الرواية مسرح أفكار بطلتها حكيمة تتفلسف في كل شيء

قضايا المرأة العربية تحتل مكانا أساسيا في رواية "السجينة 48" التي سعى من خلالها الكاتب خليل خميس إلى تخليد امرأة استثنائية في نظره.
الجمعة 2020/01/24
امرأة ترى العالم بشكل أوضح (لوحة للفنانة زينة عاصي)

مثلما يجنح العمل الأدبي إلى التخييل بحثا عن آفاق رحبة يؤسس فيها معماره، فإن الروائي يظل مشدودا إلى قضايا الواقع وانشغالاته التي تُلِحّ عليه في عوالمه الأدبية المُتخيّلة، ليصير العمل الأدبي مُعبِّرا عن أفكار ترتبط بقضايا المُجتمع وقيمه الإنسانية. من هذا المنظور يُمكن قراءة رواية “السجينة 48” الصادرة حديثا عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر للروائي العُماني خليل خميس.

من خلال حوار يدور بين كاتب يُدعى “عُمر” وصديقه الناشر “نعيم”، تبدأ أحداث رواية “السجينة 48” لتروي قصة امرأة تُدعى “راشدة” أودعت السجن بسبب تُهمة قتل مُلفّقة.

 تتكشف أفكار الرواية وموضوعها لا من خلال أحداث خطيّة تقليدية ولكن من خلال ذلك الحوار المُتبادل الذي يستند إلى استحضار مُقابلات ورسائل يسعى الكاتب إلى نشرها في كتاب تخليدا لامرأة استثنائية في نظره، وهو ما يمنح الكاتب مساحة أوسع للتعبير عن أفكاره.

حديث مع سجينة

يقود الحوار القصير بين الكاتب والناشر إلى استدعاء الرسائل المُتبادَلة بين الكاتب والسجينة، وكذلك استدعاء الحوارات المُتبادلة بينهما في سجنها على مدار ثمانية أشهر، والتي جاءت بعدما طلب منه جهاز الأمن استخراج الاعترافات الحقيقية منها لكن ذلك الطلب قاده إلى اكتشاف أبعاد أخرى لتلك الشخصية تتجاوز وضعها القائم إلى حقيقتها المُغيّبة والغائبة، لتنتهي الرواية بخبر يُطالعه عُمر في الصحيفة بشأن صدور الحُكم في قضية السجينة دون تحديد واضح له.

لا تقتصر الرواية على ذلك الجانب الحدثي البسيط والواضح تماما، والذي عمد الكاتب إلى تجنب التركيز عليه بُغية النفاذ مباشرة لما خلفه من أفكار. وإنما من خلال شخصية السجينة يُجرى ترميز وضع متأزم عاشه العالم العربي منذ حرب 1948 وحتى اللحظة الراهنة، كانت فيه الأمة العربية ولا تزال سجينة أفكار وأوضاع مشرذمة أدت إلى إحكام القبضة عليها وتأزيم موقفها عقدا بعد الآخر لتظل تواجه الإشكاليات ذاتها في مراوحة لا تقوى على الخروج منها.

رواية ترمز إلى وضع متأزم عاشه العالم العربي منذ حرب 1948
رواية ترمز إلى وضع متأزم عاشه العالم العربي منذ حرب 1948

يبدأ التأسيس لذلك المعنى بدءا من اختيار الكاتب لعنوان روايته “السجينة 48”، فالرقم الذي اختاره الكاتب للسجينة به ربط وتحديد لبداية تجسّد الأزمة الفكرية والحضارية للعرب بوضوح منذ نكبة 1948 التي مُني فيها العرب بخسارة فادحة ألقت بظلالها على الهزائم التالية والأوضاع النكوصية التي بات العالم العربي سجينا لها حتى اللحظة الراهنة، ومن خلال المقابلات والرسائل تُطرح عدد من القضايا الفكرية التي أثيرت على مدار العقود السابقة والتي لا تزال محل استشكال فكري، حول معنى الفساد ورؤية الماضي وأهميته في السياق العربي الراهن، وكذلك وضعية المرأة العربية في ظل هيمنة ذكورية ونظام أبوي مُستحكِم، وأيضا العلاقة مع الكيان الصهيوني وإشكالياتها، والثقافة الجمعية وآفاتها، والاستبداد والنُظُم العسكرية.

