التونسي محمد عيسى المؤدب: من يخاف عليه أن يتوقّف عن الكتابة

الروائي التونسي محمد عيسى المؤدب: تعرضت للتكفير بسبب كتاباتي عن اليهود.
الأحد 2021/02/21
الكتابة مغامرة خطرة

يتعرض الكثير من الكتاب إلى هجمات من المتعصبين كلما كتبوا عن الأقليات المنسية في بلدانهمّ، وكلما أعادوا استنطاق زوايا مجهولة من التاريخ في محاولة لفهم ورصد الحقائق وإعادة تصحيح التاريخ الجمعي، وهذا لا يتم بالشكل المطلوب إلا عبر الرواية، حيث يمكن لهذا الجنس الأدبي أن يكون جامعا ويحقق المعادلة بين المتعة الجمالية والفكرية والتأريخ والنقد والمساءلة. كما سنرى مع الروائي التونسي محمد عيسى المؤدب.

تونس – كثيرا ما أثار موضوع الأقليات الدينية في تونس جدلا واسعا ولاسيما أن السلطات حاولت في وقت سابق تعزيز حقوق الأقليات عموما بتكريس المزيد من المساواة مع بقية شرائح المجتمع، لكن ذلك لم يتحقق، بل بالعكس باتت هذه الأقليات مهددة أكثر من أي وقت مضى، وحسب ما تؤكده تقارير حقوقية فإن الحريات الفردية تشهد تراجعا لافتا.

ويبدو أن عبارات التكفير والتهديد والوعيد التي يطلقها “حراس الدين” على هذه الأقليات قد طالت كذلك المجال الأدبي مثل غيره من المجالات، ولاسيما عندما يسبر كاتب ما أغوار التاريخ ليروي قصصا تصوّر واقعا فسيفسائيا لبلاده.

وفي هذا الحوار الذي أجرته “العرب” معه، يشدد الروائي التونسي، محمد عيسى المؤدب، على أنه تعرض للتكفير لمجرد تطرقه إلى تاريخ “يهود القرانة” (الذين طردوا من أوروبا واستقروا في تونس خلال القرن السابع عشر) في روايته “حمام الذهب” التي اختيرت في القائمة الطويلة لجائزة البوكر للرواية العربية السنة الفارطة، قبل أن يتوج بها الروائي الجزائري عبدالوهاب عيساوي.

ويحمّل المؤدب دولته مسؤولية تفشي “الخطاب الظلامي” الذي يحاصر الفكر التنويري مذكرا بالعديد من حوادث التكفير التي طالت مفكرين تونسيين في السنوات الأخيرة على غرار الراحل محمد الطالبي وألفة يوسف ويوسف الصديق وغيرهم، مشيرا إلى أن عدم حسم ملفات على غرار “الجهاز السري لجماعة الإسلام السياسي” يغذي التعصب في بلاده في إشارة إلى قضية أثيرت بشأن امتلاك حركة النهضة الإسلامية لجهاز أمن مواز للدولة.

ولمحمد عيسى المؤدب العديد من المؤلفات على غرار رواية “جهاد ناعم” الصادرة سنة 2017 و”حمام الذهب” التي صدرت في 2019، و”حذاء إسباني” التي صدرت أواخر عام 2020.

الجوائز الأدبية

الرّواية الحديثة أضحت منتجة للمعرفة ومدوّنة للتاريخ الإنساني بكلّ تناقضاته
الرّواية الحديثة أضحت منتجة للمعرفة ومدوّنة للتاريخ الإنساني بكلّ تناقضاته

العرب: منذ سنة 2015، تاريخ فوز شكري المبخوت بجائزة البوكر للرواية العربية عن رواية “الطلياني”، لم نر أيّ تونسي آخر توج بالجائزة، ما هو تفسيرك لهذا الغياب رغم وصول روايات إلى القائمة القصيرة والطويلة المرشحة لنيل هذه الجائزة على غرار روايتك “حمام الذّهب”؟

محمد عيسى المؤدب: صحيح، منذ 2015 غابت تونس عن جائزة البوكر تماما إلى حدود دورة 2020 التي وصلت فيها رواية “حمّام الذّهب” الصّادرة عن دار “مسكيلياني ومسعى” إلى القائمة الطّويلة. في الواقع أسباب هذا الغياب كثيرة، منها معضلة النّشر وتوزيع الكتاب الذي لا يصل إلى البلدان العربيّة، بل هو لا يصل إلى القارئ التونسي.

