الذكرى الثالثة لرحيل مخرج البسطاء تستعيد وجه مصر فنيا واجتماعيا وسياسيا

معرض محمد خان إطلالة عفوية من نافذة الكاميرا على حياة تشبه الفن وفن يشبه الحياة وأعمال رأى فيها المشاهدون أنفسهم بواقعية وصدق.
الأربعاء 2019/07/31
محمد خان مهيمنا على تصوير فيلم "أيام السادات" من بطولة أحمد زكي

تحوّلت الذكرى الثالثة لوفاة المخرج السينمائي محمد خان عاشق شوارع القاهرة وصاحب كاميرا البسطاء إلى معرض فوتوغرافي للصور الخاصة النادرة خلال الفترة من 27 إلى 31 يوليو الجاري، والتي رسمت محطات حياته وملامح شخصيته وكواليس أعماله الفنية.

القاهرة – أبرز ما يسم الفن الواقعي هو الصدق، بمعنى اقتراب العالم الفني للمبدع من الحياة الحقيقية التي يعيشها وينخرط في تفاصيلها، فلم تكن روايات نجيب محفوظ على سبيل المثال لتحظى بهذا القدر من الإقناع لو لم تصوّر بأمانة الشخصيات الشعبية في القاهرة التاريخية وروّاد مقاهي الحسين من العاديين الذين خبرهم الراوي المحنك عن قُرب.

على هذا النهج من المصداقية والحميمية، جاءت سينما المخرج المصري الراحل محمد خان، الذي تذكرته القاهرة بمعرض فريد عن حياته وأعماله، وهو هدية من صديق عمره مدير التصوير سعيد شيمي.

سارد المدينة

في الاحتفال بعيد ميلاد عاطف الطيب خلال تصوير فيلم "الحريف" للمخرج محمد خان
في الاحتفال بعيد ميلاد عاطف الطيب خلال تصوير فيلم "الحريف" للمخرج محمد خان

استحق المخرج محمد خان (أكتوبر 1942- يوليو 2016) أن يحظى بألقاب عاشق البشر وصديق البسطاء وسارد المدينة، فهو ذلك الفنان والإنسان البسيط، الذي دأب على اصطحاب الكاميرا إلى الشوارع حيثما ذهب، مسجلا أفلاما من تجارب الناس، محصّنة ضد النسيان.

إن الذي راهن عليه خان ومارسه في حياته، وقدّمه في 24 فيلما سينمائيا، تجلى واضحا في معرض صوره الفوتوغرافية المتنوعة في غاليري “لمسات” بالقاهرة، حيث ذابت الفواصل بين الواقع والفن، والحقيقة والخيال، والأصدقاء وأبطال الأفلام، وانصهر كل ما يخص خان من كواليس وتفاصيل صغيرة في بوتقة واحدة تدل عليه، كصاحب بصمات منفردة، ورؤية طليعية متطورة.

جرأة محمد خان وتحلّيه بروح المغامرة في فنه واقتحامه أجواء غير تقليدية واستعماله حِرَفا وتقنيات سينمائية جديدة تنبني على تفجير الصورة والصوت ديناميكيا وانفعاليا، هي كلها عناصر ومفردات لا يمكن عزلها عن طبيعته الذاتية كمتمرد على النمطية والأوضاع البالية، وهو ما قاده إلى مشاركة الشباب في ثورة 25 يناير 2011، بالتوازي مع تقديمه لأفلام انتقدت أوضاعا اجتماعية واقتصادية وسياسية.

ومن أجواء معرض صور محمد خان، الذي حصل على الجنسية المصرية في 2014، لقطة يتطلع فيها باسما من ميدان التحرير في فبراير 2011، وسط المعتصمين، وأخرى في مقهى “زهرة البستان” في يونيو من العام ذاته حاملا لافتة عليها عبارات تقول “الثورة لسه ما خلصتش، الثورة في الميدان. أنا نازل أحمي ثورة 25 يناير. متعبناش متعبناش، الثورة مش ببلاش”.

