الرأي العام سلاح ذو حدّين يمكن تطويعه والتلاعب به

التحايل بقلب الحقائق يتم بتوجيه الأنظار والتفكير في اتجاه آخر مختلف بحيث لا يتمّ نقاش المشكلة الحقيقية، بل تناول ضفافها التي من شأنها التعتيم عليها أو تضليل جمهور المؤثّرين.
الاثنين 2019/04/15
فيلم "الشعب ضدّ أو. جي. سيمبسون" تحويل المجرم إلى ضحية

لعلّ القول بأنّ الحقّ مكتفٍ بذاته ولا يحتاج لمنطق يحامي عنه ويفرضه، أو سيف يدافع عنه ويصدّره، يحمل شيئاً من الاستخفاف بقوّة الباطل، وقدرة أصحابه على التملّص من توصيفه وإخراجه من طور لآخر، وتحويره أو حتّى تحويله إلى حقّ، وذلك بناء على ذرائع تقلب الوقائع وتشكّك بما يفترض أن يكون مسلّمات لا تحتاج إلى أي دفاع عنها.

يلجأ المتلاعبون بالأحداث والوقائع إلى تغيير زوايا النظر إلى المواضيع، تراهم يتعامون عن نقاط من شأنها أن تدينهم أو تكشف حقيقتهم، على حساب تصدير رواياتهم للقضايا التي يتملّصون منها باحترافية، وربما يصل الأمر إلى إظهار المجرمين مَجنيين عليهم، واعتبارهم ضحايا ظروف بعينها.

قلب الحقائق والتلاعب بها ديدن بعض البشر الذين يحترفون الانتصار للقوة والشرّ، وكأنّ أحدهما يستمدّ ديمومته من الآخر، أو يتغذّى عليه بصيغة ما، ويكون زعم اللجوء إلى الرأي العام مخرجاً ملائماً حين يكون صوت الباطل مرتفعاً، مزيجاً من الصخب والضجيج المفتعلين للتغطية على الحقيقة التي يسود ظنّ بأنّها قوية وواضحة ولا تتأثّر بالتشويه أو التلاعب.

هناك بعض القضايا التي توصَف بأنّها قضايا الرأي العام، توضع على مشرحة العامة، ليبدأ كل واحد بإبداء وجهة نظره حيالها، بحيث يتحكّم الانطباع بالمسألة، وتسود العاطفة على حساب العقل والمنطق والقانون، ويصل الأمر إلى تردّد القيّمين على تطبيق القوانين للقيام بواجبهم تحت ضغوطات الرأي العام الذي يتمّ صنعه وتوجيهه والتلاعب به.

يمكن الاستئناس بقضية أو.جي. سيمبسون، “الشعب ضدّ أو. جي. سيمبسون”، المشهورة في الولايات المتحدة بمحاكمة القرن، والتي كتبت عنها عدة كتب، وتحولت إلى عمل درامي على النتفليكس، وكان بطل الحكاية – الجريمة، أحد المشاهير؛ سيمبسون الذي قام بقتل زوجته السابقة وصديقها.

وصفت القضية بأنها حظيت بأكبر تغطية إعلامية عبر التاريخ، والذي تشكّل فريق من أمهر المحامين وأكثرهم حنكة ودهاء للدفاع عنه، فريق عرف بفريق الأحلام، وتدخّلت عوامل عديدة، حاول المحامون الدهاة إدخالها لتوجيه الرأي العام وتجيير محاور غير متماسة مع القضية لصالح تبديد تركيز هيئة المحلفين، وجماهير المتفرجين والمتابعين الذين بدؤوا التعاطف معه بشكل كبير، وتشتيت الاهتمام عن المجرم وإجرامه، بل وإظهاره ضحية سياسات وممارسات عنصرية، سواء من قبل السلطة التنفيذية أو الاجتماعية.

يتحوّل سيمبسون إلى رمز لتكبيت الضمير لدى محامين أشرار لا يتورّعون عن ضخّ سموم الأحقاد في المجتمع، وإثارة الحساسيات المتعلقة بالعنصرية والكراهية، وعدم التورّع عن اللجوء لأيّ وسيلة من أجل تحقيق غايتهم، والتعامي عن الحقائق.. أمّا الضمير فلا حاجة للسؤال عنه في مستنقع كهذا!

