الانسحاب الأميركي من أفغانستان يقوض استراتيجية بايدن العالمية

حلفاء الولايات المتحدة الذين استثمروا موارد عسكرية واقتصادية ضخمة في أفغانستان، يخشون عودة طالبان إلى السلطة ومن حمام الدم الذي من المرجح أن يصاحب ذلك.
الثلاثاء 2021/05/04
انسحاب باهظ

لم يكن قرار الرئيس الأميركي جو بايدن بسحب القوات الأميركية من أفغانستان قرارا سياسيا فقط بل هو أسلوب اعتاد رؤساء الولايات المتحدة القيام به لوضع بصماتهم خلال فترات ولاياتهم. ولكن يبدو أن خطوة واشنطن تثير مخاوف أمنية على أصعدة مختلفة بشأن إمكانية عودة طالبان للسيطرة على البلاد، وما إلى ذلك من تداعيات ليس فقط على الأفغان ولكن على المحيط المجاور وربما ما هو أوسع من ذلك.

واشنطن - تجتمع معظم التحليلات بأن سحب الرئيس الأميركي جو بايدن غير المشروط للقوات الأميركية من أفغانستان بحلول سبتمبر المقبل سيخلف عواقب وخيمة وخطيرة أوسع بكثير من إمكانية أن يقوض ذلك البلد استراتيجية الأمن القومي التي كشف عنها بفخر قبل أيام فقط من الإعلان عن انسحابه.

ولدى المحلل البريطاني ريتشارد كيمب القائد السابق في الجيش البريطاني ما يبرر القلق الذي سيمتد من آسيا الوسطى إلى الشرق الأوسط وربما إلى حلفاء الولايات المتحدة في جنوب شرق آسيا، ولديه قصة قديمة قد تكون عبرة للإدارة الأميركية.

ويسرد كيمب ما قاله الأدميرال السير هنري ليتش قائد البحرية الملكية في عام 1982، قال لرئيسة وزراء بريطانيا سابقا مارغريت تاتشر إنه إذا لم تسترد بريطانيا جزر فوكلاند عندما غزت الأرجنتين “سنعيش في غضون بضعة أشهر أخرى في بلد آخر لا تهم كلمته إلا القليل”. وكان يعلم أن الفشل في مقاومة دكتاتور استولى بالقوة على الأراضي ذات السيادة سيكون ضوءا أخضر لمثل هذا العدوان في كل مكان.

ريتشارد كيمب: التاريخ لن يكون وحده الذي يحكم على فشل بايدن
ريتشارد كيمب: التاريخ لن يكون وحده الذي يحكم على فشل بايدن

وكانت نفس الحسابات أساس قرار الرئيس جورج بوش الأب بإطلاق العنان لأحد أقوى الجيوش في التاريخ في أعقاب غزو الرئيس العراقي الراحل صدام حسين للكويت في عام 1990.

والأسوأ بكثير من عدم التدخل هو التدخل الذي يبوء بالفشل، والانسحاب من أفغانستان هو مجرد انعكاس لذلك. ولم يأمر بايدن القوات الأميركية بالذهاب إلى هناك في عام 2001، لكنه كرئيس للجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ في ذلك الوقت، أيد ذلك بقوة. وفي وقت لاحق قال “سيحكم علينا التاريخ بقسوة إذا سمحنا لأمل أفغانستان المحررة بأن يتبخر لأننا فشلنا في البقاء على المسار”.

ويقول كيمب، الذي يعمل حاليا كاتبا وباحثا في الشؤون الدولية والعسكرية في تقرير نشره معهد جيتستون الأميركي، إن التاريخ لن يكون وحده هو الذي يحكم على فشل بايدن في البقاء على المسار الآن، بل على حلفاء الولايات المتحدة وأعدائها ومنافسيها في مختلف أنحاء العالم.

وجاء في توجيهات بايدن الاستراتيجية للأمن القومي في مارس 2021 أن “السلطوية تمضي في مسيرة عالمية، ويجب أن ننضم إلى الحلفاء والشركاء ذوي التفكير المماثل لتنشيط

الديمقراطية في جميع أنحاء العالم. وسنعمل جنبا إلى جنب مع الديمقراطيات الزميلة في جميع أنحاء العالم لردع وصد العدوان من جانب الخصوم المعادين. وسنقف إلى جانب حلفائنا وشركائنا لمكافحة التهديدات الجديدة التي تستهدف ديمقراطياتنا”.

ويؤكد بايدن على ضرورة العمل مع حلف شمال الأطلسي وغيره من الحلفاء، وهو ما يصفه بأنه “أعظم رصيد استراتيجي للولايات المتحدة”. لكن كيمب يقول إن انسحاب بايدن غير المشروط من أفغانستان أثار أول بيان علني للمعارضة ضد السياسة الأمنية الأميركية كان من بريطانيا، أقرب حليف عسكري للولايات المتحدة والعضو التالي الأقوى في حلف شمال الأطلسي.

