السينما المصرية تعوّض غياب الدراما التاريخية عن التلفزيون

لا توجد خلطة سياسية محددة.. وسوق الإعلانات تتحكم في الأعمال الفنية.
الجمعة 2022/07/22
أعمال تاريخية تجارية

بعد أن فرضت سوق الإعلانات ومنطق الربح والخسارة على المسلسلات التلفزيونية التوجه نحو الدراما الاجتماعية، انحازت السينما المصرية إلى الأعمال التاريخية المصحوبة بالأكشن والتي لاقت انتشارا واسعا، ويسلط هذا الأمر الضوء على ضرورة التفاف الجهات الرسمية للأعمال التاريخية لإحداث تنوع في المادة المقدمة لمتابعي الدراما، مع الاهتمام بوقائع تاريخية حقيقية دون التركيز على خدمة فكرة أو نظام بعينه.

القاهرة - توسعت السينما المصرية في تسليط الضوء على حقب تاريخية مختلفة مؤخرا، فقدمت خمسة أعمال فنية يمكن تصنيفها في إطار الأعمال التاريخية في السنوات الخمس الماضية، بدءاً من “الكنز1” و“الكنز2”، و“الممر”، و“حرب كرموز”، وأخيراً “كيرة والجن” المعروض حاليًا تزامناً مع انطلاق موسم عيد الأضحى ويشهد إقبالاً جماهيرياً أعاد الزخم إلى هذه النوعية من الأعمال، ويشجع على تكرارها بتجارب مبتكرة.

تأتي هذه الصحوة غير المعتادة للسينما المصرية في وقت خلت فيه غالبية الأعمال المقدمة في العديد من المحطات التلفزيونية من المسلسلات التي تؤرخ لمراحل تاريخية سابقة، حيث هيمنت الدراما الاجتماعية وذات الأبعاد الوطنية على المحتويات المقدمة.

كان مسلسل “سرايا عابدين” الذي عرض عام 2014، ثم مسلسل “الشاه والسلطان” في العام 2018 آخر الأعمال، وهما من إنتاج سعودي وضم كلاهما عددا كبيرا من النجوم المصريين والعرب.

وبعد أن كانت الدراما تعج بالأعمال التاريخية في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي أضحت السينما مهيمنة على الأفلام ذات القالب التاريخي، ما يثير تساؤلات عديدة حول غياب المسلسلات التي حققت نجاحات وكانت تصل إلى الجمهور بسهولة وأكثر قدرة على الغوص في تفاصيل مراحل سابقة تمثل محطات مجهولة.

ويتفق البعض من النقاد على أن الميزانيات الهائلة التي تحتاجها الأعمال التاريخية مع عدم القدرة على تسويقها جيدا على القنوات الفضائية سبب رئيسي في عدم التركيز على تقديمها، وهو ما يتزامن مع غياب الإنتاج الحكومي الذي تعامل مع الكثير من الأعمال كقيمة ثقافية وفكرة بعيداً عن المنظور التجاري لشركات الإنتاج الخاصة.

المضمون السياسي أولا

جاءت الأعمال التي تحوي مضمونا وطنيا حماسيا على رأس أولويات الجهات الحكومية التي قدمت أعمالا درامية السنوات الماضية، وقد تعامل البعض مع مسلسلات “كلبش” و“الاختيار” و“هجمة مرتدة” وغيرها من الأعمال التي ترسخ بطولات الجيش والشرطة والاستخبارات بعد ثورات الربيع العربي كأعمال تاريخية تستفيد منها الأجيال التي لم تكن مدركة لطبيعة ما جرى في هذه المرحلة.

ماجدة خيرالله: شركات الإنتاج غير قادرة على تقديم دراما تاريخية ملحمية

يشكو البعض من المؤلفين المهتمين بتقديم الأعمال التاريخية من عدم وجود جهات إنتاج لديها رغبة في تقديم هذا النوع من الفن، وهو ما ولّد حالة من الركود على مستوى الكتابة، انعكست على تردي جودة الأعمال التي يمكن تقديمها، كما حدث مع مسلسل “الملك أحمس” الذي توقف العمل فيه العام الماضي بعد اكتشاف جملة من الأخطاء في الحملة الدعائية التي سبقت عرضه.

وكشف الكاتب يسري الجندي عن انتهائه من كتابة أربعة مسلسلات تاريخية جديدة، رأى أنها مشروعات مجمدة، لأنه لم يتعاقد مع أي جهة تتولى عملية إنتاجها، بينها مسلسل يحمل اسم “أمس جذور المدينة” يروي وقائع تاريخية عن كيفية انتزاع الفلاح المصري قديمًا حقه في الأرض، وآخر يتناول حياة الملكة “شجر الدر” وهي جارية السلطان الصالح نجم الدين أيوب سابع سلاطين الدولة الأيوبية وحكمت مصر، وهو عمل ينتمي إلى السير الذاتية.

يبدو أن مساعي شركات الإنتاج لضمان تحقيق أرباح مالية جراء الأعمال الاجتماعية التي تهيمن على المسلسلات التي عرضت في الآونة الأخيرة غلب على مخاوفها من تعرضها لخسارة مادية حال لم تحقق الأعمال المعروضة رواجًا جماهيريًا، واختارت المجازفة في السينما على حساب التلفزيون الذي يخضع لسوق العرض والطلب وتتحكم الإعلانات في قدر كبير من حسابات شركات الإنتاج.

