التكنولوجيا جعلت الشاشات جزءا من حياتنا وعلى الكتّاب أن يستوعبوا ذلك

الأديب المصري حسام فخر: الكلام عن زمن الرواية مغالطة.
الأربعاء 2022/01/12
القول بأن زمننا هو زمن الرواية مجرد شعارات

لا قوانين ثابتة في عالم الإبداع ولا أحكام نهائية أو مسلمات، ولا ينبغي للإبداع أن يخضع للتيار العام. لذا فإن ما يُطرح ويُكرر في الأوساط الثقافية العربية بشأن اكتساح الرواية وغلبتها وسيادتها على جميع ألوان الإبداع يحتاج إلى إعادة نظر. وهو ما يؤمن به القاص والروائي المصري حسام فخر الذي كان لـ”العرب” هذا الحوار معه.

هناك أصوات عديدة ترى أن سطوع الرواية لم يكن خصما من باقي الفنون خاصة القصة القصيرة التي ما زالت في تألق وتحقق، ومن هؤلاء القاص والروائي حسام فخر الذي قدم تجربة جديدة لافتة في مجال القصة القصيرة من خلال مجموعة “بالصدفة والمواعيد” الصادرة مؤخرا عن دار “العين” للنشر بالقاهرة، والتي بدت مثيرة للجدل لدى جمهور القراءة.

ظهر الاحتفاء بالمجموعة الحديثة والمؤلف على مواقع التواصل الاجتماعي كدافع نحو استقراء ما تطرحه من روئ ومشاعر، مع بحث التساؤل القديم الحديث بشأن القصة القصيرة، وإن كان بمقدورها المقاومة وفرض نفسها مرة أخرى في ساحات الكتابة.

حضور رغم الغياب

ما زال بمقدور القصة القصيرة صناعة الدهشة والتأثير الفني، ولها كتّابها المبدعون وجمهورها العريض، وحاضرة بقوة رغم غيابها

حاورت “العرب” القاص المصري الذي يعيش في مدينة نيويورك منذ سنوات، مؤكدا أن القصة القصيرة ما زال بإمكانها صناعة الدهشة والتأثير الفني، ولها كتابها المبدعون وجمهورها العريض، وحاضرة بقوة رغم غيابها عن المنتديات العامة والندوات الثقافية الكبرى.

 ويرى أنه إذا كان معظم نقاد الأدب اختاروا أن يخصّوا الرواية دون غيرها من أشكال التعبير الأدبي بقدر كبير من الاهتمام، فلهذا أسباب متعددة أهمها كثرة الجوائز المخصصة للرواية، وذلك لا يعني انحسار الأضواء عن القصة القصيرة، فالفن الصادق الجميل، أيا كان الشكل الذي يأخذه، يفرض نفسه ويستحوذ على اهتمام الناس بصدقه وجماله، و”أظن أن انتظارنا لن يطول لعودة القصة القصيرة إلى بؤرة اهتمام النقاد والقراء قريبا”.

وحول مجموعته الجديدة يؤكد حسام فخر لـ”العرب” أن عنوانها “بالصدفة والمواعيد” يعبر عن حالة شعورية خاصة مرت به وقت الكتابة، فضلا عن مشاعر متداخلة في لحظات تأمل شخصية.

ويوضح أن القصة القصيرة عشقه الأول وهي الشكل الذي يفضله للتعبير عما يصطخب في صدره من مشاعر وأفكار، قائلا “أعتقد أن الشعر هو جوهر كل الأشكال الفنية، سواء أكان لوحة أم كتابة أم مقطوعة موسيقية يتضمن بالضرورة قدرا من كثافة الشعر وتوتره وقدرته على رؤية الجمال والتعبير عنه حتى في أكثر المواقف قسوة”.

ويضيف أن القصة القصيرة أقرب الأشكال الفنية إلى روح الشعر وأقدرها على التعبير عنها، وهي شكل أدبي شديد المرونة تتيح لمن يكتبها بإتقان ودقة أن يعبر عن كمّ هائل من الأفكار والمشاعر بأقل قدر من الكلمات وبحيل فنية ماهرة دون الوقوع في فخ الخطابية والمباشرة، مبديا تحفظه الشديد على القول بأن الأضواء قد انحسرت عن القصة.

وتفرض الكتابة في تصورات حسام فخر نفسها على الكاتب وتطالب بحقها في الخروج إلى النور من خلال القالب الأصلح الذي يراه كل مؤلف، ورغم أن له تجربتين في “النوفيلا” إلا أنه ينحاز دائما للقصة القصيرة.

ويرى القاص المصري المقيم في نيويورك أنه من الظواهر المستفزة في الحياة الثقافية بشكل خاص ميل البعض إلى استخدام شعارات شديدة العمومية والضيق في نفس الوقت مع أن الحياة رحبة ومتسعة ومن المفترض أن يزيدها الفن رحابة واتساعا.

ويضيف أن الكلام عن زمن الرواية أو عصر قصيدة النثر أو ما شابه ذلك من شعارات تتردد بين حين وآخر ويتلقفها الكثيرون ويكررونها دون وعي لأبعادها الحقيقية، وهذا يتجاهل أن في الدنيا متسعا لكل أشكال الجمال وأدوات التعبير الفني عنه، فالقمة مستوية وبها مكان للتنوع والتعدد الثري.