وتعددت اللقطات التعبيرية الخاطفة والمباغتة التي رصدت لحظات تلقائية متنوعة في حياة محمد خان، ابن حي السكاكيني الشعبي بالقاهرة لأب باكستاني وأم مصرية، وكثير من هذه الصور في الشوارع والميادين التي يعشقها، وبين تيارات البشر، وفي “كابينة” العرض التي يراقب فيها بث أفلامه، وفي أثناء تصوير أعماله، ومع أصدقائه ورفقاء مهنته وأبطال أفلامه في جلسات عامة ومناسبات خاصة.

صور جماعية

لقطة مباغتة مع فاروق الفيشاوي وأبطال فيلم "مشوار عمر"
لقطة مباغتة مع فاروق الفيشاوي وأبطال فيلم "مشوار عمر"

جاء معرض محمد خان شاهدا على تصالح الإنسان والفنان معا، فمن عيد ميلاد المخرج عاطف الطيب في أثناء تصوير فيلم “الحريف” لصديقه خان (1984) بمصاحبة عادل إمام وأبطال الفيلم، إلى لحظة تأمل عاشها خان في مكتبة الأفلام بمنزله، إلى مهرجان فالنسيا بإسبانيا في عام 1989 بحضور خان وأمير العمري وعطيات الأبنودي وعاطف الطيب، وصولا إلى لقطة طريفة جمعت محمد خان بـ”أبلة فاهيتا”، الشخصية الكارتونية الساخرة، المثيرة للجدل.

نشاط خان السينمائي، بجموحه وتمرده وثوريته، من أبرز ملامح المعرض الفوتوغرافي، الممتد منذ فيلمه الأول “ضربة شمس” (1980)، حتى آخر أفلامه “قبل زحمة الصيف” (2016)، مرورا بأعماله البارزة ذائعة الصيت، وعلى رأسها: “زوجة رجل مهم”، “مستر كاراتيه”، “أيام السادات”، “فتاة المصنع”، “مشوار عمر”، “طائر على الطريق”، “أحلام هند وكاميليا”، “موعد على العشاء”، “في شقة مصر الجديدة”، “فارس المدينة” وغيرها.

محمد خان، هو ابن جماعة الأصدقاء المخالطين، وجماعة الفنانين، وجماعة الناس عموما ممن عبّر عنهم فنيا، وهو ما أظهره المعرض بوضوح، إذ زادت الصور الجماعية لخان على اللقطات الفردية.

واستعادت الذاكرة من خلال المعرض الفوتوغرافي “جماعة أفلام الصحبة”، التي أسّسها خان مع سعيد شيمي وبشير الديك ونادية شكري وخيري بشارة وعاطف الطيب وداود عبدالسيد، وهي جماعة سينمائية ضمت أصدقاء تربطهم الألفة والمحبة والقضايا والهموم الإنسانية والفنية المشتركة، ومن ثمراتها فيلم “الحريف” الذي لعب بطولته عادل إمام وفردوس عبدالحميد، ومثل اتجاها جديدا في ثمانينات القرن الماضي يسلط الضوء على حياة المعدمين في المناطق شديدة الفقر.

وخاض خان غمار الفيلم السياسي في أكثر من تجربة، منها “زوجة رجل مهم” (1988)، من بطولة أحمد زكي وميرفت أمين، الذي عرّى فيه توغّل القبضة الأمنية والسلطة البوليسية في عهد الرئيس الراحل أنور السادات، حيث انفلتت الأمور في البلاد وحدثت مظاهرات واضطرابات في يناير 1977، أعقبتها حملة اعتقالات واسعة لقوى المعارضة.

عكست كادرات معرض “لمسات”، المقتربة من الوجوه وملامحها الدقيقة، فلسفة كاميرا خان، التي عنيت بالتفاصيل والانفعالات الإنسانية الناجمة عن القضايا، فهو فنان الظاهرة المتسعة دائما من خلال حالات محدودة تعمّق في دراستها رأسيا وتحليليا وتشريحيا على كل المستويات، وهذا هو دور الفن في تصوّره، بغض النظر عن إمكانية طرح حلول للمشكلات المعقدة.

معرض محمد خان، إطلالة عفوية من نافذة الكاميرا على حياة تشبه الفن، وفن يشبه الحياة، وأعمال رأى فيها المشاهدون أنفسهم بواقعية وصدق.

Thumbnail
Thumbnail
Thumbnail
Thumbnail
15