الجنرال محمد كاظمي رئيس جديد أم عهد جديد لاستخبارات الحرس الثوري

صائد الجواسيس الذي يلقي به الحرس وخامنئي في أتون المواجهة.
الأحد 2022/06/26
ذراع خامنئي اليمنى في مهمة مكشوفة

شهدت الفترة الماضية حرب اغتيالات غامضة، تارة تكشف فيها إسرائيل عن اغتيال، وتارة أخرى تكون إيران هي المضطرة إلى الإفصاح عن موت غامض؛ شبكات تجسس وتخريب إيرانية يجري الكشف عنها في تركيا، وسقوط من الأسطح وموت مفاجئ لعاملين في المجال النووي الإيراني أو في حقول التسليح المختلفة كالصواريخ والمُسيّرات، وخلال ذلك كله لم يكن يصل أي رد من طهران.

لكنه وصل أخيراً بإقالة القائد العام للحرس الثوري الإيراني حسين سلامي لواحد من أشرس رجال نظام الولي الفقيه وفرسان خامنئي، حيث قرّر التخلص من حسين طائب رئيس جهاز استخبارات الحرس الثوري واستبداله بالجنرال محمد كاظمي، دون الإفصاح عن الأسباب. إلا أن الجميع بات يعرف تلك الأسباب التي تحفظت عليها إيران.

بقي طائب يشغل منصبه أكثر من 12 عاما، وكان من الطبيعي أن يكون منتدبا مباشرة من خامنئي، بعد أن عيّنه في مكتبه الخاص. وكان طائب يلقّب بـ"الذراع اليمنى" لمجتبئ خامنئي ذاته ابن المرشد.

غير أن ريحاً هبّت على هذا المسؤول البارز والقوي والراسخ في موقعه فاقتلعته من التربة التي جذّر فيها نفوذه، وجاءت بمقرّب آخر من أسرة خامنئي، ليكون في مواجهة ما تتعرض له إيران هذه الأيام، فكاظمي أحد رجال أصغر حجازي، المسؤول الأمني الأعلى عن بيت المرشد وأمنه وسلامته الشخصية.

هي حرب معلومات بالدرجة الأولى، يتفوق فيها الطرف القادر على اختراق الآخر والحصول على المزيد من عمق أجهزته السرية، وهناك في عمق الحرس الثوري كان كاظمي يترأس بدوره جهازا حساسا يسمى "إدارة حماية المعلومات" (ساحفاسا) ولفترات طويلة أيضا، قضى فيها جانبا من مسؤولياته محسوبا على الجناح المناوئ لطائب ولقاسم سليماني.

لعبة أمن المعلومات

ريح هبّت على حسين طائب لتقتلعته من التربة التي جذّر فيها نفوذه وتأتي بمقرّب آخر من أسرة خامنئي
ريح هبّت على حسين طائب لتقتلعه من التربة التي جذّر فيها نفوذه وتأتي بمقرّب آخر من أسرة خامنئي

الإدارة التي أشرف عليها كاظمي المعروف بـ"الحاج كاظم" كانت مكلفة بحماية استخبارات الحرس الثوري، أي أنها المسؤولة بصورة مباشرة عن أمن المعلومات واكتشاف شبكات التجسس، لكنها غير مكلفة بممارسة أي نشاطات استخباراتية، بل إن دورها ينحصر في حماية القيادات والعاملين في استخبارات الحرس الثوري إضافة إلى تأمين المنشآت الحساسة والمطارات، أي المناطق التي وقعت فيها الاغتيالات التي أطاحت بطائب.

كاظمي الذي يتحدر من سمنان شرقي طهران يبلغ من العمر 65 عاما وكان عضوا ناشطا في اللجان الثورية التي شكلها الخميني لقمع المعارضين في الثمانينات، ثم ما لبث أن التحق بالاستخبارات الإيرانية.

