة فالجمهورية الفرنسية.

لكن، بين فكر إخواني مريض وآخر أطلسي لا حدود لأطماعه وعوامل أخرى لا غاية في نفوسها المريضة غير التدمير، فشل هذا المشروع التنويري. لكن، يمكننا إعادة إحيائه والذهاب قدما نحو عالم أرحب.

11