"الشعب ضد أو. جي. سيمبسون" قضية وقع فيها التلاعب بالرأي العام بقلب الحقائق وتحولت إلى عمل درامي هام
"الشعب ضد أو. جي. سيمبسون" قضية وقع فيها التلاعب بالرأي العام بقلب الحقائق وتحولت إلى عمل درامي هام

ولعلّ الفرنسي بونوا ديتيرتر تأثّر بحكاية سيمبسون ومحاكمته الشهيرة، واستلهم من أجوائها روايته “الصبية والسيجارة” التي صور فيها كذلك سبل التلاعب بالرأي العام، وصناعته، وآليات تحويل المجرم إلى ضحية، ودفع الجماهير العاطفية إلى التعاطف معه، والانتصار له، ونسيان جريمته، بل وتبريرها.

يظهر التعاطف الذي يلقاه أحد المحكومين عليهم بالإعدام، شخص مدان بجريمة قتل يقول إن رغبته الأخيرة هي تدخين سيجارة، وتكمن السخرية المثيرة للحيرة في فكرة الدفاع عن صحة شخص محكوم عليه بالموت، ثم تقود تلك الحيرة إلى العفو عنه بمرسوم رئاسي نتيجة تقديم وسائل الإعلام له بصورة الضحية، وفرض التعاطف معه بعد حركاته المسرحية وكتابته جملة “تحيا الحياة” بالزهور التي انتقاها من الحقل الذي اختير ليكون مكان تنفيذ رغبته الأخيرة في تدخين السيجارة.

في الحكايتين شخصيات تتقن التفنّن بالتلاعب بالآخرين وتدوس على الحقائق لمصلحتها، من أجل المال أو الشهرة، محامون فاسدون يستغلون المآسي ليحتلّوا لأنفسهم مكانة في عالم الشهرة، من خلال تأليب الجماهير التي تبدو نسبة لافتة منها غافلة عن إعمال العقل وتكتفي بالانسياق وراء التضليل الذي يبدو في جانب منه مريحاً لدواخلهم، ويمنحهم شعوراً مؤقتاً بالقدرة على تغيير مصير أحدهم ومنحه فرصة جديدة، من دون احتساب أنّها قد تكون فاتحة لمآسي لاحقة بحق آخرين.

يكون التحايل بقلب الحقائق، والسعي لتوجيه الأنظار والتفكير في اتجاه آخر مختلف، تكون القضية في جهة، ويوجَّه التركيز لجهة أخرى، بحيث لا يتمّ نقاش المشكلة الحقيقية، بل يتمّ تناول ضفافها التي من شأنها التعتيم عليها أو تضليل جمهور المؤثّرين الذين يتّسعون دوائر متتالية ويبدؤون بترجيح كفة الجاني وتهميش الضحية أو الضحايا الحقيقيين.

لا يعتمد الأمر على التجهيل، بل يتّكئ على الخبث واستغلال الضعف البشري والعواطف لتمرير الموقف وتشكيل جبهة الرأي المساندة للجهة المتحكمة بزمام توجيه الأنظار والأحداث في المسار المختلف لما كان ينبغي أن تسير في المشكلة أو القضية.

يمكن توصيف الرأي العام بأنّه سلاح ذو حدّين، يمكن تطويعه لصالح الانتصار لفكرة نبيلة، كما يمكن التأثير فيه وتأجيجه ليكون بركان كراهية وعنصرية، وربّما يكون هناك نوع من الاستعداد الفطري للانسياق وراء قوّة الشر التي لا تحتاج إلى روادع قيمية وأخلاقية توقفها أو تضبطها وتحجّمها، بحيث يحلّ الاستمتاع بنشوة آنية، لفظية أو سمعية، محلّ واجب التأني قبل إطلاق الأحكام، والتفكير قبل التحوّل إلى أرقام مساندة للباطل الذي يستقي قوّة من الحشود التي يجد فيها مساندة له وتبريراً لفساده أو إجرامه.

لا يتعلّق الأمر بتجريم الجماعات أو تأثيمها، بل يرتبط بالاستعانة بقوة الجماعات وسطوتها حين يتمّ التعتيم على بعض الزوايا بخبث ودهاء وتصدير أخرى على أنّها مركز الحدث وقضية القضايا، فيتمّ تناسي الجرم والتشتّت هرولة وراء ظلال أخرى مقحمة لتتصدّر وتنسي الأهمّ وتحجبه عن الضوء، وكأنّه هامشيّ لا يستحقّ أيّ تركيز.. وهنا يكون قد بلغ تضليل الرأي العام ذروته، ويصل الباطل إلى مبتغاه بالتسيّد، ولتكون رواية الجلّاد هي صانعة للتاريخ ورواية الضحية المحقّة التي لم تجد سنداً من حشود الرأي العام مهملة منسية كأنّها لم تكن.

15