الابتسامة الرضية

الفنان الليتواني راي بارتكوس رسم جداريته عن قصد رأسا على عقب، ليبدو عمله المرسوم على أحد المباني الضخمة المُشرفة على جانب من النهر الكبير، أقرب إلى الفن التجهيزي منه إلى فن الجداريات.
الجمعة 2019/01/11
عمل سحري الأبعاد

إن أردنا زيارة  ليتوانيا، فلا بد أن نشاهد الجدارية التي رسمها الفنان الليتواني راي بارتكوس على أحد المباني الضخمة المُشرفة على جانب من النهر الكبير الذي تتشارك فيه ليتوانيا مع بولاندا وروسيا.

رسم الفنان جداريته عن قصد رأسا على عقب، ففي حين بدت لوحته للوهلة الأولى لوحة غامضة وتقارب التجريدية، أفشى انعكاسها على النهر الهادئ نسبيا هيئتها الحقيقية وماهية العناصر المُشكلة لها.

بينما بدت الأشكال على “مادية” جدران المبنى تجريدية، ظهرت واقعية مُتحركة على”مائية” النهر، الناظر إلى الانعكاسات سينسى مصدرها الواضح ومنطلقها المرسوم على الجدران لكي ينغمس نظره بمتعة الحركة الواقعية التي تشكلها عناصر اللوحة عندما تترجمها على صفحة الماء.

سيرى الناظر بين تقلبات تدفقات الماء، لا سيما عندما يقترب حلول المساء، كيف تتحول الرسومات التجريدية بشكل سحري إلى تشكيلية مُتحركة بالفعل تُجسد كائنات وشخوصا منهمكة بنشاطات متعددة منها: طيور بجع تعبر، وغطاسون في عمق الماء، وشخوص تسبح في النهر وقوارب يجلس فيها أفراد يقومون بالتجديف.

أمام عمل كهذا سحري الأبعاد، قد أخذ من الفنان ومن دون شك وقتا طويلا في التدبير والتصميم قبل الشروع في التنفيذ، قد نتساءل حول حقيقة الأشياء التي نعيشها أو نراها، وحول مصداقية ما ترى عيوننا.

ويبقى الأهم هذان السؤالان اللذان تصب فيهما كل الأسئلة: ما هو سر سحر هذه الخفة التي جسدها الفنان في الماء؟ خفة تخطفنا إلى عمق الانعكاس الأكثر واقعية من مصدره المرابض على جدران المبنى كجندي فولكلوري بهندامه التراثي مل من لعب أدوار الحراسة السياحية.

وما هي خامة تلك السعادة التي ترتجف طربا في آذاننا قرقعة ماء وعبور نسمات وتتشكل ظلالا ملونة أمام أعيننا على صفحة الماء؟

قد نقارب الإجابة عن هذه الأسئلة التي يطرحها هذا العمل الفني، إن أبصرنا تجسده في الماء، محاولة فاتنة للعودة إلى ماء أرحام أمهاتنا، حيث الهناء ينحو إلى غياب تام للهموم وميل إلى السعادة المُطلقة أكثر من ميله إلى الفرح الإنساني المُجرح والمُهدد في كل لحظة من لحظاته، ماء تقلبنا وغفلنا واستيقظنا تباعا ومداورة في أحضانه الدافئة لمدة 9 أشهر كنا اعتقدناها أبدية.

يبدو عمل الفنان، الأقرب إلى الفن التجهيزي منه إلى فن الجداريات، إلغاء لألم اللحظة القدرية التي تخلت فيها عنا أرحام أمهاتنا عندما حلت مرحلة النضج الغرائبية فلفظتنا منها إلى حياة مختلفة تماما عما عرفناها في العتمة الرقراقة.

فما كان نمط واحد ومُطمئن للحياة في الأرحام، تشعب خارجها إلى أنماط عيش مُقلقة مقارنة بما سبق أن عرفناه في أرحام كانت بالنسبة لنا فضاء رغيدا يحكمه زمن ضبط على إيقاع ضربات قلب أمهاتنا.

ما إن تخلى عنا “الماء” حتى بدأنا، بغض النظر عن الفروقات الهائلة أو الطفيفة التي فصلت بيننا كبشر، بدأنا بسعينا لإرساء الصلح مع لحظة التخلي هذه والتأقلم مع حياتنا الأرضية التي لا تشبه ما عرفناه في أرحام أمهاتنا بشيء، ما إن نبتعد عن هذا الانعكاس حتى تغيب الرؤية ويعود الواقع الرث ليسن قوانين النظر المعروفة.

عندما رسم الفنان الليتواني لوحته على جدران المبنى الضخم المُشرف على جانب من النهر، ربما لم يرد أن يقدم عملا فنيا تزيينيا جميلا بتقشفه وزرقته فحسب، بل أراد أن يأخذ المار بالقرب من النهر إلى ماض سحيق، إلى أقصى حد معروف بشريا كانت فيه الصورة أصدق من الواقع، وليرسم على ثغرنا عند ابتعادنا عنه ابتسامة رضية.

17