"الحب والصمت" رواية يتيمة لكاتبة منتحرة

الكاتبة الراحلة عنايات الزيات تهدم الواقع وتعيد بناءه بحثا عن معنى للحياة من خلال إصدار جديد للرواية الوحيدة في مسيرتها.
السبت 2019/12/14
امرأة أنهكها الحب والعزلة (لوحة للفنانة علا الأيوبي)

برحيلها منتحرة حققت الكاتبة المصرية عنايات الزيات ما لم تحققه في حياتها، ألا وهو الاعتراف بموهبتها الكبيرة، فقد رحلت الكاتبة نتيجة التهميش والتضييق والظروف النفسية الصعبة التي مرت بها، لكنها تركت رواية يتيمة كانت كفيلة بأن تحقق لها المجد.

يشهد اسم الراحلة عنايات الزيات في الأوساط الثقافية المصرية، هذه الأيام حالة من الألق، متمثلة في استعادة الكاتبة، من خلال تَتَبُّع أثرها على نحو ما فعلتْ إيمان مرسال في كتابها “في أثر عنايات الزيات” والذي راحت من خلاله تقتفي أثر الكاتبة المنتحرة، وتغوص في عوالمها الفريدة التي كانت جميعها تؤكّد على هذه النهاية المأساوية التي عاشتها بطلتها. الكتابة بمثابة إجابة لسؤال “لماذا سقطت عنايات من ذاكرة الكتابة الأدبيّة في مصر؟”، وفي ذات الوقت إدانة لمن خذلوا عنايات الزيات أو تاجروا باسمها، وروَّجوا عن حياتها وموتها الأباطيل.

الكتاب الثاني هو استعادة روايتها اليتيمة “الحبّ والصمت”، والتي صدرت بعد رحيلها، وكانت سببًا في انتحارها، بعدما رفض أحد الناشرين نشرها، على نحو ما تردد. صدرت الرواية أوّل مرة عام 1967، عن دار الكاتب العربي للطباعة والنشر بالقاهرة، بتقديم للدكتور مصطفى محمود، وإن كان لم يضف تقديمه للنص أي قيمة تذكر.

الأول والأخير

تدور أحداث رواية  “الحبّ والصمت”، التي أعيد إصدارها أخيرا بالقاهرة، قبل ثورة 1952، وتحديدًا في نوفمبر 1950، وتنتهي وقد “بدأ الفجر يلوح” وكأنها إرهاص بمطالب الثورة، في الدعوة إلى المساواة والحرية. حيث تتطرق المؤلفة عبر حواراتها مع الشخصيات، أو عبر نقمتها على واقع أسرتها التي تنتمي إلى نظام طبقي موغل في احتقاره وطبقيته. وأيضًا بانحيازها إلى التحرّر العقلي من سلطة الذكورية، أو الدعوة إلى التحرر من الاستعمار على نحو ما رأينا في صورة أحمد الصحافي، ونضاله بالكلمة ضدّ الفساد.

تميل الرواية إلى الروايات ذات النزعة النفسيّة، وهذا واضح منذ استهلال الرواية، حيث بطلة الرواية نجلاء التي تنتمي إلى طبقة اجتماعية غنية، تُعاني من إحساس مُفرط بالوحدة “فوقتها رخيص ولا تعرف ماذا تفعل به”. ويتضاعف اكتئابها وشعورها بالوحدة والفَقد بعد موت أخيها هشام. ومع موته تفقدُ اهتمامها بنفسها، وبحياتها، وبكل شيء، فقد رحل وتركها “مع الوحدة والفراغ”. فمع أنها ابنة الـ18 “سن الشباب” لكنها “تشعر أنها هرمت فجأة وصارت كهلة”.

Thumbnail

هذا الشعور القاتل الذي استولى على كلِّ حواسها، قادها لأن تطرح فلسفتها الخاصّة في الحياة، وهي فلسفة مُنبثقة ممّا تُعانيه من فقد وعُزلة، مع أنها تنتمي إلى أسرة غنية، كل طلباتها مجابة إلا أنه بعد رحيل الأخ، صارت أشبه بجزر منعزلة فحوّل الحزن ثلاثتهم إلى “ثلاثة غرباء”، والأهم أن حياتها “فقدتْ أي معنى”؛ فانغلقتْ على ذاتها، وحبستْ نفسها، ولم تعد تحتمل “أي صوت” بل وأصبحت لا تعيش إلا في “السكون والحُجْرات المغلقة”، وكل هذا كان مُدعاة لأن تستيقظ الأسئلة القديمة التي طرحتها على نفسها في طفولتها عن الحياة والموت، من قبيل: لماذا نوجد؟ ونعيش ثمّ نموت؟ وإن كانت تعلم مع إعادة طرحها، أن لا أحدًا يمتلك الجواب. وهو ما يُدخلها إلى عُمق المأساة، التي كانت تدشينًا لقرار ستنفذه المؤلفة وليست البطلة في ما بعد، وهو الانتحار.