مؤخّرا هناك استفاقة وعمل احترافي من دور نشر تونسيّة آمنت بأنّ الكتاب صناعة متطوّرة، ومنها مسكيلياني والتّنوير ودار الجنوب، على سبيل الذّكر طبعا، وعلى كلّ دور النّشر أن تؤمن فعلا أنّها ليست مطابع، وإنّما دورها أهمّ وأدق من ذلك، فهي صانعة لكتاب قادر على المنافسة شكلا ومحتوى، بدءا بقبول العمل وانتهاء بإخراجه بشكل جميل وبديع.

ولا أخفي أيضا أنّ هناك فقرا في النّصوص العظيمة التي بإمكانها أن تنافس الرّوايات الصّادرة عربيّا، ونحن نعرف ما تقوم به أكبر دور النّشر العربيّة في مجال الاستعداد للجوائز وخاصّة البوكر العالميّة.

العرب: كيف تقيّم أهمية جائزة البوكر اليوم؟ وخاصة وصول روايتك إلى القائمة الطّويلة للروايات المرشحة للفوز بهذه الجائزة؟

محمد عيسى المؤدب: جائزة البوكر من أشهر الجوائز العالميّة، فقد نشّطت المشهد الرّوائي العربي إبداعا ونشرا وترجمة ونقدا، وهذا مهمّ للإبداع العربي حتى يصل إلى القارئ الآخر الذي يجهل الكثير من الأعمال التي لم تحظ بالتّرجمة أو النّقد أو بالتّقديم الإعلامي الواسع. البوكر مهمّة حقيقة لأيّ كاتب عربي حتّى يخرج من العزلة والنّسيان.

وصول رواية “حمّام الذّهب” إلى القائمة الطويلة في تجربتي الأولى مع دار مسكيلياني كان مهمّا ومفيدا جدّا لتجربتي في الكتابة وللرّواية، التي عالجت موضوعا إنسانيّا حارقا متّصلا بالهويّة التّونسيّة وبيهود القرانة. ولعلّ الكثيرين يعرفون قيمة وصول أيّ رواية إلى قائمة من قائمات البوكر، نظرا إلى المنافسة الشّرسة بين ما يقارب 150 رواية تعدّ أجود ما نشر عربيّا.

التعصب ضد التنوير

يهود تونس تاريخ مغيب
يهود تونس تاريخ مغيب

العرب: في أحد تصريحاتك تحدثت عن تعرضك للتكفير في تونس بسبب ما عالجته رواية “حمام الذهب” وبالضبط؛ تاريخ اليهود، كيف تعرضت لذلك، وهل واجهت تهديدات؟

محمد عيسى المؤدب: نعم تعرّضت إلى ذلك في خيمة الكتاب بشارع الحبيب بورقيبة بتونس العاصمة إذ كفّرني أحد “المحسوبين على الثّقافة”، وصرّح في تدخّله أثناء تقديم رواية حمّام الذّهب أنّي كافر لأنّي تعاطفت مع يهود القرانة في الرّواية، وسردت تفاصيل المجازر التي تعرّضوا لها في حربي 48 والأيّام الستّة. وعندما سألته إن كان قد قرأ الرّواية ردّ غاضبا: وكيف لي أن أقرأ كتابا كافرا؟

التّهديدات كانت من خلال التّعليقات عن الرّواية في مواقع التواصل الاجتماعي والرّسائل المشفّرة والغاضبة من تناولي لموضوع يهود القرانة. ولا أحد من هؤلاء قرأ الرّواية، وهكذا نعرف إلى أيّ نقطة من التّخلّف والجهل وصلنا في تونس وفي الكثير من البلدان العربيّة.