من أبرز النقاط التي ركزت الرواية على مناقشتها في الحوار المتبادل بين الكاتب والسجينة الحديث حول الماضي ومدى أهميته، وهنا يمكن الإشارة إلى مقولة المفكر الإسلامي جمال الدين الأفغاني “العربي يعجب بماضيه وأسلافه وهو في أشد الغفلة عن حاضره ومستقبله”، وهو ما نشدت السجينة التأكيد عليه من خلال حديثها عن تكلس العقول جراء اقتفاء أطياف من رحلوا قائلة “إننا نبيع مستقبلنا بماض فيه الكثير من التدليس والختل، وبحاضر يملؤه الخدر واليأس والقنوط والوهم.. علينا أن ننطلق نحو المستقبل متخففين من أعباء الماضي وقداسته، فللمستقبل نوافذ من البلّور عندما تفتحها فأنت ستشكل المصير وتبني الحياة بطريقة صحيحة، وتردم ولو قليلا من الهوة المعرفية والتكنولوجية بينك وبين الأمم الأخرى”.

حال المرأة

تحتل قضايا المرأة العربية مكانا أساسيا في الرواية، فالقضايا الفكرية الشائكة تُثار من خلال امرأة وليس رجلا مثلما يشيع ذلك، فضلا عن أنها تعرضت للوضعية المتدنية التي تقبع فيها المرأة العربية محللة ذلك بقولها “إن المسافات بين الجنسين معنا مُفخخة بالأنا المتضخمة لدى الرجل، هناك حقول شاسعة من الأوهام برمجها في عقولنا المجتمع الذي يقوده الرجل، فالحقوق التي تتحدث عنها ليست سوى الخطوط الحمراء المنسوبة للدين والعادات والتقاليد التي أوجدها الرجل، وهي لا تنُم عن حقيقة الدين في شيء بل هي أثواب فصّلها ليرضي أناه المتضخمة والمتكلسة بالغرور..”.

يُنطق الكاتب بطلة روايته صراحة بالأفكار التي يود طرحها، فهي الحكيمة المُثقفة أو “الفيلسوفة” التي تمتلك رؤية لكل شيء على المستوى الفردي والجمعي، وهو أمر قد يكون إشكاليا في عمل أدبي من المفترض أن يقوم على إحكام خيوط المُتخيّل، لكنه يتجاوز ذلك ليمعن التركيز على القضايا الفكرية بشكل مُباشر وواضح.

من أبرز النقاط التي ركزت الرواية على مناقشتها في الحوار بين الكاتب والسجينة الحديث حول الزمن

 تطرح السجينة آراءها وتصورها للواقع الفكري وفي الوقت ذاته تمتلك رؤية لقضايا حياتية وجمالية في الحق والحب والجمال والتسامح، فتقول مثلا “الجمال هو الدرب الصحيح للوصول إلى الله، الجمال أن تُجدّف بآمالك وطموحاتك وتفاؤلك في موج متلاطم من السراب والجراح والألم..”، وتقول عن الحب “هو الذي يجعلنا نزرع الأحلام في غيمات مُمطرة تسقي كل الأماكن في طريقها.. يجب أن يعلم المُحب أن الإخلاص في الحب هو الخلاص من أثقال الحياة ومن يغدر في حبه يقتل روح من أحبه، فالذي يمنحك الحب قد يمنحك الموت”.

ومثلما تُشير السجينة في الرواية إلى الأمة العربية المنكوبة بأزماتها منذ عقود، فإن الكاتب الذي يحاورها ويستنطقها يشير إلى المثقف الذي يحمل على عاتقه إضاءة مواطن العتمة في بلاده، وتسليط الضوء على مشكلات راهنه العربي المُلتبس، وفي ذلك إشارة أيضا إلى عجز المثقف العربي عن القيام بتغيير مؤثر أو تبديل للأوضاع القائمة، يتجلى ذلك من خلال جملة تقولها السجينة للكاتب “هل تعتقد بأنه سيخرجني الحبر والسطر والورقة من مكائد المتنفذين من عذابات السجن”، كما تشير مآلات الرواية إلى ذلك العجز؛ فالحكم يصدر ضد السجينة بينما الكاتب يتلقاه بأسى عاجز.

14