السعودية لاعب رئيسي ورابح في الرياضة الإلكترونية

استثمارات ضخمة لتأكيد مكانة المملكة على الخارطة العالمية.
الجمعة 2022/09/23
مرحبا في العالم القادم

في خطوة جديدة نحو الريادة وجعل السعودية تتبوأ مركزًا عالميًا بحلول عام 2030، أطلقت “الإستراتيجية الوطنية للألعاب والرياضات الإلكترونية”؛ خاصة أن 21 مليون شخص (قرابة ثُلثي إجمالي السكان في السعودية) يعتبرون أنفسهم لاعبين.

الرياض - يرتدي لاعبون من ثماني دول سماعات رأس لاسلكية وأكمام أصابع مضادة للتعرّق، فيما يتحكمون في شخصيات رمزية تحمل السلاح في معركة افتراضية، تحت أنظار جمهور متحمس يشاهد الحدث على شاشة كبيرة في الرياض.

وهذه الجولة التنافسية جزء من Gamers8 (غيمرز8)، وهو مهرجان صيفيّ يسلط الضوء على صعود السعودية كلاعب رئيسي في مجال الألعاب الإلكترونية على المستوى العالمي، ويأمل مسؤولون أنّ ينافس هذا المهرجان عمالقة هذا القطاع مثل الصين وكوريا الجنوبية.

وكما هو الحال مع فورمولا 1 وبطولات الغولف للمحترفين استفادت السعودية، التي تعتبر أكبر مصدر للنفط الخام في العالم، خلال السنوات الأخيرة من ثرواتها الهائلة لتأكيد مكانتها في قطاع الرياضات الإلكترونية.

وأثارت هذه التحركات انتقادات كان المسؤولون السعوديون يتوقعونها، حيث اعترض بعض قادة الرياضات الإلكترونية على سجل الرياض في مجال حقوق الإنسان.

لكنّ الافتقار إلى التمويل طويل الأجل للرياضات الإلكترونية يجعل هذا القطاع حريصاً بشكل خاص على التعامل مع السعوديين، وهو ما يفسر سبب خفوت رد الفعل نسبيا حتى الآن، حسب ما أفاد به محللون. وصار اللاعبون السعوديون يستمتعون بالمكانة الجديدة لبلدهم والجوائز الكبيرة التي بوسعهم الحصول عليها.

وقال فيصل الغفيري (22 عاما)، الذي شارك في بطولة لعبة “باتل رويال” التي تضمنت جوائز مالية بلغت قيمتها ثلاثة ملايين دولار، “في الماضي لم يكن هناك دعم”. وأضاف “الحمد لله، الآن هو أفضل وقت بالنسبة إليّ لممارسة الرياضات الإلكترونية والمشاركة في البطولات”، مشيرا إلى أن ما كان يوما يشكل هواية تحول إلى “وظيفة” مربحة.

دعم من القيادة

ت

ويأتي اهتمام السعودية بقطاع الألعاب والرياضات الإلكترونية من أعلى هرم السلطة، حيث يُعرف أنّ ولي العهد الأمير محمد بن سلمان لاعب شغوف بلعبة “كول أوف ديوتي”.

وتم تأسيس الاتحاد السعودي للرياضات الإلكترونية في عام 2017، ومذّاك ازداد عدد فرق الرياضات الإلكترونية في المملكة من فريقين إلى أكثر من 100 فريق. وأظهر استطلاع رأي أن 21 مليون شخص (قرابة ثلثي عدد السكان) يعتبرون أنفسهم لاعبين.

وفي يناير الماضي أطلق صندوق الاستثمارات العامة، الذي يرأسه ولي العهد الأمير محمد، مجموعة ساي للألعاب الإلكترونية التي استحوذت على شركتي “أي أس أل” و”أف إيه سي أي آي تي” في صفقتين بنحو 1.5 مليار دولار.

وفي الأسبوع الماضي، أطلق ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان الإستراتيجية الوطنية للألعاب والرياضات الإلكترونية، في خطوة جديدة نحو الريادة وجعل السعودية مركزًا عالميًا في هذا القطاع بحلول عام 2030، مما يدعم تحقيق أهداف رؤية المملكة 2030 في تنويع الاقتصاد وتوفير الفرص الوظيفية في مختلف القطاعات، وتقديم ترفيه عالي المستوى للمواطنين والمقيمين والزائرين على حد السواء.

