التونسي قويدر التريكي الهارب من حضوره إلى غيابه

نموذج حي للفنان المحتجب والمحاولة الجريئة التي تجمع بين المخيلة المتمردة والنافرة والفلسفة التي لا يمكن تأطيرها.
الأحد 2022/06/19
سعادة أن يكون الرسام فلاحا

نادرة هي الحالات التي يتخلى فيها الفنان عن عالم الشهرة وينزوي جانبا بل ويهجر المدينة ويعيش في منأى عن الصخب من غير أن يتخلى عن ممارسة الفن. يبقى فنانا في عمق عزلته وصفائها.

يرد في الذهن الفرنسي اسم بول غوغان الذي ذهب إلى آخر العالم من أجل أن يكون وحيدا مع فنه. ولكن التونسي قويدر التريكي هو نموذج حي للفنان المحتجب. أسأل عنه في تونس فلا إجابة سوى "إنه في قريته لزدين".

ذلك فنان ترك أثرا شخصيا أصيلا ومضى. كان جريئا حين مدّ يده في اتجاهات مختلفة في الوقت نفسه. لم يكن يفكر إلا في إنتاج لوحة تشبهه. بمعنى أنه لم يسع إلى أن يكون فنه حاملا لفكرة تقع خارجه. فلم تلهمه المنمنمات أصالة في الانتماء ولم يقربه الفن الخام من الفئات المهمشة والمستثناة من الشراكة الاجتماعية والثقافية. كان لديه إعجاب خاص بفنسنت فان غوخ قد يكون دافعا من داخل الفن لكي يتخذ قراره في اللجوء إلى مزرعته وهجرة موقعه في المشهد الفني.

◙ عالم التريكي يتشكل من حكايات لا تقف عند حدود الطفولة بل يذهب بها إلى التأليف الحر الذي يمارسه الإنسان، وقد تخلى عن الشكليات المسموح بها

عالم التريكي يتشكل من حكايات لا تقف عند حدود الطفولة بل يذهب بها إلى التأليف الحر الذي يمارسه الإنسان وقد تخلى عن الشكليات المسموح بها ليمارس عنفه الداخلي باتجاه كل ما يقيد حركة خياله. ذلك عالم يتشكل من قطط وخيول وعصافير وبيوت متطايرة كما لو أن الرسام يسعى إلى البحث في تفاصيل براءة كان قد أضفى هالتها على الأشياء.

"كائن يعيد إلى الأشياء براءتها" ذلك تعريف جديد للرسام اخترعه التريكي وهو يستعين بأصدقائه من الطبيعة التي لم يتوقف عن استلهام تجليات مباهجها. بالرغم من تشظي المشهد الذي يرسمه التريكي، فإن ذلك المشهد لا يُخفي حنينا عميقا إلى الطبيعة. يرسم ما يتذكره. غير أن ما يشاهده له هو الآخر موقعه على سطح لوحته.

فرغم عزلته وإقامته بعيدا عن حياة الآخرين فإنه رسم عام 2003 لوحة "الجيش الأميركي يدخل بغداد" تعبيرا عن غضبه وحزنه واحتجاجه. استعار المدينة من بول كلي، وهو رسام أحبه، تعبيرا عن حبه لبغداد التي كانت حاضرة بين يديه في لزدين.

الحاضر الغائب بأسطورته

حاضر بفنه
حاضر بفنه 

ولد التريكي عام 1949 في إحدى قرى الوطن القبلي. درس الرسم بمدرسة الفنون الجميلة بتونس ثم انتقل إلى باريس ليستكمل دراسته في المدرسة الوطنية العليا للفنون الجميلة وفي عام 1980 عاد إلى تونس. أقام أول معارضه الشخصية عام 1977. عام 1992 استضاف معهد العالم العربي بباريس معرضا شخصيا له وكان شاملا.

عرض أعماله في مركز جورج بومبيدو بباريس وفي دارة الفنون بعمان. كما أنه أقام عددا قليلا من المعارض الشخصية لا بسبب قلة إنتاجه بل بسبب زهده في العروض العلنية.

ورغم قلة ظهوره، فإن تأثير أسلوبه على عدد من الرسامين التونسيين والعرب كان واضحا. ليس لأن ذلك الأسلوب كان جديدا فحسب بل وأيضا لأن التريكي وهب ما اكتسبه من الفنانين الآخرين أثناء إقامته في باريس سمة شخصية. صرت تنصت إلى حكاياته وتسمع صوته وترى ظله وتتعثر بالأحجار التي يضعها في طريقه وهو يختفي مثل لغز. ولأنه كان دائما مولعا بالأساطير فقد سعى إلى أن يخلق من غيابه أسطورة.

