التأكيد على الهوية الدينية لتونس يعرّضها للتلف

هل يمكن لقيس سعيد إلغاء الهوية الدينية لتونس من الدستور؟ إذا تمت هذه الخطوة ما مصير الهيئات الدينية التابعة للدولة؟ وكيف ستتعامل الدولة مع المساجد؟ ومع قوانين ما زالت تعتمد على الدين كمرجع؟
الجمعة 2022/06/17
جدل الهوية

التونسيون ليسوا بتلك الجرأة التي يتخيلها أشقاؤهم العرب والمسلمون بالمشرق في أن يضعوا المرجعية الدينية خلف ظهورهم، ويضربون عرض الحائط بريادتهم التاريخية في الفقه والتشريع، وهم يسنّون القوانين والتشريعات الناظمة لبلادهم.

هم أيضا، ليسوا بذاك “الغباء” وذاك “التهور” كي يؤلبوا جمهور المسلمين عليهم، وهم الذين عرف عنهم الاعتدال والتروي ضمن المدرسة الزيتونية العريقة التي كان من روادها الإمام سحنون، ومن قبله ابن عرفة، وابن خلدون الذي يتباهى به المحدثون والعلمانيون والمحافظون في تونس على حد السواء.

كل ما في الأمر أنهم يجتهدون، ويصيبون غالبا، دون تذمر من أحد.. تجري الأمور شفافة وبمنتهى السلاسة.. ولا يعترض عليها أحد إلا غير التونسيين كما في دستوري 1959 و2014 اللذين اعترفا بقانون الأحوال الشخصية الشهير الذي يمنع تعدد الزوجات، تحت سقف الشريعة، والذي صادق عليه شيوخ جامع الزيتونة أنفسهم، بل ساهم بعضهم في صياغته كالشيخ عبدالعزيز جعيط (1886 ـ 1970) الذي كان أول مفت مالكي للديار التونسية.

مشكلة المشرّع التونسي أن الاعتراضات تأتي غالبا من خارج البلاد، وليس من داخلها. وفي الأمر تشكيك في “القدرات المحلية” التي يتحسس منها التونسيون أيما تحسس، خصوصا من الشقيقة الكبرى مصر التي تولى فيها التونسي محمد الخضر حسين مشيخة الأزهر بين سنتي 1952 و1954، في سابقة نادرة، مما يعد اختراقا غير مسبوق في أرض الكنانة، خصوصا أنه اشتهر بالفطنة والتسامح واتساع المعرفة.

وبالعودة إلى الشأن التونسي المحض، فإن منسق الهيئة الوطنية الاستشارية لإعداد دستور “الجمهورية الجديدة” في تونس الصادق بلعيد، قال إنه سيعرض على الرئيس قيس سعيّد مسودة دستور لن تتضمن ذكر الإسلام كدين للدولة، بهدف التصدي للأحزاب ذات المرجعية الإسلامية على غرار حركة النهضة وغيرها من الأحزاب الإسلامية.

الرجلان الزميلان في مادة القانون الدستوري بالجامعة التونسية، تحدثا في الموضوع بمنتهى الحرفية والمهنية مثل أي مقترح يمكن النظر فيه بعيدا عن أي حساسية متوقعة.

ليس لأن الموضوع لا يعني التونسيين في مدى أهميته التاريخية من منطلق أنه يعني أجيالا قادمة، لكن أغلب أبناء شعب الزعيم بورقيبة تعلموا أن الأمر يخص التشريعات المدنية، وليس قوتهم اليومي أو أي شيء يجبرهم على تغيير عاداتهم الغذائية والشرائية.

نريد لهوية تونس الدينية ألّا تكون قاتلة بل موقظة للجذور الثقافية دون تعصب عقائدي.. فإلى الأمام يا قيس سعيد إن كنت وفريقك الدستوري صادقين في ما تقولان

نعم.. الأمر يبدو بمثل هذه البساطة في بلد كتونس، ذلك أن مواطني هذه الدولة العربية الاستثنائية ليس لديهم أي توجس في أنه قد يحاك ضدهم مشروع يستهدف هويتهم. بالمناسبة، سؤال الهوية لا يسأل عنه أحد في تونس: كلنا تونسيون، عرب وأمازيع مستعربون، مسلمون وبعض اليهود والمسيحيين من أصول أوروبية.. وانتهى الموضوع.

ما يؤكد هذا أن الفقيه القانوني البالغ من العمر أكثر من ثمانين عاما، يعلم علم اليقين أن التونسيين لا تهمهم النصوص القانونية فيما يخص الهوية التي لا تحتاج إلى تشريع، عكس بعض البلدان المشرقية ذات التنوع والحساسية الطائفية ذات الهويات المحترقة والقاتلة كما يقول اللبناني أمين معلوف.

وقال الصادق بلعيد في مقابلة مع وكالة أنباء فرنسية “ثمانون في المئة من التونسيين ضد التطرف وضد توظيف الدين من أجل أهداف سياسية. وهذا ما سنفعله تحديدا وسنقوم بكل بساطة بتعديل الصيغة الحالية للفصل الأول”.

وفي هذا الصدد، من حق كل مراقب عربي ومشرقي على وجه الخصوص أن يسأل: هل يمكن لقيس سعيد حقا إلغاء الهوية الدينية لتونس من الدستور؟ إذا تمت هذه الخطوة فعلا ما مصير الهيئات الدينية التابعة للدولة؟ وكيف ستتعامل الدولة مع المساجد؟ ومع قوانين ما زالت تعتمد على الدين كمرجع؟

الجواب هو أن الأمر سيظل شكليا لا يقبل الجدل في جوهره مثل الطرفة التونسية التي تتمثل في عجوز ريفية تتحدث لخبير في الأمم المتحدة “كلنا مسلمون ونخشى الله”.. قال لها “ولكني غير مسلم أيتها العجوز الطيبة”، فقالت له “لكني متأكدة أنك تخشى الله، مهما كان شكله في ذهنك”.

هي لم تجادله في صيغة الإيمان لديه، لكنها على قناعة بأن الأخلاق الإنسانية كفيلة بالرد على جميع الأسئلة التي يحاول الإسلاميون افتعالها واستنهاضها لإثارة الفتن.

أما الأبعد من ذلك فإن تونس تضم أيضا غير المسلمين وغير المتدينين، وغير المتاجرين بالإسلام.. وهو السؤال الذي يمكن أن يرد عليه مخطوط الدستور التونسي العتيد، لأن مشكلة هذه البلاد ليست في المطبات التي تريد حركة النهضة إيقاعها فيها للتعامي عن مشكلات جوهرية أعمق.

صفوة القول إن الهويات لا تلغى بجرة قلم أو بالالتفاف على فكرة أو حتى بالنظر إليها من طرف عين، ولكن بتجاوز حساسياتها كما لا يسأل عابر طريق عما تحمل في كيسك.

علمتنا التجربة السورية التي تبدو في ظاهرها علمانية أن الهوية الدينية لا تختفي لمجرد تجاهلها أو إهانتها بالشعارات كما فعل حزب البعث بل بتقديرها دون أخذها بعين الاعتبار.. وهو ما لم يحدث ضمن نظام طائفي تمييزي.

نريد لهوية تونس الدينية ألّا تكون قاتلة بل موقظة للجذور الثقافية دون تعصب عقائدي.. فإلى الأمام يا قيس سعيد إن كنت وفريقك الدستوري صادقين في ما تقولان.

9