التفاهمات الخارجية لتسوية الأزمة السودانية

ثمة فرصة لتغيير وجه السودان بدلا من الدوران في الحلقات السابقة دون خروج من صيغة حكم عسكري يعقبه مدني والعكس، والتي لم تعد صالحة، لأن البديل هذه المرة الطوفان، وهو ما ترفضه غالبية القوى الخارجية.
الاثنين 2019/07/22
تطورات مفصلية ستقرر مصير السودان

لم تحظ أزمة سياسية في المنطقة باهتمام سياسي خارجي بمثل ما حظيت به الأزمة السودانية الراهنة. ولو توفر جزء يسير من التفاعل الإيجابي مع أي من الأزمات العربية المتفاقمة لكان الكثير منها توارى أو على الأقل تراجعت حدته. فما يحدث مع السودان يشير إلى نمط جديد في التعامل الإقليمي والدولي. كما أن الدول التي خسرت بعد عزل الرئيس عمر حسن البشير لم تجرؤ على تبني توجهات معلنة ضد التسوية بين المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير.

أصبح التوافق الخارجي لافتا في حالة السودان. كلما شهدت أزمته انكسارا أسرعت جهات عديدة لإصلاحه، كي لا تصل إلى طريق مسدود. فالأمل لم ينقطع قبل توقيع الاتفاق السياسي بين الطرفين أو بعده، وعندما تظهر مطبات فجأة لا تتوقف خطوات رفعها على الفور، وتُبذل محاولات حثيثة لتذليل العقبات مهما بلغت ضخامتها، بل ووضع حد للتصورات الهدامة لدى القوى الممانعة، لترضخ وتقبل بما يُعرف بالإجماع العام، أو يتم تجاوز اعتراضاتها ووقف تحرشاتها.

فمن المهم أن تظل العملية مستمرة، ومنعها بأي شكل من أن تصل إلى درجة الانسداد التام واليأس من حلحلتها، كأن هناك توافقات ضمنية على عدم ترك الأزمة من دون رعاية صلبة تنقذها وتخرجها إلى بر الأمان.

لم يشهد السودان هذا النوع من الأزمات، ولم يمر بهذه الطريقة من التسويات. فكل التوترات السياسية والنزاعات الأمنية سابقا دخلت على خطوطها دوائر متباينة، محلية وإقليمية ودولية، وكانت الخلافات بين المتفاوضين ساخنة دوما، والدول والهيئات التي تصدت للوساطة كانت على طرفي نقيض في معظم الأحوال، بما ضاعف من صعوبة الحلول المطروحة. ويكاد بعضها لم يتحرك منذ اندلاعه وحتى الآن، على الرغم من التفاوت في الأسباب والدوافع والنتائج التي أفضت إلى وضع كل حالة في خانة ضيقة.

الأزمة الراهنة فريدة في كل ما يحيط بها. بدءا من الظروف التي أحاطت بها وحتى الحصيلة التي نراها اليوم. وفي مجملها جيدة بالنسبة لدولة شاسعة في حجم السودان وتركيبته السياسية المتنوعة ومشاهده المسلحة المفتوحة على كل الاحتمالات القاتمة. فضلا عن النزاعات الطويلة التي تتجاوز الحدود الجغرافية، وأدت في أوقات كثيرة إلى احتكاكات إقليمية غامضة، وحروب بالوكالة سافرة استخدمت فيها ورقة المعارضة للابتزاز والضغط على أطراف بعينها.

يفسر هذا التشابك جانبا من أسرار الاهتمام الخارجي بالأزمة وتدافع قوى عديدة نحو عدم التوقف عن بذل جهود كبيرة لوأد الفتن التي تطفو من وقت لآخر على السطح. ويبرر الإصرار الواضح بشأن عدم الاستسلام لمآلاتها الطبيعية، بل هناك حرص على توفير كل أنواع الدعم المادي والمعنوي، والحوافز التي ترمي لعدم التوقف عن التوصل إلى حلول خلاّقة تساعد على سد الثغرات التي كشفتها تفسيرات كل طرف لكثير من التفاصيل بخصوص الإعلان السياسي أو الإعلان الدستوري. فمن المهم ألا تتوقف عجلة التفاوض عن الدوران في الاتجاهات التي يمكن أن تفضي إلى تسوية ثابتة ومستمرة.

فشلت رهانات المجلس العسكري على الدعم الخارجي، الإقليمي تحديدا، باعتباره الجهة التي تجلب المساعدة والأمن والاستقرار للسودان. وأخفقت حسابات قوى الحرية والتغيير على تحقيق مكاسب كبيرة من وراء رفع شعارات مدنية صرفة، لأن الكثير من الدوائر المهمومة بمصير السودان وجدت ملاذا في ما يعتبره البعض “جمع بين نقيضين”.

وأدت الأحداث التي مرت بها دول مختلفة في المنطقة إلى تزايد القناعات بضرورة التوصل لصيغة عسكرية- مدنية مختلطة، ومحاولة الخروج من شرنقة التنافر بينهما ووضعهما في كفتين متقابلتين، ما يحل واحدة من التناقضات التي تواجه بعض القوى الكبرى التي انحازت لقيادات أمنية على غيرها من السياسية.

