التعتيم على ملكية وسائل الإعلام التونسية مؤشر على اختلاط المال بالسياسة

غموض يلفّ الإعلان العمومي الذي لا يخضع إلى أي تنظيم، ولا شيء يثبت أن نسب المشاهدة المتداولة الآن دقيقة.
الجمعة 2019/01/11
إسناد موجات البث الإذاعي لا يخضع لمعايير منصفة

رغم تنوع المشهد الإعلامي التونسي ظاهريا، إلى أنه يفتقد إلى الشفافية بعدم وضوح ملكية وسائل الإعلام التي تتصدّر نسب المشاهدة أو المتابعة، فاحتشاد قسم كبير من الناس حول وسيلة إعلام واحدة ليس من التعددية في شيء.

لمّا كان الطلبة يتزاحمون أمام مدرج جامعة برلين، العاشرة صباحا، لحضور دروس جورج هيغل، لعل الواحد منهم يظفر بمقعد من المئتين، كان أرتور شوبنهاور الذي اختار التدريس في الوقت نفسه يعتصر ألما أمام الطلبة الخمسة الذين اختاروا درسه. عانى الأمرّين وكسد كتابه ثلاثين عاما حتى أصبح ملهما لعباقرة مثل نيتشه وتولستوي وفاغنر وكافكا وشارلي شابلن وغيرهم كثر.

ومثَل احتشاد الناس لدرس هيغل المعلم، رغم عبقرية شوبنهاور، كمثل احتشادهم لسماع إذاعة واحدة أو لمشاهدة قناة تلفزيونية واحدة. في تونس تعادل إذاعة موزاييك انتشارا الخمس إذاعات التي تليها في الترتيب وقد تتجاوزها. وإن كان ذلك يسر الإذاعة ومستمعيها، وهو حق لهم، فإنه لا يخدم المشهد الإعلامي ولا الديمقراطية.

ولمّا تسيطر على المشهد إذاعة واحدة تتبعها أخرى بعيدة عنها أو قناتان تلفزيونيتان متشابهتان إلى حد التطابق أحيانا تنقلب التعددية السياسية والفكرية إلى تعدد قنوات البث لا غير. فخطب الجمعة في آلاف المساجد لا تعني بالضرورة تنوعا في الخطاب بل تعددا في المنابر.

إن مسألة سيطرة قناة أو بعض القنوات على مشهد إعلامي فيه العشرات من القنوات هو نمط من التركّز يخص الجمهور ويساوي خطرا تركز وسائل الإعلام.

من أين تأتي قنوات تلفزيونية بالمال إذا كانت لا تبث إعلانا واحدا مثل قناة الزيتونة أو قناة الإنسان ذات المضامين الدينية

تستقطب إذاعة موزاييك الخاصة نحو مليون وستمئة ألف مستمع في حين لا تحظى الإذاعة التي تليها، بصرف النظر عن إذاعة الزيتونة الدينية، إلا بأقل من الثلث.

وتظهر عملية حسابية بسيطة أنّ معدل مستمعي الإذاعات الثمانيَ عشرة التي تلي موزاييك هو نحو مئة وخمسين ألف مستمع، أي من واحد إلى عشرة أضعاف.

ويقابل احتشاد الناس حول موزاييك تشتّتهم بين الإذاعات الأخرى وهو أمر لا يساعد الناس على تكوين رؤى متقاربة عن الحياة العامة ولا على تكوين رأي عام متقارب في إدراك الأمور حتى إن كانت مضامين تلك الإذاعات تقوم على التعددية والتنوع. ويصبح الوضع حينئذ أشبه بأرخبيل فيه جزيرة كبيرة تتناثر حولها عشرات الجُزيّرات.

وإذا كان مبدأ المساواة يقتضي ألاّ نبخس الناجحين حقهم فإن إنصاف مجتمع نريده ديمقراطيا يفرض إقرار تعددية حقيقية لا يمكن إقامتها إلاّ بوسائل إعلام مبنية بدورها على التعددية. وليس احتشاد قسم كبير من الناس حول ميديا واحدة من التعددية في شيء.

لا يوجد حل جاهز للأمر إنما هناك إجراءات لا مفر منها يمكن أن تسهم في إرساء المساواة بل الإنصاف.

وهناك في شأن وسائل الإعلام المسموعة والمرئية في تونس مسائل تتصل بالشفافية ينبغي مراجعتها وهي قياس نسب الاستماع والمشاهدة ونطاق البث وملكية وسائل الإعلام والإعلان العمومي.

يقوم المنوال الاقتصادي للمؤسسات المسموعة والمرئية في تونس على ركيزة يتيمة هي الموارد الإعلانية التي تقدر بالنظر إلى عدد المستمعين والمشاهدين. وبصرف النظر عمّا يقال في شأن التلاعب بالأرقام، من محاباة أو عقاب لبعض المؤسسات وعن الرشاوى، فإن المنطق يقتضي أن تتولى المؤسسات الإعلامية مع شركات الإعلان إحداث مؤسسة واحدة لقياس النسب.