العرب: كيف كان أثر ذلك عليك خاصة وأنت لا تزال تبحث وتسبر أغوار التاريخ لكي تروي قصصا شيقة؟

محمد عيسى المؤدب: حقيقة لم أتأثّر لأنّي تعوّدت على المحاكمات والتّكفير والتّخوين وهي التّهم الجاهزة لكلّ كاتب رام التعمّق في المواضيع الحارقة أو الممنوعة أو المحرّمة كما يعتقد حرّاس الجهل والتطرّف والكراهية والحقد. أنا على تمام الثّقة بأنّ من يخاف عليه أن يتوقّف عن الكتابة، فالكتابة مغامرة خطرة، غير محمودة العواقب ما دمنا محاصرين بقتلة العقل وصنّاع التّوابيت.

العرب: اليوم، الكل يشيد بما حققته تونس منذ ثورة 14 يناير سواء داخليا أو خارجيا، لكن هذه الإشادة لا تحجب وجود تهديدات للحريات، وخاصة لدى الأقليات الدينية، كيف تقرأ ذلك؟

أول مؤلفات محمد عيسى المؤدب الروائية
أول مؤلفات محمد عيسى المؤدب الروائية

محمد عيسى المؤدب: نعم، هناك إشادات عالميّة بتونس بعد ثورة 14 يناير لكنّ هذه الإشادات لا تحجب فعلا المخاوف والكوابيس والقلق في الدّاخل. فعلا هناك تهديدات للفكر التّنويري والثقافة في جميع الفضاءات، في الشّارع، في المؤسّسات، في وسائل التّواصل الاجتماعي، ولعلّنا نتذكّر ما تعرّض له محمّد الطّالبي ويوسف الصدّيق وألفة يوسف وغيرهم، من هجمات بشعة وحاقدة دون اطّلاع على حقيقة أفكارهم وأطروحاتهم.

هناك كراهيّة وحقد أيضا على الفنّ، على السّينما والمسرح والفنّ التّشكيلي والكتاب والحمد لله إنّ هذه الممارسات صادرة عن قلّة متنمّرة شبيهة بالذئاب المنفردة التي تحبط وتهاجم كلّ شيء جميل في هذا البلد.

نفس هذه القلّة تهدّد حرّية المرأة، هذه الحريّات التي تحقّقت بنضالات متعاقبة، حملت معها هويّة شعب، هويّة الانفتاح والحوار والتّعايش مع الثقافات والأديان.عاد البعض أيضا إلى حوارات جوفاء حول الأقليّات الدّينيّة في تونس وتهديد وجودهم كتونسيين من جوهر الهويّة. هم لم يطّلعوا على تاريخ هذا البلد وكيف ساهمت هذه الأقليّات في النّسيج الاجتماعي العام للتونسيين وتنشيط الحركة الاقتصاديّة وتطوير المهن وغيرها من النّضالات المسكوت عنها في التّاريخ التونسي. هذا التّاريخ حسب رأيي أغلبه مزيّف لأنّه انتقائي وانتهازي وسياسوي.

في الواقع بنيت مشروعي الرّوائي: الأديان والمكان على هذه الحقيقة المرعبة وأنا أعود إلى الوقائع وأستمع إلى شهادات. لا يرتبط الأمر فقط باليهود والمسيحيّين، يرتبط بالأمازيغ والأفارقة واللّادينيّن أيضا. لو نلقي نظرة بسيطة على المعمار في المدينة العتيقة بتونس العاصمة وحلق الوادي والمرسى والزّهراء ثم بنزرت وقليبية وغيرها من المدن التونسيّة شمالا وجنوبا سنلحظ هذا المزيج الثقافي والحضاري الإنساني الذي صنع الهويّة التونسيّة.

وأعتقد أنّ القلّة الحاقدة والمتطرّفة في تونس ستتآكل تدريجيّا لأنّ خطابها فوضوي وهستيري، وهي دمى دمويّة تحرّكها أجندات سياسيّة أثبت الواقع فشلها في إدارة الشّأن التونسي العام لعشر سنوات.