◙ قلة ظهوره لم تمحُ تأثير أسلوبه على عدد من الرسامين التونسيين والعرب. ليس لأن ذلك الأسلوب كان جديدا بل وأيضا لأن التريكي وهب ما اكتسبه سمة شخصية
◙ قلة ظهوره لم تمحُ تأثير أسلوبه على عدد من الرسامين التونسيين والعرب. ليس لأن ذلك الأسلوب كان جديدا بل وأيضا لأن التريكي وهب ما اكتسبه سمة شخصية

التريكي حاضر وغائب في الوقت نفسه. حضوره في الفن التشكيلي التونسي والعربي أيضا لا يمكن إنكاره. غائب لأنه لا يرغب في الظهور في المشهد الفني العام. ما من شيء يغريه في البروز. لقد وجد روحه الحقيقية هناك. ذلك الـ"هناك" الذي لن يصلح للآخرين إلا باعتبارهم زوارا طارئين. التريكي هو ابن ذلك المكان الذي طالما استحضره في لوحاته.

حياة هي مصدر الصدق الفني

حين يعتزل التريكي الحياة المدنية ويبدأ طور الفلاحة، سيكشف عن مصادره من خلال لوحة سيرسمها على جدار مدرسة لزدين وهناك باب المدرسة الذي رسمه والذي سيكون بمثابة باب لمخيلته المدهشة. لقد أسرته العودة إلى منابع طفولته بالتأكيد وصار على تماس مباشر مع الحكايات التي كانت تلهم رسومه في باريس.

حتى الذين لا يعرفون شيئا عن حياته الشخصية يكفيهم النظر إلى أعماله ليتعرفوا عليه وليقرؤوا كتاب سيرته. سيكون عليهم أن يعجبوا بمدينته وبقوة الإرادة الإيجابية التي دفعته إلى اختيار الفلاحة مهنة رسمية له بعد أن ورثها عن أبيه. لقد عاد إلى البساطة والحياة السوية التي طالما تخيلها في لوحاته.

أثبت التريكي من خلال سيرته الشخصية أن صدقه الفني هو في حقيقته نوع من التوق إلى ممارسة الصدق والانسجام في حياته الواقعية. تلك حكمة نادرا ما قدمها الفنانون الذين تُخفي نجاحاتهم الفنية تفاصيل حياتهم الفاشلة. فالتناغم الذي يقدمه الفنان من خلال لوحاته هو انعكاس لارتباط حياته اليومية بالفن.  حين يكون الحديث عن الفن الخام فإن تجربة التريكي هي نموذج حي لتلك المحاولة الجريئة التي تجمع بين المخيلة المتمردة والنافرة والفلسفة التي لا يمكن تأطيرها في سياق بعينه.

على النقيض من دو بوفيه فإن التريكي عثر على مادته الخام في حياته الشخصية وحياة الناس من حوله. ذكرياته وذكرياتهم صنعت تاريخا بصريا هو ذلك التاريخ الذي سيمده بإرادة المسافر الذي قرر ألاّ يتراجع بالرغم من أنه صار على يقين من أنه لن يصل.

"لو أنه عرف أنه سيكون فلاحا في النهاية هل كان يتعب نفسه سنوات طويلة ليكون رساما؟" ذلك سؤال جاهز ومعقول غير أن التريكي لا يملك الإجابة عنه بل سيسخر منه. ذلك لأنه لا يشعر بأي تناقض. في الحالين فهو يحرث. علينا أن لا ننسى أن التريكي هو حفار بالدرجة الأساس. أقام معارض لمحاولاته في الحفر الطباعي.

يحفر التريكي في الرسم بحثا عن شيء ما يفتقده ويحفر الأرض لأنه يريد أن يصل إلى حقيقة وجوده. في الحالين تظل الأسطورة قائمة. عن طريق الحنين الغامض إلى شيء ما، ذلك الشيء الذي يمكن أن يُسمى الفقد. ذلك ما يحدث في الرسم. أما في الأرض فإنه يبحث عن ذلك الشيء الذي يعرفه وكان محروما منه. لم يضل التريكي طريقه حين أصبح رساما وصار أكثر دراية بنفسه حين انتقل إلى الفلاحة.

لن يكون وصيّا إلا على كائناته

الوصي على كائنات يجسدها
الوصي على كائنات يجسدها 

رسوم التريكي درس عظيم في الفن الخام. فن الطفولة التي لم تغادر براءتها. الفن الذي يكسبنا براءة لم نكن نتوقعها. تلك هي بلاد لن يكون في إمكاننا الوصول إليها في أحوالنا العادية.

التريكي سعادة أن نكون في المكان الذي تنفتح فيها عيوننا على فراديس لم نكن نتوقع أننا مؤهلين للوصول إليها. هل هي الحقول المغناطيسية التي تحدث عنها أندريه بريتون، بابا السريالية؟

واقعية التريكي وهو يحفر بحثا عن حقيقته الشخصية تصل إلى مرحلة الواقع المتخيل أو الواقع البديل وهو ما سنحتاجه تأمليا ونحن نسعى إلى أن يكون لنا مكان في عالم التريكي الذي يأسرنا بكائناته التي لا يمكن أن تُسمى بأسمائها الواقعية. ذلك لأنها تهرب بنا من الواقع. سنحب أن نكون معه دائما. غير أن الشخص المتوزع بين الرسم والفلاحة لا يعدنا بالحماية. لن يكون وصيا إلا على كائناته.

◙ التريكي يحفر في الرسم بحثا عن شيء ما يفتقده ويحفر الأرض لأنه يريد أن يصل إلى حقيقة وجوده.

9