الجولة التنافسية "غيمرز8" سلطت الضوء على صعود السعودية كلاعب رئيسي في مجال الألعاب الإلكترونية عالميا

وقال ولي العهد “إن طاقة وإبداع الشباب السعودي وهواة الألعاب الإلكترونية هما المحرك للإستراتيجية الوطنية للألعاب والرياضات الإلكترونية، التي تلبي طموحات مجتمع الألعاب محلياً وعالمياً من خلال توفير فرص وظيفية وترفيهية جديدة ومميزة لهم بهدف جعل المملكة مركزًا عالميًا لقطاع الألعاب والرياضات الإلكترونية بحلول 2030”.

وتضم الإستراتيجية أهدافا رئيسية ذات تأثير مباشر على المواطنين والقطاع الخاص ومحبي ومحترفي الرياضات والألعاب الإلكترونية في مختلف أنحاء العالم، تتمثل في رفع جودة الحياة من خلال تحسين تجربة اللاعبين وتوفير فرص ترفيهية جديدة، وتحقيق أثر اقتصادي بالمساهمة في الناتج المحلي الإجمالي بنحو 50 مليار ريال بشكل مباشر وغير مباشر، واستحداث فرص عمل جديدة تصل إلى أكثر من 39 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة بحلول عام 2030، وتوفير البيئة التأسيسية لتطوير الكفاءات، كما تبتغي الوصول إلى الريادة العالمية وتعزيز مكانة السعودية على الساحة الدولية، من خلال إنتاج أكثر من 30 لعبة منافسة عالميًا في أستوديوهات المملكة.

وتعتزم المملكة تنفيذ هذه الإستراتيجية من خلال 86 مبادرة تغطي كافة سلسلة القيمة، تقوم بإطلاقها وإدارتها قرابة 20 جهة حكومية وخاصة، ومن بين ذلك إطلاق حاضنات أعمال واستضافة فعاليات كبرى للألعاب والرياضات الإلكترونية وتأسيس أكاديميات تعليمية وتطوير اللوائح التنظيمية المحفزة التي تضمن مواكبة وتيرة النمو المتسارعة في هذا القطاع. وتتوزع هذه المبادرات على ثمانية محاور تشمل تطوير التقنية والأجهزة، وإنتاج الألعاب، والرياضات الإلكترونية، والخدمات الإضافية، فضلا عن المحاور الأخرى التي تشمل البنية التحتية واللوائح التنظيمية والتعليم واستقطاب المواهب وكذلك التمويل والدعم المالي.

ويأتي إطلاق ولي العهد لهذه الإستراتيجية استكمالًا للعديد من المبادرات والنجاحات الكبيرة التي حققتها السعودية في الفعاليات الترفيهية والرياضية والألعاب الإلكترونية، في إطار رؤية 2030، وخاصة في ظل ما يشهده هذا القطاع من ثورة ونمو متسارع من شأنه توفير فرص جديدة وجوهرية تتطلب وجود إستراتيجية وطنية لتسخير ما تحظى به المملكة من قدرات وإمكانيات غير مستغلة، وذلك من أجل مواكبة التطورات في هذا القطاع وضمان التكامل مع القطاعات الإستراتيجية الأخرى وتعظيم الفائدة على اقتصاد الوطن وتمكين المواطن وزيادة مشاركة القطاع الخاص وتعزيز مكانة السعودية دوليًا.

تحديات  قادمة

جمهور متحمس
جمهور متحمس

يعد قطاع الألعاب الإلكترونية الأسرع نمواً في القطاعات الإعلامية، ويتزايد جمهوره بشكل متسارع ما يجعله اقتصادًا بحد ذاته، ويُتوقع أن يصل إلى 200 مليار دولار أميركي بحلول عام 2023. كما يشكل موقع المملكة كجسر جغرافي بين العالم الغربي والشرقي، وما تتمتع به من جيل يافع مهتم ومحب للألعاب الإلكترونية ويصل عدد أفراده إلى 21 مليون شخص تقريبًا، مقومات تعزز طموح السعودية إلى أن تكون مقرًا لابتكارات مستقبل الألعاب، وجاذبًا لمطوري الألعاب في العالم، ومنصة عالمية للرياضات الإلكترونية، تجذب المواهب والشركات العالمية، وتسهم في تحقيق أثر محلي وعالمي في القطاع، انسجامًا مع أهداف رؤية المملكة 2030.

