"السقوط".. مسرحية تنتقد ذاتيّة الإنسان الغربي المعاصر

ألبير كامو يرسم في "السقوط" صورة قاتمة عن الإنسان الغربي، المقطوع عن المفاهيم الأساسية للعدل والمسؤولية.
الاثنين 2021/09/13
محاسبة الذات على الخشبة

بعد “نشاز” لديدي كارون، و”لا مشكلة” لفيليب فرتراي، يحتضن مسرح “لاكونترسكارب” بباريس مسرحية أعدها المخرج جيرو بينيش عن رواية “السقوط” لألبير كامو، التي تتحدّث عن سقوط فعلي، وسقوط أخلاقي.

عُرف ألبير كامو (1913-1960) بروايتيه “الغريب” و”الطاعون”، وبأعماله الفكرية مثل “الإنسان المتمرّد” و”الإنسان الأوّل” و”رسالة إلى صديق ألماني”، مثلما عرف بمسرحياته التراجيدية مثل “العادلون” و”كاليغولا” و”أسطورة سيزيف” والسياسية مثل “الحصار”.

أما “السقوط” التي تعرض حاليا على خشبة “لاكونترسكارب” الباريسي، فهي في الأصل رواية قصيرة تنقل اعترافات بطلها، ليشخّص نفسية الإنسان الغربي وعقليته، وقد سبق أن اعتمد هذه التقنية في رواية “الغريب”، حيث البطل هو وحده متكلم الرواية، ما يفرض على القارئ وجهة نظر وحيدة، هي ما يقوله راو عليم. ولا يدري المتفرّج هل أنه يتوجّه بكلامه لشخص، أم قس على كرسي الاعتراف، أم أن يستبق الأعوام، ويعدّ ما سوف يقوله للذات العليا يوم القيامة.

بطل “السّقوط” جان باتيست كلامنس، محام سابق، وقاض تائب، يجد نفسه في بار قذر بأمستردام، يحاول الوقوف بعد أن لعبت الخمر بعقله وتعتعه السكر، ليروي لنديم مجهول حكاية قديمة عاشها في باريس، وظلت تبكّت ضميره.

طيلة ساعة، يتحدّث ليفرغ ما اختزنته ذاكرته المتعبة، في يأس حينا، وفي غضب حينا آخر، ويروي قصة سقوط، قصة تتفرّع أحيانا إلى عمليات سقوط عديدة، سقوط امرأة في نهر السين ذات مساء، ولم يسع لنجدتها، بل تركها لمصيرها، فظلت ذكراها تعذّب منه النفس بحضور حادّ ملموس.

من خلال ما يرويه كلامنس، نكتشف أنه كان محاميا لامعا تعشقه النساء ويحترمه الجميع، ولكنه مغرور متكبّر يعتبر نفسه أرفع من أن يلام على تقصير، فهو في نظر نفسه فوق أحكام البشر. كانت حياته محض أفراح وسعادة، إلى أن تحطّم كل ذلك تحت صوت ارتطام جسد بمياه نهر. حصل ذلك ذات مساء حين كان مارّا فوق أحد جسور باريس، فسمع ضحكة لا يعرف مصدرها، فكانت أشبه بصدى لما عاشه قبل سنوات، حين لمح امرأة شابة تلقي بنفسها في نهر السين من أعلى الجسر. في ذلك المساء، تجمّد في مكانه ولم يعرف ماذا يستوجب عليه فعله.

بقي يترقّب ويقلب النظر حوله عسى أن يُقدِم غيرُه على إتيان ما عجز هو عن فعله، ولكن لا أحد من المارة تحرّك، فاختار في النهاية أن يواصل طريقه، وكأن شيئا لم يكن، فالمسألة في رأيه لا تعنيه، لا من قريب ولا من بعيد. مضى في سبيله إذن دون أن يُنجدها أو يهتم بمصيرها.

ومنذ لحظة التذكّر تلك، تغيّرت حياته مهنيا واجتماعيا، فكانت بداية بحث وجوديّ، حيث هجر باريس ليستقرّ في أمستردام، وظل يهيم من مكان إلى آخر، ومن حانة إلى أخرى، دون أن تمّحي تلك الصورة من ذهنه، بعد أن وعى أن ذلك السقوط عقبه سقوط آخر، سقوطه هو أخلاقيا.

في تلك اللحظة، انقلبت حياته رأسا على عقب، وطفا ذنبه إلى السطح، سطح وعي مستعاد في لحظة صدق باهرة، فغدت حياته محكومة بأمر واحد هو خوفه من الحساب يوم القيامة.

مونولوغ ينهمر كسيل لا ينضب من الاعترافات
مونولوغ ينهمر كسيل لا ينضب من الاعترافات

صار يظنّ أن الناس جميعا ينظرون إليه نظرة احتقار، ويوجّهون له أصبع الاتهام، ويتوهّم أنهم يعتقدون كلهم أنه مذنب، وأنه كان قادرا على إنقاذ تلك الفتاة، ولم يفعل، عن أنانية أو جبن أو لا مبالاة.. لا يهمّ، المهمّ أنه لم يحرّك ساكنا لنجدتها.

من خلال تلك الحادثة، وموقف كلامنس منها، يرسم كامو صورة قاتمة عن الإنسان الغربي، فيصفه بكونه أنانيّا، منغمسا في المتع والشهوات، مقطوعا عن المفاهيم الأساسية للعدل والمسؤولية.

وقد عُدّ العمل في حينه علامة بارزة عالج فيها كامو ذاتانيّة الإنسان الغربي المعاصر، الذي لم يعد يرى سوى مصلحته، ولم يعد يعنيه سوى حياته الخاصة، إلى حدّ صار معه لا يبالي بمأساة غيره، يغضّ عنها طرفه بلا حياء. وكأنّ كامو هنا يتمثّل مقولة سقراط “حياة بلا امتحان لا تصلح أن تعاش”.

لقد استطاع ستانيسلاس دو لا توش أن ينقل بقوة وإقناع كلمات كامو، في توتّرها وهدوئها، وفي فورتها وخفوتها، عبر مونولوغ ينهمر كسيل لا ينضب.

وكان الإخراج موسوما بالبساطة والفاعلية، حيث الأضواء والأصوات تنقل المتفرّج بيسر، مرة داخل حانة صاخبة، ومرة وسط الشارع وضجيجه المتواصل، وأحيانا على حافة ماء متجمّد، وقد استعان جيرو بينيش بصور فيديو كي يدعم تلك المؤثرات التقنية، ليجع البطل أمام ذاته، وأمام ارتداد أنانيته، وأمام جبنه وذنبه.

وقد جعل الخشبة فضاءين، البيت والخمارة الهولندية، يتنقّل بينهما البطل كما يتنقّل بين الكلمات، مثلما جعل “مثالة” كناية عن حضور الفتاة موضوع العمل كله، ومنطلقه، وكأنها تذكّر البطل بذنبه، ولكن لا أثر للجليس، وكأنما هو شخص متخيّل، قد يكون القارئ أو المُشاهد أو الضمير الحي الذي يحاسِب أمامه البطلُ نفسَه، ولئن كان الديكور في حدوده الدنيا، فإن كل شيء فيه له دلالته ورمزيته.

16