وكان أيضا على رأس من تولوا التحقيق بأمر من الرئيس محمد خاتمي في ملف اغتيال المفكرين والمثقفين المعارضين لنظام الولي الفقيه. وحينها أجرى مسحاً شمل كافة المسؤولين الإيرانيين المتهمين بالتورط في الجرائم المذكورة، كما زعمت إيران أنه تمكّن من الكشف عن اختراقات أمنية كبيرة وحقق نجاحات في ذلك منحته لقب "صائد الجواسيس".

◙ مهمات كاظمي مكّنته من بناء سجل تفصيلي، ليس لأعداء إيران، بل لمسؤولي إيران أنفسهم، وذلك من خلال ترؤسه وحدةَ "الإشراف على شؤون قادة ومسؤولي الحرس الثوري الإيراني" 

شخصية مثل هذه لا تفضّل العمل في الضوء، وخلف الجدران تمارس كل ما يمكن أن يبعدها عن المساءلة والاستهداف، ويسهّل عليها ذلك التخفي تنفيذ المهمات الخارجية من اختطاف واغتيال، ومن بين أبرز العمليات التي التصق اسمه بها عملية اختطاف الصحافي آرش شعاع شرق من الأراضي التركية.

مكنت هذه المهمات كاظمي من بناء سجل تفصيلي كامل؛ ليس لأعداء إيران، بل لمسؤولي إيران أنفسهم، وذلك من خلال ترؤسه لوحدة "الإشراف على شؤون قادة ومسؤولي الحرس الثوري الإيراني"، وتوصف هذه الوحدة بأنها جهاز يحاسب المسؤولين الإيرانيين على النوايا قبل أن يتورطوا في انشقاق أو أي سلوك ينم عن تخاذل.

بهذا التغيير تعترف إيران بفشل فريق سليماني الذي ما زال يسيطر على مفاصل الحرس الثوري، لتبدأ مرحلة جديدة قد تشهد تصفيات واسعة لمساعدي سليماني؛ فهذه المرة سيتولى جهاز استخبارات الحرس الثوري رجل قادم من المؤسسة العسكرية وليس من نخبة الملالي المقرّبة كما جرت العادة، وفي تصديها لما تقوم به إسرائيل من حرب معلنة على البرنامج النووي الإيراني صوّبت طهران على مؤسساتها هذه المرة، في ما بدا

كمكافأة معكوسة لجهود سلف كاظمي، طائب، الذي قرّر تكثيف عمليات اختطاف الإسرائيليين وشن عمليات ضد أهداف إسرائيلية في الفترة الأخيرة. فهل كانت إقالة طائب رسالة تهدئة إلى إسرائيل؟

المنظمة التي تربّع كاظمي على كرسي قيادتها اليوم ليست من المنظمات القديمة في النظام الإيراني، عمرها لا يتجاوز بضعة أعوام، وقد تم تأسيسها بعد الاحتجاجات الشعبية التي رافقت الانتخابات التي أدت إلى فوز الرئيس الإيراني الأسبق محمود أحمدي نجاد، وكانت عبارة عن حزمة من المنظومات الأمنية التي تم دمجها في جهاز واحد.

وسيقود كاظمي هذا الجهاز الآن بعقلية عسكرية، بعيدا عن أمزجة رجال الدين ورؤيتهم التي لا يعتبرها منضبطة طيلة الوقت. فانعدام كفاءة طائب وبُعد تخصصه عن عمل الحرس الثوري أديا خلال هذا الشهر وحده إلى مقتل علي كماني عضو وحدة الجو - فضائية في الحرس الثوري "خلال مهمة في مدينة خمين" في محافظة مركزي وسط البلاد، إضافة إلى مقتل العقيد علي إسماعيل زاده، أحد ضباط  فيلق القدس بعد سقوطه من شرفة منزله، ونقلت وكالة الأنباء الإيرانية (إرنا) حينها أن السبب هو "عدم توافر الحماية الكافية".

