الاستثمار في حرب غزة

ما يثير الاستغراب ويدعو إلى التساؤل هو عدم تغير النهج وطريقة إدارة الخلافات الفلسطينية رغم كل التحولات العالمية، وتجاهل حقيقة أن الآخرين هم مجرد ساعين ومساعدين لهم للوصول إلى تفاهم.
الجمعة 2021/06/11
الجهد الحقيقي أولا وأخيرا مُلقى على عاتق قادة فلسطين

آخر الجهود الدبلوماسية المصرية الهادفة إلى تقريب وجهات النظر السياسية بين الأطراف الفلسطينية لتوحيد موقفها خدمة للقضية والشعب الفلسطيني هو اجتماع يعقد السبت القادم في القاهرة. ليذكرنا بمسألتين مهمتين تتعلقان بتقاليد القادة الفلسطينيين في إدارة القضية، والتي غالبا ما تنتهي إلى نتيجة واحدة، هي إضاعة الفرصة التي تكون عادة مرتبطة بزمن محدد، أو بوجود قيادة أميركية تدعم “حل الدولتين”، كما هو الأمر حاليا مع إدارة جو بايدن.

المسألة الأولى، أن حركة “حماس” بدأت تستثمر في أزمة غزة سياسيا، وتسوّق نفسها بأنها صاحبة الحق الوحيد في الاستفادة من النصر، الذي توهم به نفسها، على القوات الإسرائيلية في حرب الـ11 يوما، وبالتالي فإن موضوع إعادة إعمار غزة هي الوحيدة المسؤولة عنه وعلى المجتمع الدولي تقبّل ذلك.

والمسألة الثانية، أن رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، الذي يفترض أنه الممثل المعترف به دوليا عن الفلسطينيين، ينتظر من مصر معرفة رأي “حماس” في مسألة قبولها المشاركة في حكومة الوحدة الوطنية التي يمثلها عباس وفي قبول “حماس” على إشراف السلطة الفلسطينية لإعادة إعمار غزة وذلك قبل المجيء إلى القاهرة للجلوس مع وفدها المشارك.

أول انطباع يمكن أن يخرج به أي مراقب، أن هناك خلافات سياسية عميقة وليست اختلافات في وجهات النظر بين الحركات الفلسطينية وخاصة بين “حماس” و”فتح”، وأن هذه الخلافات قد تصل إلى حد القطيعة والخصومة، وتلغي الجهود المصرية والدولية، حتى لو أدت إلى تجاهل مستقبل حل القضية وتحقيق الأمن للشعب الفلسطيني لأن عقدة تقديم مصلحة “الحركة” أو التنظيم على القضية والشعب الفلسطيني ما زالت تسيطر على عقلية بعض القادة الفلسطينيين.

الانطباع الثاني، مبني على التعلّم من التجارب التاريخية في التعامل الدولي مع الفرص السياسية التي تأتي لإيجاد حل للقضية، وهو بوضوح واختصار لا يمكن للآخرين إيجاد حلول وأصحاب القضية الحقيقيين لا يعملون من أجلها، بل يقدمون مصالحهم الشخصية على مصالح القضية والشعب.

صحيح أن فلسطين قضية عالمية وعربية والكل مطالب بإيجاد الحل، ولكن المسألة في الأصل قضية الفلسطينيين أنفسهم، وأي تدخل من قبل الآخرين هو إما خدمة لمشاريعهم السياسية، كما هو حال إيران وتركيا، أو من أجل الحق الفلسطيني ومستقبل استقرار المنطقة، وهذا ما تفعله مصر في كل مرة.

ما يخشاه أي متابع للقضية الفلسطينية أن يعيد تكرار المناوشات السياسية بين القيادات الفلسطينية ما حدث مع التجارب عربية ودولية سابقة حاولت التوفيق بين الأطراف الفلسطينية، وأبرزها وساطة العاهل السعودي الراحل الملك عبدالله بن عبدالعزيز، فتَضيع بذلك الحماسة الدولية كما ضاعت الفرص في المرات السابقة لإيجاد حل للقضية ويكون الخاسر الأكبر هو الشعب الفلسطيني.

المطلوب تعديل اتجاه البوصلة السياسية الفلسطينية انطلاقا من الإدراك أن المتغيّرات الدولية لم تعد كما كانت في السابق، فمكانة القضية الفلسطينية في دوائر صنع القرار في العالم بأكمله تراجعت، وبروزها في الحرب الأخيرة كان لدوافع إنسانية بالدرجة الأولى، وليس بسبب مغامرات قادة “حماس” الذين يصرّون على الاستثمار في هذه الحرب.

مهمّ أيضا تعديل البوصلة السياسية الفلسطينية انطلاقا من أن الاتجاه العالمي حاليا يسير نحو رفض التعامل وفق عقلية “الحركات” أو التنظيمات تحت أي مسمّى، لأن العالم عانى كثيرا من الطريقة التي وظّفت بها من قبل دول شكلت ولا زالت تشكل تهديدا للاستقرار والسلم العالميين.

لو افترضنا أن الخلافات بين الحركات الفلسطينية هي من أجل مصلحة الشعب والقضية، فإن استعراض المشهد الفلسطيني التاريخي يؤكد أنها مرحلة جديدة من “الاستثمار” والمتاجرة بالقضية، ولا يمكن الاعتقاد ببراءة ما يتم قبل اجتماع القاهرة لأن اللغة المستخدمة بين الطرفين، خاصة “حماس”، تنقل صورة مقلقة لا تخرج عن أسلوب الميليشيات وتفكير تنظيم “الجماعة”، وبالتالي فهم يقدمون مبررا جديدا للحكومة الإسرائيلية في رفض أي تفاهم.

ما يثير الاستغراب ويدعو إلى التساؤل هو عدم تغير النهج وطريقة إدارة الخلافات الفلسطينية رغم كل التحولات العالمية، وتجاهل حقيقة أن الآخرين هم مجرد ساعين ومساعدين لهم للوصول إلى تفاهم، أما الجهد الحقيقي والعملي فهو أولا وأخيرا مُلقى على عاتق قادة فلسطين.

8