الحملات الانتخابية في تونس تنزلق نحو تصفية الحسابات

مسار الحملات الانتخابية التي بدأت تأخذ سياقا مُغايرا للنمط الذي سارت عليه، حتى اقتربت كثيرا من دائرة تصفية الحسابات بين المُرشحين.
السبت 2019/09/07
توتر يغذي العزوف

تونس – تنطلق، اليوم السبت، بتونس المناظرات التلفزيونية بين مُرشحي الانتخابات الرئاسية السابقة لأوانها وسط انتظارات مُتباينة وخشية مشروعة من تحولها إلى مُجرد مُهاترات كلامية، بالنظر إلى المناخ العام المُحيط بالحملات الانتخابية التي بدأت تنزلق بشكل لافت نحو مُربع تصفية الحسابات بخطابات مُتشنجة، وتوتر ميداني مُتصاعد.

وستجري هذه المناظرات التلفزيونية التي تُنظم لأول مرة في تاريخ تونس، تحت عنوان “الطريق إلى قرطاج – تونس تختار”، حيث سيتم تنظيم ثـلاث مناظرات خلال الأيـام الثلاثـة الأخيرة من الحملة الانتخابيـة، تصل مدة المناظرة الواحدة فيها إلى ساعتين ونصف الساعة، وذلك بمشاركة 10 مُرشحين.

ويُشارك في تنظيم هذه المناظرات التي تهدف إلى “تعزيز الديمقراطية، عبر ترسيخ مبدأ التناظر بالأفكار وتكريس ثقافة الاختلاف”، التلفزيون الحكومي والهيئة العليا المستقلة للانتخابات والهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي والبصري ومنظمة “مبادرة مناظرة”.

ورغم أهمية هذه الخطوة التي تُميز مختلف الديمقراطيات في العالم، إلا أن ذلك لم يمنع من بروز تحفظات تخللتها تحذيرات جدية من انعكاساتها على صورة المرشحين، أولا، وعلى مُجمل المسار الديمقراطي، ثانيا، خاصة وأن المشهد السياسي في البلاد لم يتمكن لغاية الآن من إنتاج خطاب إعلامي موضوعي في حده الأدنى.

ويرتفع منسوب تلك التحذيرات على وقع مسار الحملات الانتخابية التي بدأت  تأخذ سياقا مُغايرا للنمط الذي سارت عليه، حتى اقتربت كثيرا من دائرة تصفية الحسابات بين المُرشحين الذين أكثروا خلال اليومين الماضيين من التلويح بمُختلف أوراق الضغط المُحددة بغايات ارتبطت بأجندات شخصية فتحت الباب أمام الهواجس والقلق المشروع.

Thumbnail

وساهمت تلك الأجندات في تأجيج التوتر الذي تعالت حدته، الأمر الذي سينعكس على هذه المناظرات التي تأتي في وقت لم ينته فيه الجدل وتفاصيل التداعيات المُلحقة بالألغام التي فجّرها المُرشح الرئاسي، سليم الرياحي، وقبله المواقف الحادة للمُرشح عبدالكريم الزبيدي،التي تحولت إلى نقطة مفصلية غيّرت قواعد التنافس في هذا الاستحقاق الانتخابي.

وكان رجل الأعمال سليم الرياحي، قد اتهم المُرشح الرئاسي، يوسف الشاهد بـ”توظيف القضاء” لاستبعاده هو والمرشح الرئاسي نبيل القروي، رئيس حزب “قلب تونس” من المشاركة في الحملة الانتخابية للانتخابات الرئاسية، وبالتالي منعه من خوض حملته الانتخابية بكل حرية.

ويُقيم الرياحي حاليا خارج تونس بعد أن صدرت ضده أحكام قضائية ضده بتهم غسيل الأموال والتهرّب الضريبي، تماما مثل المُرشح الرئاسي الثاني، نبيل القروي، الذي يقبع حاليا داخل سجن المرناقية بتونس العاصمة بانتظار محاكمته بنفس التهم المذكورة.

وقبل ذلك، كان المُرشح للانتخابات الرئاسية عبدالكريم الزبيدي، قد أكد في حديث تلفزيوني أن تونس عرفت يوم 27 يونيو الماضي، مُحاولة للانقلاب على الشرعية الانتخابية للرئيس الراحل الباجي قائد السبسي، وإنه أفشل تلك المُحاولة بوضع الوحدات العسكرية في حالة تأهب قصوى.

وقال الزبيدي، الذي يتولى وزارة الدفاع، في شرح لما حدث في ذلك اليوم الذي بات يُعرف في تونس بـ”الخميس الأسود”، إنه تلقى اتصالات من رئاسة الجمهورية والبرلمان مفادها أن هناك أمرا ما يُحاك في الخفاء للانقلاب على الرئيس الراحل، الأمر الذي “جعلني أضع الوحدات العسكرية في حالة تأهب قصوى في مختلف ولايات الجمهورية للتدخل وقت الحاجة”.

وتابع “أعلمت رئاسة الحكومة برئاسة يوسف الشاهد بأنه لو حصل انقلاب على الشرعية، فإنه سيتم منع أعضاء مجلس نواب الشعب من الاجتماع”، لافتا إلى أن رئيس الحكومة وافق على ذلك قائلا “إن شاء الله لن نصل لهذا”.

وأشار الزبيدي إلـى أنه كان يكفيه وضع دبابتين أمام مدخل البرلمان لمنع النواب من الدخول، وذلك في الفترة التي نُقل فيها الرئيس الراحل إلـى المستشفى، حيث انتشرت في ذلك الوقت إشاعات حول وفاته.

Thumbnail

وحرّكت هذه التصريحات المشهد السياسي، كما غيّرت نسق الحملات الانتخابية، حيث عدّل البعض من المُرشحين خطاباتهم على وقعها، منهم مُرشح حركة النهضة الإسلامية عبدالفتاح مورو، الذي  اعتبر أن ما ورد على لسان الزبيدي يُعد “قضية تمس من الأمن الوطني سيتم التعامل معها بعد الانتخابات”.

وفيما لزم رئيس الحكومة يوسف الشاهد الصمت أمام اتهامات الرياحي والمعطيات التي فجّرها الزبيدي، شدّد مورو في تصريحات بثتها إذاعة “موازييك أف أم” المحلية التونسية في وقت سابق، على أن “السكوت على هذه القضية لأكثر من شهر ينمّ عن خلفيات غير طيبة”.

وعلى وقع هذه التطورات، اشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي بالتعليقات، وسط تراشق بالاتهامات بين أنصار يوسف الشاهد وأنصار الرياحي والزبيدي، لا يبدو أنه سيتوقف قريبا، الأمر الذي جعل قواعد الحملات الانتخابية تتحرك في كل الاتجاهات، بعناوين مُتضاربة يصعب الجزم بنهاياتها.

ومن شأن هذه المُستجدات إدخال المناظرات التلفزيونية المُرتقبة في سلسلة من التفاصيل، التي تحمل عوامل التوتر في داخلها، ما يُحولها إلى مُهاترات ستُفقدها دون شك الهدف النبيل من تنظيمها في هذه الفترة التي يقترب فيها السباق الرئاسي من لحظاته الحاسمة.

4