الدبلوماسية الروحية وحل أزمة جنوب السودان السياسية

الفاتيكان وضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية لن يستطيع التنصل منها، وسوف يجبر التحرك البابوي العديد من القيادات الغربية على عدم تجاهل الصراع في جنوب السودان. وحدوث ذلك يثبت دور السلطة الناعمة في فك بعض الأزمات في العالم.
الاثنين 2019/04/15
إحراج كير ومشار وتليين موقفيهما واحترام الهدنة في جنوب السودان

التطورات المتلاحقة في السودان شغلتنا عن متابعة حدث مهم يجري على مقربة منه، وسوف تكون له روافد جيدة لحسم الصراع الممتد في جنوب السودان، والذي يتعمد كثيرون عدم الالتفات إليه، أو يتجاهلونه بحكم كثافة التوترات في المنطقة.

الأمل الذي راود البابا فرنسيس، بابا الفاتيكان، لحض المتحاربين في جنوب السودان على إقامة سلام دائم مؤخرا ربما يواجه بعثرات، لأن الرئيس سلفا كير ونائبه رياك مشار بددا مبكرا جانبا من الأهداف التي حملتها الخلوة الروحية، والتي استمرت يومين في روما، فقد ألمح الرجلان إلى المعاني ذاتها التي أدت إلى عدم تطبيق اتفاق التسوية السياسية على الأرض بعد توقيعه في أديس أبابا، في سبتمبر العام الماضي.

الطريقة العاطفية التي تعامل بها البابا فرنسيس مع زعيمي جنوب السودان يراها البعض غير مجدية بما يكفي، فمَن يلجأون إلى الاحتكام للسلاح ويتسببون في قتل وتشريد مئات الآلاف من المواطنين من الصعوبة عليهم تغيير مواقفهم عقب جلسة أو أكثر للتأمل والصلاة.

البابا تعامل مع أزمة جنوب السودان بالسماحة نفسها التي يتعامل بها مع أتباع ديانته في بقاع الأرض. ينصتون إلى خطبه باهتمام، ويتدبرون مواعظه في خشوع رغبة في العمل بها من دون اللجوء إلى أن يركع على قدميه لتقبيل أحذية أحدهم.

فرنسيس فعل ذلك بتواضع وبلا مقدمات مع كير ومشار، الخميس، سعيا وراء إحراجهما وتليين موقفيهما واحترام الهدنة في جنوب السودان، ليبقى الجميع في محبة وسلام ويفتح المجال لرأب الانقسام والموافقة على تشكيل حكومة وحدة وطنية مع حلول 12 مايو المقبل.

الخلوة، وهي جلسة هادئة بعيدا عن صخب الدنيا، توافرت لها الأجواء الروحية اللازمة، وكان من بين حضورها غاستن ويلبي، كبير أساقفة كانتربي، بصفته الزعيم الروحي لأتباع الكنيسة الإنجيلية في العالم، وأعضاء مجلس كنائس جنوب السودان، وعدد من قادة الكنيسة الكاثوليكية في أفريقيا.

النقاشات التي سبقت الخلوة تؤكد أن أزمة جنوب السودان، المستمرة منذ أكثر من خمسة أعوام، تشغل العالم المسيحي، والبابا يريد الحد من تفاقم الخسائر الإنسانية التي تولدت عنها، فالطريق أمام الحلول السياسية مليء بالمطبات، بعد أن عجزت قوى إقليمية متعددة على وضع نهاية سلمية للأزمة.

اللجوء إلى هذا الخيار ينطوي على اعتراف بتقصير المجتمع الدولي مع ما يجري في جنوب السودان، ولا يشير إلى أن البابا وحده قادر على وضع نهاية قريبة، فهو بحاجة إلى تكاتف الجهود مع قوى مختلفة، كي يتشجع الطرفان الرئيسيان (كير ومشار) على تقديم تنازلات حقيقية، وفك العقد وتهيئة الظروف التي تساعد على إنزال اتفاق السلام الصعب على الأرض.

تبدو هناك حاجة لتمديد مهلة تشكيل حكومة الوحدة الوطنية فترة ستة أشهر إضافية (حتى شهر نوفمبر المقبل) لتوحيد قوات المتنافسين ونشرها في المواقع المهمة، ونزع السلاح في العاصمة جوبا ومراكز سكانية أخرى، والاتفاق على تفويض السلطة والإفراج عن السجناء السياسيين، وطي الصفحات التي أدت إلى نشوب صراع دمر تجربة دولة وليدة في أفريقيا.