الحرس الثوري والتغيير الحتمي

تعيين كاظمي اعتراف من إيران بفشل فريق سليماني الذي ما زال يسيطر على مفاصل الحرس الثوري
تعيين كاظمي اعتراف من إيران بفشل فريق سليماني الذي ما زال يسيطر على مفاصل الحرس الثوري

وقد سبقهما مصرع العقيد صياد خدائي أمام منزله في شرق طهران برصاص أطلقه مهاجمان كانا على دراجة نارية، وهو واحد من أبرز قادة الميليشيات التي شاركت في عمليات إيران في العراق وسوريا، بذريعة حماية المزارات الشيعية.

ودون أن يجري ذلك التغيير الأخير، بجلب كاظمي، فإن الحرس الثوري كان يخسر ضباطه بشكل متتالٍ، حتى مع تعالي صيحات الغضب التي أطلقها الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي والمطالبة بالثأر لخدائي وقوله إن ذلك "أمر حتمي".

لن يستطيع الحرس الثوري مواصلة النهج الذي يدفعه إليه خامنئي دون أن يحدُث صدام بين المؤسستين العسكرية والدينية، فنبش دول الجوار وتمزيق المجتمعات فيها قد لا يمثلان مصلحة عسكرية بقدر ما يمثلان هدفا أيديولوجيا.

◙ القانون الإيراني يوجب أن يكون رئيس جهاز استخبارات الحرس الثوري "فقيهًا شيعيّا"، ما يعكس حجم الخطوة التي أقدم عليها خامنئي، إلا إن كان هذا التعيين قد تمّ دون استئذانه

وكلما ازداد عمر نظام الولي الفقيه ازدادت خبرات الحرس الثوري والمؤسسات العسكرية التابعة له، ما يعني أن حسابا بسيطا لأحد كبار القادة قد يقلب الموازين كلها. وبخسارة رجل دين هذه المرة لمنصبه لصالح عسكري، سيتخلى خامنئي عن أكبر مخاوفه وأكثر كوابيسه إقضاضا لمضجع نظامه.

ويخشى مرشد الثورة الإيرانية أن تصب شيخوخة المؤسسة الدينية في صالح زيادة نفوذ الجيش، المؤسسة الموازية الأكثر شبابا والأكثر تجددا. وإمساكه بدواليب الحياة العامة في إيران وهياكل الدولة - القضاء والمحاكم الدينية الخاصة والمحكمة العليا..- لن يقضي على نمو نفوذ الجيش.

وإذا عرفنا أن القانون الإيراني يوجب أن يكون وزير المخابرات "فقيها شيعيا"، وكذلك رئيس جهاز استخبارات الحرس الثوري الإيراني، يمكننا أن ندرك حجم الخطوة التي أقدم عليها خامنئي، إلا إن كان هذا التعيين قد تمّ دون استئذانه ومباركته.

ولدى خامنئي أذرعه الكبرى والطائلة داخل الجيش، من بينها ممثل المرشد الأعلى في الحرس الثوري، وممثلون في القوات البرية والقوات البحرية والقوات الجوية (الصاروخية) وفيلق القدس والباسيج وغيرها، وإذا بدأ هذا العقد بالانفراط لصالح الجيش فإن تغييرا كبيرا سيطرأ على بنية وتوجهات النظام بأسره.

ويعرف الجيش خارطة التوازنات أكثر من غيره، ويقيس درجة التهديد بزوال النظام أكثر من المؤمنين بالنظام أنفسهم والمندفعين بدوافع عقائدية قد تودي بالجميع.

وبمقارنة نسب المنخرطين في الحوزات الدينية سنويا بنسب أولئك الذين ينضمون إلى الحرس الثوري والمؤسسة العسكرية، ترجح كفة الأخيرين. وذلك في الوقت الذي بدأت فيه أعمار الشخصيات الدينية التي تتولى المناصب الكبرى في الدول تتجاوز التسعين، وبعضها تجاوز المئة.

