الرجل الذي لم يعطل حرية القول

السبسي كسر بسياسته المرنة وبطبعه المرح صورة الحاكم المقدس الذي يحمل بعضا من مشروعيته بهيبة مصطنعة يفرضها على الناس بالحديد والنار.
الأربعاء 2019/07/31
أظهر اقتناعا بالقيم الديمقراطية

كان الجدل يدور حادا بين المترشح للرئاسية آنذاك الباجي قائد السبسي والصحافي محمد بوغلاب في التلفزيون التونسي عن نتائج استطلاعات الرأي في فبراير 2014. كان المترشح طلقا مبتسما حتى قال له الصحافي “إن راشد الغنوشي صرح بأن حزبكم يضع نفسه دائما في المقدمة”، فرمى أرضا بما كان يمسك به من أوراق في اتجاه الصحافي قائلا له “هذه الإحصاءات فخُذها وأجبه أنت”. يروي بوغلاب أنه لاقاه بعد نحو شهر من الواقعة فقال له “بلغني أنك مستاء مني، تأكد أنني لم أقصد الإساءة إليك، في كل الأحوال أنا أعتذر لك”.

ويذكر الصحافيون أنه أساء إلى الصحافية نعيمة عبدالله، في يوليو 2011 وهو رئيس حكومة. عندما خرج من جلسة صاخبة، مع الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة، سألته سؤالا تقريريا قائلة “كانت جلسة مساءلة للحكومة” فرد متشنجا هازئا “كم سنك… أنتم في القناة الوطنية معروفون أنكم معارضة”. سئل الباجي في إذاعة موزاييك عن الواقعة فذكر ألاّ مشكلة له مع الصحافية مضيفا “جرى ما جرى والله غالب على أمره”.

ويروي صحافي ممن جالسوا الرئيس السبسي كثيرا أنه يميل إلى الصحافيين المشاكسين وأنه يجابههم بتشنج أحيانا غير أنه يفضل ذلك على التملق و”اللياقة المهنية”. ويذكر الصحافي النوري الصل أنه انتقد الرئيس في أول خطاب له بعد توليه الرئاسة فتلقى وابلا من القصف من حزب النداء، وهو الحزب الذي أسسه قائد السبسي عام 2012، حتى سافر معه فاندهش من قوله له “أنا مسرور بما تكتبه… وذاك هو الصواب”.

ورغم هذه الوقائع المشهودة وغيرها فإن هناك اتفاقا واسعا على أن علاقة الرئيس الراحل بالإعلام علاقة لا صلة لها بما كان سائدا قبل 14 يناير 2011. لقد نشر كثير من الصحافيين بعد رحيل الرئيس صورا لهم معه ترافقها عبارات الترحم والعزاء. وإن لم تكن تلك شهادات كافية فإن الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي البصري (الهايكا) عبرت في مناسبات كثيرة عن احترام الرئيس مقتضيات حرية الإعلام والاتصال في تونس.

فقد كرر هشام السنوسي، أحد الأعضاء النشيطين فيها، مرتين على الأقل أن الرئيس كان يتصل بالهيئة مستشيرا عن كل ما له صلة قانونية أو عملية بالقطاع. وذكر السنوسي في التلفزيون التونسي، يومي 27 يونيو و25 يوليو، أن الرئيس طلب الرأي في ملف قناة نسمة، بعد غلقها، أياما قبل لقائه نبيل القروي صاحب القناة عندما زاره شاكيا في أبريل.

وإن كنا لا نعلم حقيقة ما دار بينهما فإن ما نشرته الرئاسة بعد اللقاء لا يتجاوز حدود القانون بل إن الرئيس “شدد على أن حريّة الإعلام لا حدود لها سوى أخلاقيّات المهنة مع وجوب احترام القانون” الملزم للقنوات جميعا. وأكد القروي ذلك الكلام لما تحدّث عن “حرص الرئيس بصفته حامي الدستور والحريّات، على تطبيق القانون وإيجاد الحلول اللازمة مع الهايكا” لحل مشكلة القناة.

نعلم أن ما يقال وراء الأبواب المغلقة يختلف عادة عمّا يُنشر غير أن مؤشرات كثيرة تؤكد حرص الباجي قائد السبسي على مراعاة الدستور والنصوص القانونية المتصلة بالحريات عامة ومنها حرية الإعلام مثل المرسوم 116. بل أكثر من ذلك اكتسب الرئيس الراحل ثقافة إعلامية واسعة قد يفتقر إليها بعض المبتدئين في المهنة وأحيانا بعض الراسخين فيها.

