الحدود الفاصلة بين الفضفضة وإفشاء الأسرار الزوجية على مواقع التواصل

الاختبار الصعب: خصوصيات الأزواج من أين تبدأ وأين تنتهي.
الأربعاء 2021/06/30
الكلام غير المباح

الأسرار الزوجية ليست على درجة واحدة من الأهمية، فهناك أسرار خاصة جدا ولا بد من التكتم عليها، لكن العديد من الأزواج يعتقدون أن التحدث مع الغير عن أسرارهم يمثل طريقة للتنفيس والفضفضة عما يزعجهم، حتى وإن كانت هذه الأسرار تندرج في إطار المساحة الخاصة المشتركة بينهم وبين شركاء حياتهم ويجب احترامها.

يمثل عدم إفشاء الأسرار الزوجية قاعدة أساسية لنجاح العلاقة بين الأزواج، وأي انتهاك من أحد الطرفين لهذه المساحة الخاصة والمشتركة بينهما يؤدي غالبا إلى نشوب خلافات كبيرة، قد تنتهي في بعض الأحيان بانهيار مؤسسة الأسرة بأكملها.

وفتحت المواقع الاجتماعية الباب أمام الأزواج للكشف عن الكثير من تفاصيل حياتهم على هذه الفضاءات الإلكترونية، ولم تعد هناك مخاوف من إعلام الأشخاص الغرباء بالأسرار العائلية.

ويحذر خبراء من نشر “الغسيل الوسخ”، سواء كان الأسرار الخاصة بالعلاقة الزوجية أو الأسرار المتعلقة بالمشاكل الأسرية، فخروج هذه الأشياء الخاصة خارج جدران البيت سيؤدي إلى تكدير صفو العلاقة وانعدام الثقة والتواصل بين الزوجين.

ويختلف تأثير كشف الأسرار على العلاقة الزوجية باختلاف نوعية الأسرار، فهناك بعض الأسرار الحساسة التي من المفروض ألا تتجاوز حدود المنزل، كما أن خروجها إلى الآخرين لن يعود بالمنفعة على الزوجين، بل بإمكانه أن يكدر صفو علاقتهما ويفتح مجالا للآخرين للتطفل عليهما والتدخل في حياتهما وإفسادها.

أسوأ خطأ يقع فيه البعض من الأزواج هو الخلط بين الأشياء العامة والخاصة وعدم مراعاة مشاعر شركاء حياتهم

وأسوأ خطأ يقع فيه البعض من الأزواج هو الخلط بين الأشياء العامة والخاصة وعدم مراعاة الخطوط الحمراء التي تفصل بين ما يخصهم كزوجين وبين ما يمكن التحدث فيه مع الأقارب والأصدقاء، فيما يعتقد أزواج آخرون أن التحدث عما يشغلهم من هموم زوجية سيساعدهم على التنفيس والارتياح النفسي، وأغلبهم يعتبر ذلك أمرا طبيعيا، طالما أن ما سيتحدثون عنه لن يخرج إلى أطراف أخرى وسيبقى في إطار ضيق بينهم وبين الصديق أو القريب، إلا أن تلك الأطراف غالبا ما تبوح بالسر إلى أشخاص آخرين غير معنيين بالموضوع أو ينتمون إلى دائرة اجتماعية مختلفة.

وبالرغم من أن العلاقة الحميمة بين الزوجين من الأمور الحساسة التي يفترض أن تبقى من الأسرار الخاصة للزوجين دون غيرهما، لكن الكثير من الأزواج يتجاهلون هذه الخصوصية ويفشون تفاصيلها للمقربين من الأهل والأصدقاء وحتى لأناس لا تربطهم بهم أية علاقة على مواقع التواصل الاجتماعي.

ولا يلقي معظم الأزواج من الجيل الشاب الذين تحدثت إليهم “العرب” بالا لمعنى الخصوصية أو أسرارهم الشخصية، كما لا يدرك الكثير منهم أهمية إبقاء أمور حياتهم الخاصة بعيدا عن تدخلات الآخرين.

وثمة اعتقاد اجتماعي عام بأن النساء فقط هن الأقل قدرة على كتم الأسرار وأكثر من يتحدث عن حياتهن الزوجية والعاطفية للآخرين، ولا يمثل هذا مشكلة بالنسبة إلى غالبيتهن العظمى.

وسبق أن كشفت دراسة أميركية حملت عنوان “المرأة أقدم وكالة أنباء عالمية” أن أغلب النساء لا يستطعن الاحتفاظ بالسر أكثر من 38 ساعة، وغالبا ما يبحن به إلى أشخاص غير معنيين.

وأكدت الدراسة، التي أجرتها جامعة ميشيغان الأميركية على عينة تتكون من 500 امرأة مصرية تتراوح أعمارهن بين 18 و60 عاما، أن 25 في المئة منهن اعترفن بأنهن لا يستطعن حفظ السر إطلاقا مهما يكن شخصيا وخطيرا.

وأوضحت الدراسة أن النساء المصريات غالبا ما يبحن بالسر إلى شخص غير معني بالموضوع أو ينتمي إلى دائرة اجتماعية مختلفة، وبالرغم من أن 9 فتيات من أصل 10 يعتبرن أنفسهن جديرات بالثقة فإنهن يبحن دائما بالأسرار، وذكرت الدراسة أن ثلثي النساء يشعرن بالذنب بعد البوح بالسر.