ويشير فخر إلى أن ازدهار الرواية ليس بالضرورة خصما من المساحة المتاحة للقصة وللشعر ومختلف ألوان التعبير الفني، متسائلا إذا كان هناك تعارض بين تذوق الرواية والإعجاب بالقصة والهيام بالشعر في نفس الوقت، وهل هناك ما يمنع الإنسان من عشق الأوبرا والأغاني الشعبية وموسيقى الجاز والإنشاد الديني والترانيم وتلاوة القرآن والموسيقى الكلاسيكية وأغاني الراب في الوقت ذاته؟

وينتقد في حواره مع “العرب” النظرة الأحادية التي تفرض علينا أن نختار بين هذا أو ذاك، إما الرواية وإما القصة، إما شعر العامية وإما الفصحى، إما الموسيقى الشرقية وإما الغربية، الأمر الذي يفقرنا ويجعلنا نعيش في جدب ثقافي، وقلب الإنسان أعجوبة حقيقية فهو شديد الرحابة وفيه مكان لمختلف الأفكار والأحاسيس، ويزداد اتساعا كلما فتحه الواحد للمزيد من الأفكار والناس والقضايا وأشكال التعبير الفني.

المستقبل للقصة

مجموعة قصصية صدرت عام 2007

قدم القاص المصري حسام فخر تصوره بشأن المستقبل قائلا “في ضوء تطور الإنترنت وانتشار مواقع التواصل الاجتماعي سوف يكون المستقبل لأشكال التعبير الأدبي الأكثر إيجازا واختصارا وعلى رأسها القصة القصيرة و’النوفيلا”.

وحول مدى تأثير التكنولوجيا على الإبداع، يقول “كل كاتب بشكل عام يتغير مع التقدم في السن، وتراكم الخبرات، واتساع الرؤية، لنأخذ أي كاتب قصة ونتابع أعماله منذ بداياته حتى أحدث كتاباته وسنرى تغيرا ملحوظا في بناء القصة وكيفية وصولها إلى نقطة الذروة، وسنجد تطورا في تكوين الجملة واستخدام المفردات واختيار الموضوع ذاته”.

ويلفت إلى أن التكنولوجيا جعلت الشاشات جزءا من حياتنا، وأصبح على الكاتب أن يستخدم في كتابته الأسلوب البصري والرسم بالكلمات لأن القارئ يبحث عن صورة مرئية، والسرعة المذهلة للتكنولوجيا في نقل المعلومة أثرت بالسلب في قدرة الناس على التركيز لفترة طويلة مما فرض على الكتّاب ضرورة الإيجاز في كتاباتهم.

ويرى الأديب المصري أن أي فرد يمكن أن يعبر عن ذاته بالشكل الذي يختاره، والقراء هم الذين يحددون ما الذي يستحق البقاء أو ستجرفه أمواج النسيان، “أظن أن التكنولوجيا الحديثة كان لها تأثير مختلط على سوق الأدب في كل أنحاء العالم، فمن ناحية أتاحت الفرصة للكتاب لإيصال أعمالهم إلى عدد كبير من القراء كان يصعب في الماضي أن يطلعوا على تلك الأعمال”.

وفي اعتقاده أن هناك موهبة تولد مع الكاتب منذ البداية، لكن الموهبة وحدها لا تكفي، لأن ثمة حاجة دائمة إلى صقلها وتطويرها بالقراءات المتعددة لأن تراكمات الخبرة وسنين العمر تؤدي إلى تغيير كبير في لغة الأديب.

وحول تجربته الإبداعية يقول لـ”العرب”، “إن أي تجربة إبداعية تتأثر بكل تفاصيل حياة صاحبها، فالعيش في مدينة عظيمة شديدة التنوع مثل نيويورك أتاح لي فرصة التعرف على حضارات وثقافات مختلفة ما أثراني إنسانيا وأدبيا، وأظن أن هذا قد انعكس بشكل واضح على كتاباتي”.

القصة القصيرة أقرب الأشكال الفنية إلى روح الشعر وشكل أدبي شديد المرونة تتيح لمن يكتبها بإتقان ودقة

ويؤكد فخر أنه لا يفضل استخدام كلمة الاغتراب حيث يعتبر نفسه مواطنا عالميا، ويشعر بنفس القدر من الألفة والغربة في أي مكان.

وعمل الأديب المصري في مجال الترجمة الفورية، ما يتطلب درجة كبيرة من الإيجاز والوضوح والبساطة في التعبير كي ينقل المترجم أوسع معنى ممكن بأقل عدد من الكلمات، فقد أصبح من سمات كتاباته الإيجاز والتكثيف وهو الشيء الذي يتلاءم مع فن القصة القصيرة.

ويذكر حسام فخر قاص وروائي مصري من مواليد 1958، وهاجر إلى الولايات المتحدة منذ 1982 ليعمل في الترجمة هناك، وصدرت له حتى الآن خمس مجموعات قصصية وروايتان، ونشر عام 1985 مجموعته القصصية “البساط ليس أحمديا”، ثم نشر عام 1989 مجموعة “أم الشعور”، وفي عام  2003 نشر مجموعة “وجوه نيويورك”، ثم نشر في 2005 روايته القصيرة “يا عزيز عيني”، فضلا عن مجموعة “حكايات أمينة” عام 2007، ورواية “حواديت الآخر” عام 2008.

وأخيرا صدرت له مجموعة “بالصدفة والمواعيد”. وفاز بجائزة ساويرس للأدب بمصر فرع القصة القصيرة عام 2008، ورغم إقامته في نيويورك، غير أنه حريص على التواصل مع والتواجد في الوسط الثقافي المصري.

13