شيخوخة مقلقة

التغيير الذي يتم رصده في عقلية قادة الحرس الثوري يبدو الآن حتميّا أكثر من أي وقت مضى
التغيير الذي يتم رصده في عقلية قادة الحرس الثوري يبدو الآن حتميّا أكثر من أي وقت مضى

ويمضي هذا المسار مع حقيقة أن الحرس الثوري لا يتبع مؤسسات الدولة أصلا، وليس لرئيس الجمهورية أي سلطة عليه، إنما تعود تبعيته إلى المرشد وحده الذي بات يدير اللعبة بالكثير من التخبّط في ما يبدو.

ومنذ نشأته كحارس للثورة بقي الحرس الثوري قوة مستقلة، تمكن خامنئي وحده من ترويضها، حين وسّع مواردها في الحرب ضد العراق ثم في لبنان وسوريا واليمن وبقاع أخرى من العالم، حتى صار الحرس الثوري يمتلك أنشطة في جميع المجالات (الاقتصادية والعسكرية والدبلوماسية والاجتماعية..)، وأصبح "دولة داخل الدولة" بقدرات مالية ضخمة.

ويقول المراقبون إن الحرس الثوري الذي كان نشاطه الاقتصادي في البداية محدودا جدا في بعض مشروعات إعادة الإعمار بعد الحرب مع العراق، أضحى من خلال مؤسسة "المستضعفين" الخيرية المهيمن على الاقتصاد الإيراني كله، قبل أن يبتلع التأييد الشعبي كله حين أصبح سليماني رمزاً شعبياً ساحقاً.

◙ تصويب طهران على مؤسساتها هذه المرة، بدا كمكافأة معكوسة لجهود طائب الذي قرّر تكثيف عمليات اختطاف الإسرائيليين في الفترة الأخيرة. فهل كانت إقالته رسالة تهدئة إلى إسرائيل؟

وبعد أن قدّم الحرس الثوري المساعدة الطبية للمواطنين -والتي أسماها "مناورات صحية" حيال انتشار وباء كورونا- أطبق على كافة الجوانب التي تجعله المفضّل لدى الإيرانيين أكثر من مؤسسات الدولة التي فشلت في مواجهة الأزمات، حتى أن الحرس الثوري صار ينافس مؤسسات التكنولوجيا الإيرانية أكثر من كونه داعماً لها، وليس أدل على ذلك من إعلان الحرس الثوري نجاحه في إطلاق أول قمر صناعي عسكري  محلي الصنع "نور1"، وذلك بعد فشل إيران (الأخرى) في محاولة إطلاق قمر صناعي في فبراير 2020.

من الذي يطلب اليوم رفعه من قوائم الإرهاب؟ ليس النظام الإيراني ولا الوزارات ولا الجيش، إنما الحرس الثوري أولا، الذي يريد إنقاذ نفسه من المزيد من التورّط في مسار الانهيار الذي يقوده المرشد.

بيان الحرس الثوري الذي أقال طائب وعيّن كاظمي بدا مستقلا تماما عن أي سلطة عليا، ولم يشر إلى دور خامنئي في التغيير، ولا في خلع الرجل الذي ورد اسمه في تسجيل صوتي مسرب لمحمد علي جعفري، أحد قادة الحرس الثوري السابقين، والذي أشار فيه إلى فساد بعض قيادات الحرس وفي مقدمتهم طائب وسليماني وآخرون.

أما التغيير الذي يتم رصده في عقلية قادة الحرس الثوري فيبدو أنه هو "الحتمي" أكثر من ثأر الرئيس الإيراني الذي صار اليوم أكثر بعدا عمن يُقال أو يعيّن في مناصب حساسة تؤثر على استقرار النظام واستمراره، ربما هو البعد ذاته الذي يزداد ليفصل المرشد عن الوحش الذي غذاه وضخّمه حتى كاد يبتلعه.

8