ولن نعيد اختراع العجلة فقد أثبتت التجارب أمرين. أما الأول فهو ضرورة الفصل التام بين مؤسسات الاستطلاع ومؤسسات قياس نسب الاستماع والمشاهدة، وأما الآخر فهو أن يشرف على القياس أهل المهنة دون غيرهم فيكون الكل رقيبا على سلامة العملية.

فمعرفة من يشاهد ماذا وينصت إلى ماذا أمر حيوي للشفافية المالية والشفافية السياسية. ولا شيء يثبت أن نسب المشاهدة المتداولة الآن سليمة مهما كانت النوايا حسنة.

ومن البديهي أن عدد المشاهدين والمستمعين متصل اتصالا عضويا بنطاق البث إذ كلما اتسع النطاق زاد المتلقون وارتفعت العائدات الإعلانية.

ولا نفهم في تونس التمييز بين الإذاعات الخاصة في إسناد موجات البث، فمنها ما يغطي تونس كاملة ومنها ما يغطي بعض المحافظات ومنها ما لا يتجاوز بثها محافظة واحدة أو اثنتين.

نعلم علم اليقين انحسار الطيف المغناطيسي الذي لا يفي بإعطاء الإذاعات كلها إمكانية تغطية تونس كاملة غير أنه كان ينبغي اعتماد مبدأ المساواة في الظلم أو مبدأ التمييز الإيجابي بالنظر إلى ما حصلت عليه مؤسسات سمعية بصرية قبل يناير 2011. والحلول ممكنة إما بتثبيت مرحّلات جديدة وإما بالتعجيل بإرساء البث الإذاعي الأرضي الرقمي، وهي مسألة حيوية أخرى.

وتبقى مشكلة ملكية وسائل الإعلام أمرا مقلقا لأسباب متعددة منها أن هناك من أعطى لنفسه حرية البث عبر الأقمار الصناعية دون المرور بالمجال المغناطيسي التونسي مثل تلفزيون الزيتونة الذي كان يملكه ابن قيادي في حركة النهضة ومنها أن عددا كبيرا من التونسيين ومن غيرهم يجهلون المالكين الحقيقيين لبعض القنوات الإذاعية والتلفزيونية ومنها نشاط بعضهم في السياسة وإن لم يكن ضمن أحزاب.

المنطق يقتضي تولي المؤسسات الإعلامية مع شركات الإعلان إحداث مؤسسة واحدة لقياس نسب المتابعة

ليس من العقل في شيء أن يتلقى الناس مضامين إخبارية وإعلامية بشكل أعم وهم يجهلون مالكي المؤسسات الإعلامية وانتماءهم السياسي والفكري. ولا يمكن أن يستقيم دور تلك المؤسسات في بناء الديمقراطية إذا كان هناك من يعلم الأمر ومن يجهله.

ولملكية الميديا علاقة عضوية بالشفافية المالية ومتى مسها التعتيم اختلط المال بالسياسة. فمن أين تأتي قنوات تلفزيونية بالمال إذا كانت لا تبث إعلانا واحدا مثل قناة الزيتونة أو قناة الإنسان وهو تلفزيون حاصل على ترخيص لقناة عامة والحال أن مضامينه دينية؟

غموض يلف مستويات متعددة منها الإعلان العمومي الذي لا يخضع إلى أي تنظيم. كل واحدة من المؤسسات الحكومية تتصرف على هواها أو ربما هوى من يشرف عليها ولا أحد يعلم إن كان هناك ما يضمن أدنى حدود إنصاف المؤسسات الإعلامية التي لا تحيا إلاّ بالعائدات الإعلانية.

ذلك بعض من مآخذ منظمة “مراسلون بلا حدود” التي صنفت تونس في المرتبة السابعة والتسعين عالميا من حيث حرية الصحافة والثالثة عربيا بعد جزر القمر وموريتانيا.

حرية الصحافة ليست فقط أن ننشر ما نشاء دون قيد بل أن نراعي جملة من المعايير الأخرى التي تجعل حرية القول والنشر حرية فعلية تضمن ممارسة سليمة. وما أحوج الشبان والشابات من صحافيينا إلى بيئة تتيح لهم تلك الممارسة السليمة.

شوبنهاور المغمور حيّا لم يكن أقل شأنا من المعلم هيغل. قال عنه تولستوي “عندما أقرأ كتابه لا أفهم كيف عاش مجهولا”. كتابه “العالم إرادة وتمثلاّ” لازم شابلن سنين ووصفه قائلا بعد أن قرأه “ما انفككت طيلة أربعين عاما أقرأ صفحات منه ثم أعيد قراءتها”.

18