خلّفت مساندة النظام المصري مثلا من قبل الإدارة الأميركية مرارة لدى البعض، خاصة أن الرئيس دونالد ترامب اعتبر القاهرة أحد أهم محاور الاستقرار في المنطقة، ويخوض الرئيس عبدالفتاح السيسي معركة ممتدة ضد المتشددين والإرهابيين، وكذلك الدعم الذي يلقاه الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر، ما أوقع واشنطن في مأزق بين توفير الدعم المادي لمصر والمعنوي لحفتر، وبين المطالبات المستمرة لبعض أعضاء الكونغرس والمنظمات الحقوقية بالضغط لمزيد من الحريات. وكان السبيل لتجنب الحرج التوصل لصيغة مبدعة تتبناها دول متعددة، تؤكد مركزية الجيوش كضامنة للاستقرار، والحكومات المدنية كضامنة للحريات.

يساعد نجاح تجربة السودان في الجمع بين النقيضين على فتح الطريق لحلحلة الأزمة الجزائرية، التي لم تجد الاهتمام الخارجي الكبير، كما هو حاصل في السودان، ربما لأن تطبيق نموذج العسكري والمدني يحظى بأفق أكبر في الثانية، أو لأن المكونات المتحكمة في الأولى أشد بأسا، لكن التغلب على صعوبات الأزمة في السودان والالتفاف حول صيغة سياسية للحل قد يفتحان الأبواب والنوافذ المغلقة في الجزائر بعد أن سئمت هيمنة المؤسسة العسكرية، وقد يشجع على الاقتراب من التفاهم حول احترام الدور التاريخي للجيش هناك والتحولات التي حدثت وجعلت القوى المدنية رقما مستقلا وليس تابعا.

يأتي تكثيف التحركات الخارجية على السودان ليمنحه مجالا للتسوية ويمنع الدخول في مربع المزايدات التي تلفظ فكرة القواسم المشتركة، وعدم ترك الأمور لقوى محلية تفضل مواصلة الصراع السياسي سعيا وراء تحقيق أهدافها كاملة، بصرف النظر عن المنطقية والواقعية، على التوافق حول أفكار ووسائل يمكن أن تخرج السودان من أزماته.

وهذه واحدة من العقد التي جعلت كل تفاهم بين المجلس العسكري والحريّة والتغيير يصطدم بحائط جديد كلما تم تجاوز حائط قديم. الأمر الذي يستلزم وجود هيئة رئيسية راعية (الوساطة الأفريقية الإثيوبية) وهيئات أو جهات فرعية تقوم بمهام العراب (العرابين) لتجاوز العقبات، خوفا من انفلات الأزمة، وبالتالي صعوبة السيطرة عليها.

اندلاع صراعات عدة في المنطقة قدم هدايا ثمينة لحركات إسلامية متشددة ودول إقليمية طامحة وقوى دولية راغبة في تسييل المنطقة لتتمكن من إعادة صهرها وتركيبها بالصورة التي تساعدها على أن يكون لها مكان تحت شمس العالم من خلال التحكم في بعض المفاتيح، ما جعل قوى مقابلة تقلق من الأزمات المفتوحة على احتمالات مجهولة. واتضحت صعوبة إغلاق التوترات عندما تدخل على خطوطها حركات وفصائل ودول من مشارب مختلفة ولها أحلام سوداء. علاوة على ما تقدمه التوترات من فرص للتأثير على مصالح قوى منافسة.

ولعل الموقع الاستراتيجي الذي يحتله السودان يكشف عن جزء كبير من هذه المعادلة. وإذا انفلتت أزماته الظاهرة والكامنة من عقالها فسوف يكون من الصعوبة فرملتها، لأن امتداداتها الخارجية عميقة ومن السهل أن تجر خلفها دولا عدة بسبب التركيبة الاجتماعية والسياسية والأمنية المتشابهة.

كما أن السودان يتم تجهيزه ليكون دولة مفتاحا في منطقة القرن الأفريقي. لذلك احتلت أزمته مكانة متقدمة في أجندات كثيرة، ترى خروجه من محنته أول الخطوات الحقيقية لاستمرار مشروعات تنموية واعدة عبر التكامل الإقليمي، في حين يقود التوتر إلى الفوضى والانفلات والتخريب، ومن ثم قطع الطريق على الترتيبات التي تريد إيجاد محاور عملية للشراكة الإقليمية على أساس المنافع المتبادلة، وتحييد أو إبعاد الدول التي تمثل مصدرا للقلق.

تتوقف هذه التقديرات على مدى نجاح الأطراف الخارجية في إقناع القوى الداخلية بأن السودان يمكن قد يصبح بلدا عفيا، ما يستلزم تقديم تضحيات سياسية كبيرة من الجميع لتخطي التحديات التي لن تتوقف طالما هناك أحزاب وحركات تعطي أولوية لمصالحها على مصالح السودان.

ومن الضروري التيقن أن ثمة فرصة لتغيير وجه السودان بدلا من الدوران في الحلقات السابقة دون خروج من صيغة حكم عسكري يعقبه مدني والعكس، والتي لم تعد صالحة، لأن البديل هذه المرة الطوفان، وهو ما ترفضه غالبية القوى الخارجية، ويمنح تفاهماتها لتهيئة أجواء مناسبة أمام الأزمة الحالية وزنا كبيرا.

8