يشكل الاهتمام بالأفلام التاريخية، وإن تعرضت لكثير من النقد، تطوراً إيجابيًا بعد أن طغت الفوضى على الأعمال المقدمة في السينما أو التلفزيون مع انسحاب الجهات الحكومية التي امتلكت القدرة على توجيه دفة الأعمال المقدمة وبدا أن استعادة السيطرة من جديد عبر الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية في مصر جاءت بثمارها.

تطور إيجابي.. ولكن

قالت الناقدة الفنية ماجدة خيرالله إن الاهتمام بتقديم الأفلام التاريخية عملية إيجابية ولابد من تشجيعها والاستمرار في تقديم المزيد من الأعمال التي تبقى راسخة في عقول الأجيال القادمة، وإن تعدد وسائل عرض الأفلام عبر المنصات الرقمية والتلفزيون يجعلها تضاهي الانتشار الذي قد تحققه حال تحويلها إلى أعمال درامية.

رامي متولي: لا بدّ أن تحظى الأعمال التاريخية بدعم رسمي وتبتعد عن التوجيه

وأضافت في تصريح لـ”العرب” أن شركات الإنتاج في مصر تعاني من عدم القدرة على تقديم دراما تاريخية ملحمية على الشاشة الصغيرة، ولا تتماشى المسلسلات المقدمة خلال العقود الماضية مع قيمة الفن المصري، ومن المفترض ألاّ تتوقف عملية تقديم الأعمال التاريخية ويتم توفير الإمكانات الفنية اللازمة.

خلطة فنية معقدة

هناك تغير حدث مؤخرا في مفهوم التاريخ، حيث لم يعد يقتصر على البعد السياسي للحكام وأصبح هو تاريخ الناس والشعوب بشكل عام، ويرتبط الموضوع بطريقة التناول والأهداف التي تنطوي عليها، فالأمر الهام يكمن في البحث عن وسائل جديدة، فالوثيقة التاريخية وحدها غير كافية كوسيلة لكتابة التاريخ.

أكد الناقد الفني رامي المتولي لـ”العرب” أن الأعمال التاريخية تحظى باهتمام جماهيري بشكل مستمر ويوجد تشوق لتلك التي تؤرخ لحقب مختلفة، غير أن المشكلة تكمن في القدرة على الخروج بأعمال ذات جودة فنية متميزة، فميزانية فيلم “الكنز1 و2” كانت مرتفعة للغاية، لكن العمل جاء في المستوى المتوسط فنيا.

قدمت السينما المصرية فيلم “الكنز” بجزءيه الأول والثاني عامي 2017 و2019 وتدور أحداثه حول عودة عالم المصريات حسن بشر إلى منزل عائلته في الأقصر بعد أن درس علم المصريات في أوروبا، ويكتشف أن والده ترك له وصية مسجلة يروي فيها الكثير من تفاصيل حياته.

ووجدت برديات تعود إلى فترة حكم الملكة حتشبسوت، ومذكرات مكتوبة بخط اليد ومنسوبة إلى البطل علي الزيبق، لتتراوح الأحداث بين العصر الفرعوني والعصر العثماني والنصف الأول من القرن العشرين خلال فترة حكم الملك فاروق ليبحث حسن وسط كل هذا عما تركه والده.

الاهتمام بالأفلام التاريخية يشكل تطوراً إيجابيًا بعد أن طغت الفوضى على الأعمال المقدمة في السينما أو التلفزيون

وأشار المتولي إلى أن الدراما المصرية قدمت مؤخراً أعمالا تاريخية بصبغة مجتمعية دون أن تركز بشكل رئيسي على وقائع يمكن الاستفادة منها على المستوى الثقافي أو المعرفي مثل مسلسل “القاهرة 80” الذي يؤرخ لفترة ثمانينيات القرن الماضي، وأن حصر الأعمال التاريخية في المحتوى الذي يسلط الضوء على حقبة تاريخية قديمة يدفع إلى القول إن الأعمال التاريخية غابت عن الدراما.

وذكر لـ”العرب” أن الإفراط في تقديم الأعمال التاريخية خلال ثمانينيات القرن الماضي واجه أزمات الاستسهال وغياب الرؤية الثاقبة للأحداث القديمة، ما انعكس سلبًا على جودتها، ولذلك من الضروري أن تحظى الأعمال التاريخية بدعم رسمي وتبتعد عن التوجيه المبالغ فيه لوقائع تاريخية لخدمة فكرة أو نظام بعينه.

وأخذت غالبية الأعمال التاريخية والوطنية الشكل التقليدي للدعاية لأجهزة سيادية في مصر، لكن دقة الصناعة ودفء العواطف والحرفية العالية في بنائها الدرامي جعلتها تحقق غرضها السياسي، ما يمكن توظيفه في إنتاج المزيد من الأعمال التاريخية الممزوجة بدوافع وطنية بعيداً عن تسليط الضوء على فترات عايشتها الأجيال الحالية.

15