العرب: كيف ترى تداعيات ذلك على مستقبل البلاد والديمقراطية والتعددية؟

محمد عيسى المؤدب: لنتّفق أوّلا أنّ ثورة 14 يناير ليست هي السّبب في ما نعيشه من فوضى وتهديدات. السّبب الحقيقي هو هذا التطرّف والحقد الأعمى من الذين اعتبروا تونس غنيمة كما اعتبروا الجزء الكبير من التّونسيين مارقين وكفارا وهي مصطلحات الجهل والتخلّف والخرافة. وفي الحقيقة تونس لن تعود إلى الدكتاتوريّة أو الإله الواحد ولن تنحني للمتطرّفين والفاسدين. ستنتصر الهويّة أو ما أسميّها الشخصيّة التونسيّة المعتدلة والمنفتحة على الآخر وستلعب المرأة التونسيّة دورا عظيما في هذا المنعرج الخطير الذي تعرفه تونس في السّنوات الأخيرة.

العرب: لماذا برأيك لم تنجح تونس حتى الآن في درء التعصب وعدم قبول الاختلاف؟ هل الخلل في الدولة أم في الطبقة السياسية؟ أين يكمن الخلل بالضبط؟

محمد عيسى المؤدب: الخلل حقيقة في الدّولة وفي جرأة القرار السياسي وتحرّر القضاء. أقول ذلك لأنّ أهمّ الملفّات التي تشغل التونسيين لم تعالج بوضوح وحسم. وأعني بالضبط ملفّات الفساد والتّهريب والتهرّب الضّريبي والاغتيالات السياسيّة وتسفير الشّباب والجهاز السرّي للإسلام السّياسي. فعدم الحسم في هذه الملفّات غذّى التعصّب وعدم قبول الآخر وخاصّة أنّ كلّ الظّروف مناسبة لذلك سياسيّا واجتماعيّا واقتصاديّا.

 البلد على شفا حفرة من الانهيار الاقتصادي والاجتماعي والسّقوط الأخلاقي المدوّي وكل ذلك ناجم عن مراهقة سياسيّة طغت على كلّ من وصل إلى الحكم منذ 14 يناير 2011. إنّ ما يحدث مثلا في مجلس النواب يعدّ مهزلة حقيقيّة وخيانة لشعب يحلم بالحريّة والأمن والشّغل والكرامة وخيانة أكبر للشّباب التونسي الذي صنع الثّورة وآمن بها لكنّ شيوخ الفتنة أجهضوا هذا الحلم الجميل. وأقول بشكل واضح إنّ هناك خيانات كبرى في تونس ضدّ الثّورة وضدّ الشّعب ومأتاها لوبيّات الفساد السّياسي والاقتصادي. وعلى الدّولة التّونسيّة الحسم في أمر هذه اللّوبيّات لتتجاوز الخلل.

الأدب والتاريخ

العرب: أنت كما غيرك تعود إلى التاريخ من أجل سرد قصص وروايات شيقة هل تجد صعوبة في إيجاد مصادر للحقبة التي تتناولها أو الشخصيات، خاصة وأن في رواية حذاء إسباني، نقرأ عن ضابط إسباني يستقر في قليبية ويستثمر هناك ويلتقي الزعيم الحبيب بورقيبة ويدور بينهما نقاش؟

محمد عيسى المؤدب: في الحقيقة فوجئت بالفقر الغريب للمدوّنة التاريخيّة التونسيّة، لذلك اعتبرت أنّ تاريخنا في أغلبه انتقائي ومزيّف. في رواية “حذاء إسباني” مثلا التجأت إلى باحثين ومؤرّخين إسبان يعرفون تاريخنا أكثر منّا للأسف وأخصّ بالذّكر الدّكتورة فكتوريا فرنانديز دياز من جامعة فالنسيا وكذلك الكاتب والباحث برنابو لوبيز غارسيا من جامعة مدريد.