 فإحساسها بفرديتها يتضخم، حتى أن هذه الفردية، كما تقول “تعزلني داخل نفسي وتفصلني عن الكل، أحيانًا أجدني أنظر من داخلي من نافذة عيني إلى الناس والأماكن حولي … أحيانًا أشعر أنني عشت حياتي من قبل، فلماذا وجدت من جديد؟”

الشخصيات المُلهِمة

تتميّز شخصية البطلة بأنّها إشكاليّة، فلم تقف مكتوفة الأيدي أمام الأدوار، التي أرادوا أن يضعوها فيها، كنوع من إمحاء لذاتها، وجعلها تابعة لكونها أنثى، فكونها تنتمي لأسرة غنية، وعدم حاجتها للعمل، لم يَحُلْ بين تحقيق ذاتها بالعمل، على الرغم من أنّ الدافع للعمل لم يكن قرارًا ذاتيًّا، بل كان بتحريض من نادية صديقتها. وقد قادها إصرارها على العمل لأن تقفَ أمام أبيها صُلبة، تدافع عن رغبتها وحقّها بالعمل، وهو ما كان لها، فانتصرتْ لذاتها، وهو ما يظهر أثره جليًّا عليها، فبعد أن كانت الأيام “تتابع كصفحات بيضاء بدون كتابة” مع العمل يتبدّل إحساسها بالأيام، بل تتغيّر وتتجدد فـ”لم يعد اليوم قديمًا كأمس الماضي، إنه جديد وطفل”. فيأتي حصولها على حريتها بالعمل، كأنه انتصار للمرأة التي تمثّلها وتدافع عنها في أكثر من موضع، حتى تبدو الرواية في أحد أوجهها المستترة أنها ضدّ البطريركية.

تقدم لنا البطلة نادية صديقة المدرسة والتي هي أقرب إليها من أختها؛ كمُحفِّز للتحرّر، أو أشبه بالشخصية المُلْهِمَة، فتحريض نادية لها بالعمل كان له دوره المهمُّ في خروجها من شرنقة ذاتها، والبدء في التفكير في معنى جديد للحياة، بعد أن فقدتها مع موت أخيها الذي كان باعث بهجتها وخالق نجاحها. وبالمثل أحمد، فشخصية أحمد تتجاوز شخصية الحبيب، إلى شخصية الملهم أيضًا، فمجرد السير إلى جوار هذا الشخص يعد “مُتعة كبيرة” بل شعرت أن شخصيتها “تولد من جديد… وتنمو”. فما أن حدثتها أمها عن خطبة ابن عمتها لها، حتى تظهر شخصية جديدة، شخصية ثورية تدافع عن ذاتها وعن إرادتها وحريتها، بل تكاد تصرخ: “لا لن أتزوج عادل.. لن يشتريني بثرائه ومركزه…… أنا حرّة وسوف أتحمّلُ مسؤولية حريتي وأخطاء تلك الحرية”.

Thumbnail

لم تكن هذه الثورة هي نتائج أحمد والتغيير الذي أحدثه في حياتها فقط، بل جعلها تثور ضدّ طبقتها، وأيضًا أعاد لها تقييمها لطبقتها، ومن ثمّ راحتْ تتبنى أفكارا في الثورة ضدّ هذه الطبقة، وهو ما مررته عبر استنكارها لتصرفات بعض أقاربها، أو في وصفها لهم بتعبيرات تكشف عن احتقار لهم/ لهن، فخالتها تصفها باللزجة، وحوارات العائلة تصفها بالنفاق. فتعرّي طبقتها حتى أنها تصفهم بأنهم يتظاهرون بالليبرالية إلّا أنهم في حفلاتهم، يفصلون بين الرجال والنساء. لأنه – كما تقول – هناك “انفصالا بين العقليتيْن واختلافًا في التفكير، وتصادمًا في وجهات النظر”. وإن كان هذا لا يمنع أنها كانت تُعارض أفكاره ضدّ المرأة، خاصّة بعد دفاعه عن اللوحة التي رأت أن الفنان لم يرَ في المرأة سوى جسد، وكأنه لا يأبه لعقل المرأة.

