"السماء الحديدية" كوميديا ممزوجة بالخيال العلمي فوق سطح القمر

في الفيلم هناك كوكب بديل عامر بالحياة هو القمر، ولكنه كوكب حافل بالصراعات وأشكال شتى من الكائنات، وذلك في إطار يجمع ما بين الخيال العلمي والفانتازيا والكوميديا
الاثنين 2019/07/22
الملاذ الأخير هو القمر

في سينما الخيال العلمي هناك مساحات واسعة للتجريب من أجل تقديم معالجات سينمائية تحاول الخروج عن الموضوعات المألوفة التي شاعت في هذا النوع السينمائي الذي يحظى بشعبية واسعة واهتمام كبير، إلاّ أنه في المقابل تحضر بكثافة دائما ثيمة استشراف المستقبل، كما هو الحال مع الفيلم الجديد “السماء الحديدية” للمخرج تيمو فيورينسولا.

لا شك أن المستقبل هو المفردة الأكثر تداولا في الكثير من أفلام الخيال العلمي، كيف هو شكل الغد والحياة والمكان والطبيعة وإلى أي مدى سوف تبقى البشرية تواصل الحياة على الرغم من الكثير من الأسباب التي قد تشل حركة الحياة أو تنهيها. من هنا كان الذي يكمل تلك الصورة المستقبلية هو احتمالات انهيار الحياة من جراء الكوارث الطبيعية أو الحروب والصراعات.

إنه قلق إنساني مشروع تشتغل عليه تلك التجارب السينمائية وتقدمه بأشكال وثيمات شتى، ومنها تجربة المخرج تيمو فيورينسولا في فيلم “السماء الحديدية” (إنتاج 2019) الذي يقدم صورة المستقبل من خلال كارثة نووية تضرب الأرض فتدفع الناجين للبحث عن مكان بديل لغرض العيش.

ويذهب المخرج بعيدا في هذه المعالجة السينمائية على افتراض أن الناجين يتم إجلاؤهم إلى الجانب المظلم من القمر وعلى افتراض أنه شبه جنة أرضية تصلح للعيش.

ورحيل البشر عن الأرض التي لم تعد صالحة للسكن والعيش في كوكب آخر سبق وقد عالجتها سينما الخيال العلمي في العديد من الأفلام ابتداءً من فيلم “رحلة إلى القمر” (إنتاج 1902) مرورا بفيلم “أبولو 13″ (1995) و”من الأرض إلى القمر” (1998) وفيلم “أوديسة الفضاء” (2001)، وفيلمي “حرب النجوم” و”سباق إلى المريخ” وكليهما من إنتاج العام 2007، وصولا إلى فيلم “أفتار” (2009) و”غرافيتي” (2013) و”النجمي” (2014) وفيلم “الوصول” (2016) و”الرجل الأول” (2018) وغيرها.

وفي فيلم “السماء الحديدية” هناك كوكب بديل عامر بالحياة هو القمر، ولكنه كوكب حافل بالصراعات وأشكال شتى من الكائنات، وذلك في إطار يجمع ما بين الخيال العلمي والفانتازيا والكوميديا، حيث بنى المخرج أحداث فيلمه على أساس المضي في الأحداث التي ظهرت في فيلم حمل العنوان نفسه في العام 2012، لكنه خرج بهذا الفيلم نحو معالجة أخرى مختلفة.

القمر يتحوّل إلى شبه جنة أرضية تصلح للعيش
القمر يتحوّل إلى شبه جنة أرضية تصلح للعيش

وليس مستغربا أن نعثر في تلك المتاهة على نسخة أخرى من هتلر وهو يؤدي دوره في رفض الناس الناجين أو قبولهم، ثم ما نلبث أن نكتشف حشدا من الزعماء والسياسيين القادمين من أنحاء العالم الأرضي من الذين نجوا من الكارثة الأرضية ومنهم شخصيات تشبه رئيسة الوزراء السابقة مارغريت تاتشر وأخرى شبيهة بالسياسية الأميركية سارة بيلين ورئيس كوريا وغيرهم. هنا سوف يمضي المخرج في هذه الكوميديا ليظهر الشخصيات وهي تجتمع في مشهد يشبه لوحة العشاء الأخير وذلك في إطار ساخر.

وتبرز هنا شخصية أوبي (الممثلة لارا روسي) وهي شخصية سريعة الحركة ومبتكرة، وذلك لكونها ابنة حاكمة إحدى مقاطعات القمر، ولهذا فهي التي سوف تستقبل المزيد من الناجين ومنهم ثلة من الناس القادمين من روسيا يقودهم ساشا (الممثل فلاديمير بورلاكوف).

وهنا سيتم الزج بصراعات سبق ورسخت في الأذهان كمثل الصراع الأميركي- الروسي، حيث إنه لن يتوقف حتى يصل إلى القمر وذلك من خلال الصراع ما بين الرئيسين الأميركي والروسي ومحاولة اغتيال يقف وراءها بوتين تستهدف رئيس الولايات المتحدة.

سوف نتوقع المزيد من الأحداث غير المنتظرة وغير المحسوبة في ظل اجتماع طوائف شتى من البشر من الذين نجوا واستوطنوا إحدى مقاطعات القمر. وفي المقابل، هناك ما يشبه العالم الجوراسي الذي سبق وتمت معالجته سينمائيا في العديد من الأفلام، وحيث تتجول الديناصورات حينا وتهاجم حينا آخر بما يُظهر تأثيرات عدد من أفلام الخيال العلمي الأخرى على هذا الفيلم.

وبالطبع هناك الكثير ممّا يرتبط بالشخصيات الدرامية الأكثر أهمية ومنها الفوهرر ومنها سارة بيلين وآخرين، وهم الذين يرسمون بخيالهم صورة مستقبل مختلف على سطح القمر.

المخرج يمضي في طرحه الكوميدي ليظهر شخصيات فيلمه وهي تجتمع في مشهد يشبه لوحة العشاء الأخير، ضمن إطار ساخر

أما بالنسبة لأوبي فمهمتها إنهاء مظاهر الخداع والإساءة إلى البشر، ومن ذلك تمردها على قرار أمها بمنع اللاجئين الروس من الهبوط من مركبة جلبتهم من الأرض طلبا للنجاة، وتاليا سوف يصطف ساشا مع أوبي في صراعهما مع تلك الطبقة من الساسة التي تجمعها طاولة العشاء الأخير.

عمد المخرج تيمو فيورينسولا إلى استخدام الكثير من الخدع البصرية والغرافيك بكثافة لكي يقدم صورة مقنعة لشكل الحياة على سطح القمر وجمالياتها وشكل الطبيعة الوارفة والديناصورات التي تسرح وتمرح.

وفي موازاة ذلك تم الزج بالمزيد من مشاهد الحركة من خلال شخصية أوبي وكذلك شخصية والدتها التي تواجه الديناصورات وتموت في تلك المواجهة، لتمضي أوبي في التقصي، فتكتشف الطاقة التي هي أقرب إلى الخرافة لهتلر، وحيث يرى أوبي كيف أنه إذا ما تم استئصال إصبعه فإنه بقدرة غرائبية يعيده فينمو من جديد وكأن شيئا لم يكن.

لا شك أن المعالجة السينمائية الفانتازية الممزوجة بالكوميديا أتاحت مساحة واسعة من الأحداث، حتى بدا السيناريو سائبا ومفككا في بعض الأحيان حافلا بالمقاطع الكوميدية لدرجة أن انتظار حبكات ثانوية إنما يقود في الغالب إلى بدائل أخرى يطغى عليها الحوار بين الشخصيات الرئيسية.

16