رحلة روائية في أسطورة تونسية
رحلة روائية في أسطورة تونسية

 اعتمدت أيضا التاريخ الشّفوي المتعدّد ومنه قصّة الزّعيم التونسي الحبيب بورقيبة مع الضّابط الإسباني مانويل قريقوري الهارب من نظام فرانكو الفاشي وهذه القصّة في الحقيقة ترمز إلى تجاور ظروف الحرب الأهليّة الإسبانيّة مع ظروف المقاومة التونسيّة في الأربعينات والخمسينات بروح المقاومة؛ مقاومة الموت والاستعمار والفاشيّة والكراهية.

وفي غياب الوثائق التاريخيّة بإمكان الخيال أن يسرد أحداثا تاريخيّة ويخلّد شخصيّات مؤثّرة استنادا إلى التاريخ الشّفوي والشّهادات الموثوق بها. وفي اعتقادي إنّ الرّواية الحديثة قادرة على كتابة التّاريخ الذي أهمله المؤرّخون أو قفزوا عليه.

العرب: هل هذا النقاش واقعي، يعني حدث فعلا بين بورقيبة ومانويل قريقوري؟

محمد عيسى المؤدب: اللّقاء حدث فعلا بين الرّجلين في التّواريخ التي ذكرتْ في الرّواية غير أنّ النّقاش الذي تمّ هو طبعا رواية لشهادات وتخييل لدواع فنيّة ومضمونيّة اشتغلت عليها الرّواية في كامل فصولها. فالرّجلان يتجاوران في كلّ شيء، في تصدّيهما للفاشيّة والتطرّف والكراهيّة والعنف وتنبنّيهما للتّعايش بين الأديان.

العرب: تتقاطع رواية “حذاء إسباني” و”جهاد ناعم” في التطرق لمسألة الهجرة في حقبات مختلفة، مرة من أوروبا؛ عن الفارين من دكتاتورية فرانكو، ومرة من تونس إلى أوروبا، هل الهجرة باتت علامة حقيقية عن معاناة وألم الإنسان في مختلف الأزمنة؟

محمد عيسى المؤدب: تلك هيّ تأثيرات الهجرة على الشّعوب وخاصّة الهجرة السريّة المقترنة بالمتاجرة بالآثار وتسفير الشّباب كما عالجت ذلك في رواية “جهاد ناعم”. والمقترنة بالهروب من الحروب والدكتاتوريّات كما ورد ذلك في رواية حذاء إسباني مع 4000 من البحّارة الإسبان والمدنيين سنة 1939.

الموقع الجغرافي لتونس جعلها منفى للمستضعفين على مدى قرون. في كلّ الحروب والمحن التي تعرّضت لها الإنسانيّة كانت تونس ملاذا للمنفيّين واللّاجئين وهو ملفّ كبير سكت عنه التاريخ التونسي الرّسمي للأسف بتفاصيله ومحنه وتأثيراته أيضا.

 العرب: كيف تحولت أوروبا إلى مصنع للإرهاب والتطرف خاصة أن الغرب قطع أشواطا هامة على مستوى الحضارة والثقافة وغير ذلك؟

محمد عيسى المؤدب: أوروبا ليست حضارة وثقافة فقط، هي أيضا بارونات فساد وعصابات تهريب ومافيا وجريمة. في الواقع الرّأسماليّة المتوحّشة أنتجت هذه العوالم المتناقضة كما أنتجت الإنسان الجشع، انظروا مثلا إلى ملفّ النّفايات الأخير في تونس وكيف تصدّر إيطاليا الموت إلى أرضنا وأطفالنا، وملفّ النّفايات الخطير ليس الأوّل والأخير. هناك ملفّات أخرى خطيرة منها تهريب الآثار والمتاجرة بالشّباب، ورواية “جهاد ناعم” عالجت هذا الملفّ بدقّة.

هكذا هي الرّواية الحديثة إذن، فهي لم تعد مكتفية بالإمتاع السّردي وإنّما أضحت منتجة للمعرفة ومدوّنة للتاريخ الإنساني بكلّ تناقضاته.

11