رواية حداثية

الرواية تعجُّ بالكثير من المواقف، التي تؤكّد أن البطلة التي تتوارى خلف صوت المؤلف الضمني عنايات الزيات، تتبنى الكثير من الأفكار النّسوية التي تدعو إلى المساواة والدفاع عن حقّ الأنثى في الحياة ذاتها، كما في موقف شريفة التي أنجبت بنتًا، وراحت تتباهى بهذه الأنثى، وصراع الولد والبنت في المجتمع المصريّ. وكيف أنها مالتْ إلى البنت وثورتها على اختزال المرأة في جسد، والحوار بينها وبين أحمد عن المساواة بين الرجل والمرأة وقولها بأن المساواة ظاهرية، فالمرأة ما هي إلا متاع للرجل بلا رأي، ولا حقّ لها في أن تختار الحياة التي تروق لها للآن، وهذا ما قادها لأن تهاجم الذكورية على الإطلاق بقولها إن “رجالنا يعيشون بعقلية هارون الرشيد وسط مظاهر مَدنيّة القرن العشرين”.

رواية تطرح أفكارا تقدميّة تتجاوز زمنها، بخصوص التحرّر من الاستعمار
رواية تطرح أفكارا تقدميّة تتجاوز زمنها، بخصوص التحرّر من الاستعمار

على الرغم من أن الحكاية تبدو في صورتها الظاهرية؛ حكاية رومانسية بين أحمد المناضل الثوري والكاتب، وبين نجلاء الفتاة التي تنتمي إلى عالم نقيض لأحمد، يعتبره سببًا لمأساته في منذ طفولته، مرورًا بالتحولات التي تحدث لشخصية نجلاء بعد هذا الحبّ، وما ينتج عنه من تولّد الصراع بولادة الحبّ بين الطرفين، ونتيجته السّريعة برفضها لعادل ابن عمتها. إلا أن الرواية عبر حوارات شخصيتها الرئيسية الذاتية والخارجية، تطرح أفكارا تقدميّة تتجاوز زمنها، بخصوص التحرّر من الاستعمار، والرغبة في تغيير الواقع سواء بالكلمة أو بكشف المؤامرات وغيرها، وقد أعطتْ لقضية المرأة وحريتها حيزًا مهمًّا،وهو انحياز لموقف مُناصر للمرأة، ضدّ ذكورية مُتسلِّطَة.

من الأشياء التي تُحسب للمؤلفة، أن الرواية التي كُتبتْ في سياق زمني مختلف، استطاعت أن تقدّمَ الحكاية التي يبدو موضوعها مطروقًا في مرويات سابقة، مع اختلافات طفيفة، بتقنيات حديثة. فالرواية المُوزَّعة على 43 وحدة سردية، تتفاوت بين القصر والطول؛ قائمة على التنوّع بين المنولوجات الداخلية التي كشفتْ عن أزمة الشخصيّة، وأظهرت صراعها بين انتمائها لطبقة ثرية وحبّها، وهو ما تبلور في صورة سؤالها لذاتها: هل أنا مُذنبة لأني أنتمي لأسرة ثرية وفاحشة. وما ذنبي أنا؟ ولماذا يكره أحمد الأغنياء ويسميهم مصاصي دماء؟”، وحواراتها الخارجية مع أبيها ونادية ثم أحمد وعادل. كما أن الجمل تميّزت بالشعرية، إضافة إلى التصاقها بالذات وهو ما كان وسيلة لإظهار أزمة الشخصية، حتى الصراعات جاءت كاشفة لقضايا جوهرية تمثّل جزءًا من أزمة المرأة على مدار تاريخها، ولم يكن ثمة وسيلة إلا بانتزاع حقوقها بإرادتها، لا عن طريق وكلاء، وهو ما كان أحد أسباب انتكاسة قضية المرأة.

في الأخير، جاء تحامل أحمد على نجلاء، وثورته عليها، مبالغا فيه بعض الشيء، حيث يأتي كأنه يريد أن يثأر من الماضي في صورتها، مع أنها حبيبته، ولم تظهر أي استعلاء، بل على العكس ذهبت معه إلى البيت وودّتْ أن تحضن أمه في آخر اللقاء.

كما أن الأفكار التي حملتها البطلة، تبدو أكبر من وعيها، خاصة أن أحمد أثبت أكثر من مرة عدم إطلاعها، وإن كانت تحمل قدرا معقولا من الثقافة، إلا أنها لا تؤهلها لأن تطرق هذه الموضوعات وتناقشها، ومن ثم بدأ صوت المؤلفة الضمني يتطابق مع صوت بطلتها.

15