يوم 11 يونيو، قبل نصف شهر من بداية توديعه الدنيا، في افتتاح المؤتمر الثلاثين للاتحاد الدولي للصحافيين في تونس، قال الباجي قائد السبسي “لا نرى سبيلا آخر لتطوير العمل الصحافي وترشيده غير الالتزام بأخلاقيات المهنة ومقتضيات القانون وتفعيل آليات التعديل الذاتي”. عدد قليل جدا من وسائل الإعلام التونسية والعربية نقلت تلك الجملة من كلام الرئيس رغم أنها نقلت ثلاثة أرباع ما قاله في خطابه أو أكثر.

إن المعنى المهم في تلك الجملة هو حديث قائد السبسي عن “التعديل الذاتي” كثالث ضلع في مثلث لا يستقيم قطاع الإعلام إلاّ به وهو أهم الأضلع الثلاثة على الإطلاق. والأهم في كلامه أنه جعل للقانون ضلعا وللمهنة ضلعين هما الأخلاقيات والتعديل الذاتي. إن إهمال عدد من وسائل الإعلام لذلك الكلام رغم أهميته يدل إما على سهو متعمد وإما على ثقافة محدودة.

وللبعض أن يرد بأن للرئيس فريقا يدوّن له ما يقول. صحيح غير أنك لن تجد أبدا رئيس دولة مستبدا يتحدث عن التنظيم الذاتي الذي هو نقيض سيطرة السلطة على الإعلام بل أكثر منه لن ينادي ذلك الرئيس “بتفعيل” الهيكل المشرف على التنظيم الذاتي، أي مجلس الصحافة، حتى لو اجتهد مساعدوه أيما اجتهاد في إقناعه بذلك. فالتعديل الذاتي والاستبداد خطان لا يلتقيان.

وقد يكون معظم التونسيين أحبوا رئيسهم لأسباب من بينها أنه لم يكن أبدا حجر عثرة في سبيل الحريات وعلى رأسها حرية الإعلام والتعبير. وقد أقر له بذلك خصومه السياسيون منهم القيادي في حركة النهضة سمير ديلو الذي نشر تدوينة بعد وفاة قائد السبسي، عنوانها الرئيس الباجي من غنائم الثورة، يفصّل فيها احترام الرجل للمؤسسات قائلا إنه “أظهر اقتناعا بالقيم الديمقراطية وإيماناً بالحريات العامة والفردية وحقوق الإنسان”.

لم يقاض الباجي قائد السبسي أيا من التونسيين لنقد ولا لتجريح بل صمَت عن الشتيمة على الشبكات الاجتماعية في حين أن مسؤولين آخرين فعلوا. وقد حدث أن سُجن ثلاثة أشخاص في مارس 2015 يعملون في قناة تلفزيونية ثم أفرج القضاء عنهم في أقل من أسبوع بعد أن سحبت الرئاسة شكواها. ولم تكن لدواعي تلك القضية صلة بحرية التعبير فقط.

بعد موت الباجي قائد السبسي عبّر كثيرون عن ندمهم مما نشروه من نقد لاذع في شأنه. وقد يكون مرد الندم عند البعض هو الضمير المثقل بالإحساس بالذنب بعد الموت غير أن كثيرا من التونسيين رددوا على فيسبوك شعار “يمكنك شراء ضمائر بالمال تصوّت لك لكن لا تستطيع شراء أناس يبكونك بحرقة”.

وقد رأى التونسيون رأي العين رئيسهم يتواصل بعفوية مع عامة الناس كالصورة التي يلاعب فيها طفلا في شارع الحبيب بورقيبة أو كالفيديو الذي ينادي فيه إحدى العاملات التي أسرعت مختفية في حجرة من حجرات الملعب الأولمبي برادس أو كالابتسامة التي يرد بها على من يدعوه “بجبوج” تصغيرا للتمليح وللتدليل. وقد سمع التونسيون بعضهم في الجنازة يهتفون “رحمك الله يا بجبوج”.

كسر الرجل بسياسته المرنة وبطبعه المرح صورة الحاكم المقدس الذي يحمل بعضا من مشروعيته بهيبة مصطنعة يفرضها على الناس بالحديد والنار. حطم الباجي قائد السبسي صورة الزعيم والقائد التي لا يجرؤ أحد على نقدها وقبِل قانون اللعبة الديمقراطية بما فيها من نقد وتجريح، بلغا الشتم أحيانا، فترسخ في أذهان الناس أن حرية القول التي لا تفتح أبواب السجن هي مفتاح العيش الآمن.

طلع 14 يناير على الناس بحياة سياسية جديدة قوامها الدستور والحرية، وعلى رأسها حرية النشر والتعبير، عبّد طريقها أناس مثل الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي غير أنه طلع عليهم كذلك بنظام ذي رؤوس كثيرة وأعين قد لا تنظر كلها في الاتجاه نفسه.

18