ومن المقرر أن تستضيف الرياض في العام المقبل ألعاب الرياضات الإلكترونية العالمية التي توصف بأنها “أبرز” حدث في قطاع الرياضات الإلكترونية التنافسية في العالم.

وقال الرئيس التنفيذي لشركة “بريتيش إسبورتس” تشيستر كينغ “أعتقد أن الأمر المذهل هو أن الحكومة (السعودية) وضعت الرياضات الإلكترونية في المقدمة فيما الكثير من الدول لا تزال تحاول تحديد موقعها”. وتابع “يمكنني القول إنّ الاستثمار (السعوديّ) ربما يكون الأعلى في العالم”.

خيار طبيعي

ومن المتوقع أيضا أن تكون الألعاب عنصرا رئيسيا في مشاريع التنمية الهائلة التي تنكب عليها السعودية مثل مدينة نيوم المستقبلية على ساحل البحر الأحمر، والتي تضم مدينة “ذي لاين” التي عرضها يبلغ 200 متر فقط على امتداد 170 كيلومتراً، وارتفاعها يبلغ 500 متر فوق سطح البحر.

100

فريق في الرياضات الإلكترونية بالمملكة حاليا، و21 مليون سعودي يعتبرون أنفسهم لاعبين

ورغم ذلك تعد نيوم أيضا المكان الذي واجهت فيه السعودية أكبر انتكاسة في مجال الرياضات الإلكترونية؛ فقبل عامين أعلنت شركة “رايوت غيمز” الأميركية عن شراكة من شأنها أن تجعل نيوم راعيا للبطولة الأوروبية للعبة “دوري الأساطير”.

وأثار الإعلان حينها احتجاجا فوريا وكبيرا، بقيادة لاعبين من مجتمع الميم الذين أدانوا حظر السعودية للمثلية التي يمكن أن تشكّل جريمة يعاقب عليها بالإعدام في المملكة المحافظة.

ويعتبر دوري الأساطير صديقا للمثليين والمتحولين جنسيا؛ إذ قام الأسبوع الماضي بتسمية نجم الهيب هوب المثلي ليل ناس إكس “رئيسا” له، وهو لقب فخري. وفي غضون 24 ساعة من إعلان نيوم تراجعت شركة “رايوت غيمز”، وأنهى منظم البطولة الدنماركي بلاست اتفاقه الخاص مع المدينة الضخمة بعد أسبوعين تقريبا.

وقال جايسون ديليستر من جامعة ليل في فرنسا الذي يدرس الأبعاد الجغرافية السياسية للرياضات الإلكترونية “ستظل سمعة السعودية دائما عائقا أمام مجتمع الرياضات الإلكترونية على الرغم من محاولات تحسينها”. إلا أنّ هذه المخاوف لم تحبط عزيمة المسؤولين السعوديين الذين يواصلون دعمهم الكبير لعالم الرياضات الإلكترونية.

وقال توبياس تشولتس خبير الرياضات الإلكترونية في جامعة سيغن في ألمانيا إنّ “الألعاب كانت دائما أكثر مرونة من الناحية الأخلاقية لأنها تعتمد في الغالب على مشاريع وتفتقر إلى نموذج أعمال مستدام”. وأضاف أنّ “الرياضات الإلكترونية تحتاج إلى المال مقارنة بالغولف أو غيره”.

بدوره رفض رئيس الاتحاد الدولي للرياضات الإلكترونية فلاد مارينيسكو أي إشارة إلى أن المملكة تستخدم الرياضات الإلكترونية لمحاولة تبييض سمعتها. وذكر مارينيسكو لوكالة فرانس برس أنّ “التبييض كلمة يجب أن يسبقها شيء قذر. ثقافة السعودية جميلة وغنية”.

وقال رئيس الاتحاد السعودي للرياضات الإلكترونية الأمير فيصل بن بندر بن سلطان لفرانس برس إن رؤيته هي أن تصبح المملكة خيارا طبيعيا لمحبي الرياضات الإلكترونية.

وأضاف أنّ “أحد أكثر الأشياء التي أدهشتني خلال فاعليتنا الأخيرة غيمرز8 هو عدد اللاعبين السعوديين الشباب الذين جاءوا إليّ وقالوا كنا نحب دائما مشاهدة هذه الأمور لكننا لم نعتقد أبدا أننا سنحصل عليها هنا”. وتابع أنّ “هذه هي المشاعر وهذه هي الصورة التي أريد الاحتفاظ بها”.

Thumbnail
18