تأجيل إعلان الحكومة بات حتميا، في ظل عدم وجود بديل واقعي يستطيع القبض على زمام الأمور، وصعوبة تقريب المسافات بين المتحاربين، ولن يحدث كل هذا من غير وجود دور ملموس وفاعل يضبط انفلات بعض التصرفات. فقد تكون الضغوط الروحية أداة جيدة عندما تستعصي بعض المشكلات، بيد أنها لن تكون كافية إذا لم ترافقها ضغوط خارجية قوية.

الخطوة التي قام بها البابا فرنسيس، يراها البعض قفزة في الهواء أو المجهول، بحكم أنها تفتقر إلى آليات عملية، لكن هناك من يثمّنون قيمتها المعنوية.

فإذا كان الفاتيكان حريصا على أمن واستقرار الدول من منطلق إنساني، فعلى القوى المعنية بالأمور السياسية أن تتحرك مباشرة، لأن تقاعسها يجلب العار لها. وكفى الوقت الطويل الذي مضى، ولن تنتهي الحرب في جنوب السودان قبل التوصل إلى آلية تفرض سيطرتها على الأطراف المتورطة في النزاع، وتعاقب من يريدون استمراره بحجج واهية.

الفاتيكان بكل إمكانياته يعرف أنه لا يملك عصا سحرية ليسود السلام، غير أنه أراد تهيئة البيئة باستخدام نفوذه الروحي مع كير ومشار، ويضرب المثل لمن تلكأوا أو تقاعسوا من أطراف سياسية للبناء على خطوته، وعدم التهاون مع من يفرطون في التسوية المستقرة.

البابا فرنسيس له مناشدات وأياد بيضاء في الكثير من المشكلات حول العالم، وربما تكون هذه المرة الأولى التي يتدخل فيها مباشرة بهذه المساحة من الحرص والجدية برعاية اجتماع لحل أزمة سياسية مزمنة، ما يطرح أسئلة كثيرة حول دور الفاتيكان وحدود تأثيراته ومدى القبول أو الرفض، وطبيعة الأزمات المرشحة للتدخل مستقبلا.

الإجابات عن الأسئلة السابقة غير يقينية، وتحتاج إلى الوقوف على الكثير من تفاصيل الدعوة التي وجهت إلى كير ومشار وما دار في الأروقة البابوية، لكن الاهتمام بالصراع يكشف أن أزمة جنوب السودان مزعجة بما جعلها تؤرق العالم المسيحي، ومن الضروري وضع نهاية عاجلة لها، وعدم إحراج السلطة المعنوية للبابا، ما يضع على عاتق قوى كبرى دورا مركزيا في الفترة المقبلة، ويستوجب إعادة التموضع بصورة صحيحة، بالتناغم مع التحركات التي تقوم بها أطراف إقليمية.

الأزمة أثبتت أن الحلول الدبلوماسية من الصعوبة التعويل عليها وحدها، كما أن التهديد بفرض عقوبات على قيادات جنوبية، أو حتى إدراج بعض الأسماء على لوائح دولية لن تكون لها نتائج ناجحة ما لم تصطحب معها إجراءات عملية، فلم تعد أساليب التهديد والوعيد تؤثر في قيادات جنوب السودان، والتي تتحمل مسؤولية التدهور الحاصل في البلاد.

الخلوة التي رتبها الفاتيكان لكير ومشار، أعادت الكرة إلى ملعب المجتمع الدولي، وهي تفرض على قواه الرئيسية التصرف بما يتماشى مع أهمية البعد الروحي الذي قام به البابا فرنسيس.

هناك مساعدات اقتصادية إضافية مطلوبة لغلق المأساة الإنسانية، وإعادة توطين المشردين. وهناك مساهمات سياسية يجب عدم التواني فيها ليكون السلام قريب المنال. وثمة حاجة لتضافر الجهود لتوفير مناخ أمني مناسب وردع كل من تسول له نفسه الاحتكام إلى النواحي العسكرية باعتبارها أداة ناجعة للنفوذ والسيطرة.

الفاتيكان وضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية شاملة، لن يستطيع التنصل منها بسهولة، وسوف يجبر التحرك البابوي العديد من القيادات الغربية على عدم تجاهل الصراع في جنوب السودان. وحدوث ذلك يثبت دور السلطة الناعمة في فك شفرة بعض الأزمات الخشنة في العالم.

الأزمة في جنوب السودان لها خصوصية معينة، وتحرك البابا نقل الصراع من الإطار الإقليمي المحدود إلى الفضاء الدولي الذي تعامل معها على استحياء في السنوات الماضية، ورضخ لتصفية بعض الحسابات المتعلقة بنفوذ قوى كبرى في الإقليم، ولم يُقدم على توجهات ملموسة تشير إلى حرصه على وضع حد لمأساة تتجاوز انعكاساتها السلبية حدود دولة واحدة. ومن المتوقع أن تكون لخطوة الفاتيكان مردودات مادية تفوق السلطة الروحية.

9