وقبل قرار الرئيس الأميركي، عارضت كل من فرنسا وألمانيا الانسحاب في الظروف الحالية، وردد الأمين العام لحلف شمال الأطلسي ينس ستولتنبرغ وجهات نظرهما.

ويخشى حلفاء الولايات المتحدة الذين استثمروا هم أنفسهم موارد عسكرية واقتصادية ضخمة في أفغانستان من عودة طالبان إلى السلطة ومن حمام الدم الذي من المرجح أن يصاحب ذلك. ويشاطرهم مخاوفهم الجنرال كينيث ماكينزى قائد القيادة المركزية الأميركية المسؤول عن أفغانستان الذي أبلغ لجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ الأسبوع الماضي أن القوات الأفغانية قد تنهار بعد الانسحاب الأميركي.

ويخشى شركاء الولايات المتحدة أيضا من تهديد مكثف من الجهاديين العالميين. ومن شأن تنظيم القاعدة إلى جانب تنظيم داعش – خراسان، الذي يتعاون معه في بعض الأحيان، أن يستعيد قاعدته المفضلة للهجوم على الغرب. وكما كان الحال من قبل، سوف يتدفق مواطنون غربيون على أفغانستان للتدريب على الإرهاب.

Thumbnail

ويبرر الرئيس الأميركي انسحابه بالحاجة إلى مواجهة التحديات من الصين وروسيا وتعزيز الحلفاء والشركاء الديمقراطيين ضد الاستبداد. ومن المرجح أن يكون لأفعاله تأثير عكسي. ويقول كيمب إن التخلي عن أفغانستان سوف تتذكره الدول في مختلف أنحاء العالم لفترة طويلة وهي تدرس خياراتها بين الولايات المتحدة والأنظمة الاستبدادية.

وقد اعترفت السعودية بالفعل بأن بايدن لن يحميها من إيران، مع اندفاع إدارته بتهور للانضمام إلى الاتفاق النووي الكارثي وسحب الدعم للمملكة في حربها ضد وكلاء إيران في اليمن. وخوفا على مستقبلهم، يعرف السعوديون أنهم لا يستطيعون الوقوف بمفردهم ضد إيران، وقد فتحوا باب المحادثات مع طهران، وهي خطوة لا يمكن إلا أن تضر بالمصالح الأميركية في المنطقة.

وعبر المحيط الهادئ، تعاني تايوان بشكل متزايد من اقتحام القاذفات الصينية لمجالها الجوي، بكثافة أكبر منذ تولي بايدن منصبه. وقال الرئيس الصيني شي جين بينغ إن تايوان يجب أن تكون “موحدة” مع الصين، وستكون كذلك، بالقوة إذا لزم الأمر.

ويتساءل كيمب هنا: ما مدى ثقة تايوان الآن في أن الولايات المتحدة ستساعدها بنشاط على المقاومة في حالة غزو الصين؟ والأهم من ذلك أن شي سيطرح نفس السؤال في حين أنه يحسب التكلفة المحتملة للتحرك ضد تايوان التي يعتبرها قطعة من بلاده.

ومع حشد القوات الروسية على طول الحدود مع أوكرانيا الشهر الماضي، سيكون شي قد لاحظ أيضا أن بايدن ألغى عبورا للبحر الأسود من قبل سفينتين حربيتين أميركيتين بعد أن طلبت روسيا من واشنطن الابتعاد، واصفا نشرها البحري المزمع بأنه استفزاز غير ودي.

ويصف المحلل البريطاني ما يحدث بالقول إنه “على غرار سرب من النسور، فإن باكستان وإيران والصين وروسيا سوف تتداعى كالنسور على الذبيحة الأفغانية بعد انسحاب الولايات المتحدة”.

وكل هذا هو ثمن باهظ لإنهاء ما يسميه بايدن “الحرب الأبدية” في أفغانستان. ولا تزال القوات الأفغانية تعاني من مستويات مروعة من الاستنزاف. وإذا كان الصراع يحتاج إلى خوضه في المقام الأول، فقد يتطلب وجودا دائما، وأحيانا لعقود.

ويمكن النظر على سبيل المثال إلى القوات الأميركية التي لا تزال منتشرة حتى اليوم في كوريا الجنوبية وألمانيا واليابان. كما يمكن النظر أيضا إلى عواقب انسحاب الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما المتعجل من العراق في عام 2011، الذي أدى إلى صعود تنظيم داعش وعودة القوات الأميركية المكلفة لما يقرب من عقد آخر وربما أكثر.

Thumbnail
7