الرهان الإيراني على الاتحاد الأوروبي

العالم لن يشتري من طهران اتفاقاً منقوصاً كما حدث قبل أربعة أعوام، ولن يؤجل الغرب أي استحقاقات له أو للمنطقة، تتعهد طهران بتنفيذها لاحقا دون ضمانات.
الخميس 2019/05/16
لقد أفَلَ نجم إيران

يعيش الاتحاد الأوروبي مأزقا حقيقيا في الحفاظ على الاتفاق النووي مع إيران دون أن يغضب الولايات المتحدة. هذا المأزق أوصلته طهران قبل أيام إلى ذروته عندما أمهلت جميع الأطراف الموقعة على الاتفاق، عدا واشنطن طبعاً، ستين يوماً لتنفيذ التزاماتها النفطية والمصرفية فيه، وإلا ستعلق العمل به تدريجيا.

للاتحاد الأوروبي مصالح سياسية واقتصادية كثيرة في الاتفاق، تبدأ بالاستثمارات المباشرة في إيران، ولا تنتهي عند منع طهران من امتلاك سلاح نووي يهدد الأمن والسلم الدوليين. وعلى الرغم من ذلك لا يمكن الحسم باستعداد بروكسل لحماية الاتفاق إلى حدود المواجهة مع واشنطن.

ثمة سابقة تاريخية تستحق الذكر وربما الاستدلال، ففي عام 1995 رفض الاتحاد الأوروبي قانون “داماتو” الأميركي الذي يعاقب الشركات الأجنبية المستثمرة في إيران. ومن بين الشركات الأوروبية التي تحدت القانون حينها، شركة “توتال” الفرنسية التي كانت أول من تخلى عن طهران اليوم خوفا من العقوبات الأميركية. قانون “داماتو” كان لذات الغرض الذي تعاقب عليه الولايات المتحدة إيران الآن، وهو دعم الإرهاب في المنطقة والعالم. ولكن الموقف الأوروبي بين الأمس واليوم قد يختلف لتغير معطيات دولية كثيرة من جهة، ولقناعة الاتحاد ببعض أسباب نقمة الولايات المتحدة على سياسة طهران الخارجية من جهة أخرى.

لا تريد إيران من الأوروبيين مواجهة الأميركيين نصرة لها، وإنما تريد منهم، كما تريد من الروس والصينيين، زيادة الضغط على البيت الأبيض من أجل إبداء بعض المرونة في شروط التفاوض معها، فما يطلبه دونالد ترامب للتفاوض مع طهران أشبه بانتحارها أو استسلامها له كأسير حرب.

لطالما لعب الاتحاد الأوروبي دور المدافع عن إيران والوسيط بينها وبين الولايات المتحدة على مدار العقود الماضية، ورغم أن علاقة التكتل بطهران مرت خلال هذه الفترة بمحطات جفاء عديدة، إلا أن بروكسل لم تقف يوماً موقف الخصم الناقم على إيران، وإنما الصديق العاتب على رعونة صديقه.

في المعطيات الدولية التي تكبل الاتحاد الأوروبي في مساعدة إيران هذه المرة، يأتي توتر علاقاته مع واشنطن، والقيادة الإسرائيلية للحرب الأميركية على طهران. ثم إصرار حلفاء الأوروبيين من العرب على تقليم أظافر إيران في المنطقة، بعد أن أمعنت في التدخل في شؤونهم وضرب مصالحهم.

في العلاقة مع إيران أيضاً ما يحد من رغبة الأوروبيين في مساعدتها للخروج من مأزقها هذه المرة، فهي لم تقدم لهم بعد الاتفاق الموقع عام 2015، أي تنازلات في ملفات تهمهم مثل سوريا واليمن. فزادت دعمها للانقلابيين الحوثيين، وتعاونت مع روسيا في حسم الحرب لصالح نظام الأسد الذي يرفضه الأوروبيون كلاً وتفصيلاً.

على الضفة الإيرانية، فإن ضغط طهران على الاتحاد الأوروبي وروسيا والصين لتنفيذ التزاماتهم في الاتفاق النووي، إنما يراد به هدفاً داخلياً يتمثل باحتواء ضغوط الدعاة إلى التصعيد ضد الولايات المتحدة واستهداف قواعدها العسكرية ومصالحها في المنطقة، ولعل الحرس الثوري هو الوجه الأبرز لهذا التيار في إيران.

ولا يبدو تجاوز الأوروبيين للولايات المتحدة في تنفيذ التزاماتهم إزاء الاتفاق النووي، أمراً ممكناً خلال مهلة الأيام الستين التي حددتها إيران. ربما تكون فرص نجاحهم في تقريب المسافات بين طهران وواشنطن أكبر بكثير، ولكن مهما بلغ نجاحهم في هذه الوساطة لن يدرك طموحات الإيرانيين في صفقة لا يخسرون فيها شيئاً.

لقد أفَلَ نجم إيران، وسواء توسط لها الأوروبيون أو غيرهم لدى الولايات المتحدة، فإن عهد ولاية الفقيه الذي امتد على أربع عواصم عربية، بدأ يتضعضع. لن يشتري العالم من طهران اتفاقاً منقوصاً كما حدث قبل أربعة أعوام، ولن يؤجل الغرب أي استحقاقات له أو للمنطقة، تتعهد طهران بتنفيذها لاحقا دون ضمانات.

8