سر نجاح الحياة الزوجية يكمن في كتمان الأسرار العائلية
سر نجاح الحياة الزوجية يكمن في كتمان الأسرار العائلية

وأشارت إلى أن الهاتف والإنترنت ساهما بشكل كبير في إفشاء الأسرار، أما في الريف المـصري فالحقول واللقاءات العائلية تساهم في نشر الأسرار والبوح بها.

لكن بخلاف ما تقوله الدراسة لا يقتصر إفشاء الأسرار الزوجية على النساء، فهناك الكثير من الرجال الذين يكشفون للآخرين عن أدقّ تفاصيل حياتهم.

وأكد عالم النفس الأميركي جون غراي أن بداخل كل إنسان جزءا نسائيّا وآخر رجاليّا، وقد يغلب الجزء النسائي لدى بعض الرجال فينعكس ذلك على رغبتهم الشديدة في التعبير عن النفس والثرثرة، وعدم السيطرة على الاحتفاظ بأسرارهم كما هو الحال لدى النساء.

وقال شاب عراقي متزوج حديثا ويدعى أحمد إنه لا يمانع أبدا في التحدث عن بعض أسراره الزوجية إما للفضفضة أو لاستشارة أصدقائه على فيسبوك الذين هم أكثر خبرة منه أو خبراء في المسائل الزوجية، معتقدا أن ذلك من حقه ولا يضر حياته الأسرية في شيء.

وأحمد واحد من نسبة كبيرة من الشباب الذين اعتادوا على استقاء المعلومات بشكل روتيني من الإنترنت في حياته اليومية، ومن ثم ليس غريبا أن تحتل الحياة الزوجية محوراً هاماً في أحاديثهم على مواقع التواصل الاجتماعي، من باب الفضفضة واستشارة الآخرين.

ويعزو خبراء جزءا كبيرا من فشل العلاقات الزوجية إلى عدم إقامة الأزواج حدودا فاصلة بين الأسرار الشخصية لأسرهم والأشياء العامة التي يمكن أن يُطلعوا عليها الآخرين.

وبالرغم من أنه لا تتوفر إحصائيات عن حجم الظاهرة ومدى انتشارها في المجتمعات العربية إلا أن هبة عبدالعزيز، مديرة وحدة المرأة وقضايا المجتمع بالمركز المصري للدراسات الاستراتيجية، أكدت أن نسبة الطلاق بسبب إفشاء الأسرار الزوجية وصلت إلى 44.5 في المئة.

وقالت عبدالعزيز خلال مداخلة تلفزيونية إن زيادة الطلاق في مصر ناتجة عن عدة عوامل، من بينها إفشاء الأسرار والبخل وعدم الإنجاب وتدخل الأهل في خصوصيات الأزواج.

عدم إفشاء الأسرار الزوجية يمثل قاعدة أساسية لنجاح العلاقة بين الأزواج، وأي انتهاك من أحد الطرفين يؤدي إلى نشوب خلافات كبيرة

ونوهت إلى أن مواقع التواصل الاجتماعي أدت إلى وجود فجوة كبيرة بين الزوجين وعلاقات دون معايير محددة، وتسببت في زيادة نسب الطلاق.

وحذّر علماء أزهريون الأزواج من إفشاء أسرار الحياة الأسرية خارج نطاق البيت، مشددين على ضرورة أن تكون طي الكتمان حفاظا على الأسرة وصيانةً لكرامتها وتقويةً لدعائمها، حتى تستقر على أسس سليمة.

وقالت الدكتورة آمنة نصير، أستاذة العقيدة والفلسفة بجامعة الأزهر، في تصريح سابق إن الزواج إذا كان رباطا مُقدّسا بين الزوجين وقائما على المودة والرحمة فمن الحكمة أن تظل أسرار البيوت طي الكتمان، فلا يطلع عليها الأهل والأصدقاء، لأن الإسلام لا يقرّ إفشاء أسرار الزوجين، بل ويحرّم أيضا هذا السلوك البغيض.

وأضافت نصير “الله سبحانه وتعالى قال ’هن لباس لكم وأنتم لباس لهن’، ومعنى اللباس أنه هو الذي يستر عورة الجسد، فنحن نرتدي الثياب لتستر عوراتنا، إذن من المفترض أن الزوجة ستر لعورات الزوج، كل عوراته الجسدية والخلقية والنفسية، وكذلك الزوج ستر لكل عورات الزوجة خلقا ونفسا وعادات وطباعا، ولذلك فكل ما يحدث بين الزوجين مهما كان -حتى الأشياء البسيطة العادية- لا يجوز أن يطلع عليه أحد”.

وقدم جون مايكل، الباحث في علم النفس بجامعة كاليفورنيا، نصيحة ثمينة للأزواج قائلا “إن كنت صاحب السر ولا تستطيع كتمانه، وتعرف أنك إن أفشيته لأحد فسينقله إلى الغير، فعليك أن تجلس أمام مرآة، وأن تحدث نفسك بصوت عال عن هذا السر، وأنت تنظر إلى المرآة، وتتخيل أنّ الذي يظهر في المرآة صورة لشخص آخر وليست صورتك، وعليك أن تقول كل ما تريده، فستشعر ببعض الراحة لأنك أفشيت سرك للمرآة”.

21